الجمعة، 18 مايو، 2007

الآباء الأولين

السلام عليكم

اليوم نتحدث عن الآباء الأولين (آدم – إدريس – نوح) على اعتبار أن إدريس أسبق من نوح في ترتيب الأنبياء وهذا ما يوضحه مؤلف كتاب "من إعجاز القرآن في أعجمي القرآن" والله عز وجل أعلى وأعلم....

مع تحياتي


من إعجاز القرآن في أعجمي القرآن
العلم الأعجمي في القرآن مفسراً القرآن
المؤلف/رؤوف أبو سعدة
******

الآباء الأوليــن
****

(1)
آد م

من دلائل قدم العربية على العبرية، أن اسم "آدم" أبي البشر (وينطق في العبرية "أدام" بألف ممدودة بعد الدال)، ليس له جذر في العبرية يشتق منه إلا الجذر العبري "أدم" أي "إحمر" بمعني كان أحمر اللون. و"أدوم" في العبرية يعني "الأحمر"، ومنه كما يقول علماء العبرية لفظ "دام" أي "الدم"، فلا تدري هل اشتق "آدم" من الدم أم اشتق "الدم" من آدم. وفي العبرية أيضا "أدما" بمعني الأرض، أي التربة، ومنه ما جاء في سفر التكوين: "ويصر يهوا إلوهيم إت – ها أدام عفر من ها أدما وبيح بأباو نشمت حاييم" وهي في الترجمة العربية" وجبل الرب الإله آدم ترابا من الأرض ونفخ في أنفه نسمة حياة"(تكوين 2/7). والأرض هنا يعني التربة، أي قشرة الأرض، يعني أديمها الظاهر منها، لا الأرض نفسها وهي في العبرية "هاآرص". ولا سبيل لك إلي اشتقاق "أدما" هذه – إن أردتها عبرية- إلا من الجذر العبري "أدم"، أي "إحمر"، يعني كان أحمر اللون، فهي "الحمراء"، وكأن "آدم" يعني "الأحمر" المجبول من "الحمراء". ولو قابلت هذا بمكافئه العربي لقلت إن "آدم" يعني "الأغبر" المجبول من "الغبراء"(وهو الاسم الذي يطلقه العرب على أديم الأرض)، وكأن الحمرة هي اللون الغالب على تربة الأرض عند العبرانيين فسميت به. ولا يصح هذا بالطبع، وإنما الصحيح هو أن العبرية لم تشتق "أدما" من الجذر العبري "أدم"، وإنما نقلتها نقلا عن العربية ("الأدمة")، اسما جامدا لا اشتقاق له عندها.

أما "أدم" العربي، فهو جذر غزير المعاني، ليس فيه من الحمرة شئ. من معانيه الامتزاج والخلط والإيلاف: من ذلك "الائتدام" أي المزواجة بين أنواع الطعام كأكل الأرز باللحم، والخبز بالخضر. و"الإدام" هو المضاف من الطعام إلي بعضه ليستمرأ. و"آدم" بين الزوجين يعني آلف بينهما وأصلح. و"أدم الصانع الجلد" يعني أصلحه بنزع الزائد من "أدمته"، و"الأدمة" هي باطن الجلد تحت البشرة اللصيق باللحم "المخالط" له. و"أدمة الأرض" ما يلي وجهها، أي غلافها، ومنه"الأديم" بمعني الجلد، وأديم الأرض يعني "جلدها"، وهو "التربة". و"أدم يأدم"، وأيضا "أدم يأدم" فهو "أدم" (نسبة إلي "الأدمة" أي "التربة") يعني من كانت بشرته في لونها، أي الشديد السمرة. و"آدمته الشمس" يعني لوحت لونه، أي صيرته إلي السمرة.
وهكذا تري أن "أدما" العبرية بمعني الأرض والتربة، ليست بعبرية، وإنما هي دخيلة على تلك اللغة، استعارتها رأسا من العربية.

وتستطيع أن ترتب على هذا مباشرة أن العبرية ورثت أيضا اسم "آدم" عن هذه العربية نفسها، أعني العربية الأولى - عربية آدم - ذلك الاسم الذي سماه الله به في الجنة، وهبط به إلي الأرض، فصار له علما بين زوجه وبنيه وحفدته وذراريه. دليلك في هذا أن سفر التكوين ينص تنصيصا على أنه لا يشتق "آدم" من لون بشرته عبريا، أي الحمرة، ولكنه يشتقه من الأرض التي أخذ منها وإليها يعود، أي من "الأدمة" (وهي عربية لا عبرية كما مر بك):"عاد شوبخا إل-ها أدما، كي ممنا لقحتا، كي – عفر أت، وإل – عفر تشوب" أي "حتي تعود إلي الأرض التي أخذت منها لأنك تراب وإلي التراب تعود" (تكوين 3/19).
آدم من الأدمة في التوراة، ليس من الحمرة، وهو كذلك في العربية، كما سترى، بل هو أولى.

*****

أما مفسرو القرآن (راجع تفسير القرطبي للآية 31 من سورة البفرة) فهموه على أنه مشتق من أدمة الأرض وأديمها، وهو وجهها، فسمي بما خلق منه. وقال بعضهم إنه مشتق من الأدمة (بضم الهمزة) وهي السمرة.
وزعم بعضهم أن الأدمة هي البياض، وأن آدم كان أبيض. وليس هذا وذاك بشئ، لأن الأدمة نفسها مشتقة من الأديم، أي من لون الأدمة، وهي إلي السمرة أقرب، ثم إنه لا مدخل للون آدم في تسميته: ليكن آدم أسمر أو أبيض أو ما شئت من أبشار البشر إن صح في لونه عن الصادق المصدوق حديث، ولكنه قبل كل شئ منسوب إلي هذه الأدمة التي جبل منها أيا كان لونها وأيا كان لونه.
وقد عقب القرطبي رحمه الله على أقوال المفسرين في هذا بقوله: والصحيح أنه مشتق من أديم الأرض.
وهذا هو"التفسير القرآني" لمعني"آدم"، كما سترى.

******

ورد آدم في القرآن منفردا - أي ليس مضافا إليه بنوه كما في "بني آدم"، "إبني آدم" - 18 مرة، منها أربع على النداء من الله عزوجل في الملأ الأعلي، ومنها واحدة خاطبه بها إبليس بغريه بالأكل من الشجرة، والباقي في الحديث عن قصة آدم في الملأ الأعلي، إلا اثنين: {إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ} (33) سورة آل عمران، {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ } (58) سورة مريم.
ليس في هذا كله من تفسير معني آدم شئ إلا قوله عزوجل: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ} (59) سورة آل عمران.
ولكنك تجد هذا المعني فصيحا بينا في مثل قوله عزوجل: { إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ} (71) سورة ص. في هذه - وغيرها من مثلها في القرآن كثير- الكفاية كل الكفاية في تفسير معني"آدم": أما الطين فقد علمته، وأما "البشر" فمن البشرة، وهي وجه "الأديم"، و"بشر" الأديم يعني قشره.
"آدم" عربية كما تري، تخرج عن مقاصد هذا الكتاب الذي نكتب، ولكن القرآن فصل في وجه اشتقاقها: إنها من "الأدمة و"الأديم"، لا من "البياض" و"السمرة".

ويخرج عن مقاصد هذا الكتاب أيضا تفسير اسم "حواء"، زوج"آدم" في الجنة، لأنها لم تذكر بالاسم في القرآن.
ولكنا وعدناك فيما سبق بتفسير هذا الاسم مع "آدم". وقلنا لك أيضا فيما سبق إن القرآن - حين لا ينص على اسم علم - يلم بمعناه أحيانا في ثنايا الآيات، فيصوره لك حتي لتكاد تسميه به، وإذا هو نفسه اسم العلم المعني في التوراة، و "حواء" من هذا كما ستري.

*****

يشتق علماء العبرية اسم "حواء" من الجذر العبري"حوا"، ويقولون إنه من "الحياة"، أي أن "حواء" يعني"الحياة". وهم يفسرون الجذر العبري"حوا" على هذا المعني قسرا، رغم أن لفظ الحياة في العبرية هو "حاييم"، المشتق من جذر عبري آخر هو "حيا" بالياء، المطابق لنظيره العربي بنفس المعني. ولكنهم يقولون لك إن "حوا"(وهو اسم "حواء" في العبرية غير مهموز) يعني"الحياة" في اسم"حواء" فقط، لا يجوز استخدامه بهذا المعني في غيرها، بل تستخدم "حاييم" على أصلها. وقد"اضطر" علماء العبرية إلي هذا اتباعا لسفر التكوين الذي ينص تنصيصا على أن "حواء" من الحياة. وقد مر بك هذا في موضعه. ولا تستطيع أن تقول إن كاتب سفر التكوين تورط في هذا التفسير مدفوعا بتغيير طرأ في زمنه على معني الجذر "حواء"... لو صح هذا لما جاز لعلماء العبرية حظر استخدام "حوا" بمعني الحياة في غير اسم "حواء".
إنما تستطيع أن تقول إن كاتب سفر التكوين تورط في هذا فألزم به من جاءوا بعده، دليلك في هذا من العبرية المعاصرة التي تستخدم الفعل "حوا" بمعني عاش، أي عاش حدثاً ما أو تجربة ما، بمعنى "شهد"، ولكنها لا تستخدمه قط بمعني "حيا". أي إن "عاش" و"حيا" ليسا سواء.
عاش بمعني شهد يسهل اشتقاقه من أصل معنى الجذر العبري"حوا"، وهو يطابق "حوي" العربي. وقد تابع مفسرو القرآن أهل التوراة في تفسيرهم اسم "حواء" بالحياة، لا تجد لهم في تفسيره قولا يغايره (راجع تفسير القرطبي للآية 35 من سورة البقرة).

****

أما الفعل "حوى" في العربية فأصل معناه التجمع والاستدارة والتقبض، ومنه "الحية" لأنها "تتحوى" أي تستدير على نفسها، ومنه أيضا "حواه" بمعني استولي عليه وملكه، وكأنه "استدار عليه"، ومنه كذلك "الحواء" أي المكان الذي يحوي الشئ، ويجمع على "أحوية"، و"الأحوية" يعني البيوت التي تحوي الناس، والباقي الآن منها في معناه البيوت من الوبر مجتمعة على ماء. والحواءة من الرجال يعني اللازم بيته.

وقد رجع "علماء العبرية" إلي هذه المعاني حين أرادوا تأصيل معني الجذر العبري"حوا"- بعيدا عن اسم "حواء" بالطبع الذي لا يملكون له تعديلا- عندما تصدوا للفظ العبري "حووت"(علي جمع التأنيث العبري من "حوا" بمعني " القرية" - الذي لا يستقيم معناه بالإصرار على أن الفعل "حوا" العبري يعني "حيا")، فتبينوا أن "حووت" العبري يعني بالضبط "الأحوية" العربي وانتهوا إلي أن "حوا" العبري يأخذ من "حوى" العربي معني التجمع والاجتماع.
وقال آخرون من علماء العبرية هؤلاء إنه لا داعي لأخذ "حوا" العبري من "حوى" العربي، لأنه إذا كان "حوا" العبري يعني "حيا" كما يريد سفر التكوين، فإن معني "الحياة" Living يفيد معنى "السكنى" و" الإقامة" أيضا. ومهما قلت في تأثر هذا القائل بلسانه الأوروبي، فهو في أعماقه يريد أن يوفق بين ما قاله سفر التكوين في معنى "حواء" بأنها من "الحياة"، وبين تلك "الأحوية" (حووت العبرية)، أي تلك "القرى" الماثلة أمامه، ليس فيها من اشتقاقات "الحياة" شئ إلا إن أخذت"الحياة" بمعنى "المعيشة"، وهو بعيد عما أراده سفر التكوين بقوله إن حواء هي واهبة الحياة(أم كل حي).

أيما صح هذا أوذاك، فأنت لابد منته إلي أن"الفعل حوا" العبري أصل معناه من التجمع والانضمام والسكني والتوطن والإقامة، لا شأن لك بما آل إليه معناه عند كاتب سفر التكوين، فأم البشر"حواء" ليست فقط أقدم من مولد هذا الكتاب ولكنها أقدم بقرون لا يعلم عدتها إلا الله من مولد تلك اللغة العبرية نفسها.
والذي لا شك عندي فيه أن "حواء" عرفت بهذا الاسم في الملأ الأعلي، وإنه قد تكلم به معها آدم الذي علم الأسماء كلها، وأنها هبطت بهذا الاسم إلي الأرض مع آدم، فصار لها علما في أجيال بنيها، يتوارثونه جيلا بعد جيل، حتى آل إلي ما صار إليه في سفر التكوين، لا على النحت من العبرية ذاتها، وإنما على النقل من "العربية الأولى"، عربية آدم وحواء، شأنه شأن اسم "آدم" سواء بسواء.

والذي لاشك عندي فيه أيضا - ولا خلاف فيه مع سفر التكوين - أن دلالة الاسم على مسماه قد روعيت في تسمية "حواء" كما روعيت من قبل في تسمية "آدم"... أما آدم فقد سمي بما خلق منه وأما حواء فقد سميت بما خلقت له.
وقد أصاب سفر التكوين في آدم، ولم يصب في حواء، التي تعلل في تسميتها بمعني الحياة (لأنها أم كل حي):"ودعا آدم اسم امرأته حواء لأنها أم كل حي" (تكوين3/20)، أي أنها سميت بما خلقت له وهو "الإنجاب"، أي ولادة الأحياء.
ولم يصب الكاتب في حواء من وجهين: الأول لغوي بحث، لأنه لا يصح اشتقاق الحياة من الجذر العبري "حوا" إلا بافتعال شديد كما مر بك. والثاني بيولوجي بحت: لا يصح أن يقال إن المرآة هي "واهبة الحياة"، فبالذكر والأنثى معا يكون النسل، لا نسل إلا باجتماعهما معا. وفي الكون كائنات "وحيدة الجنس" تتناسل لا حاجة بها إلي ذكر أو أنثي، ولو شاء الله لآدم أن يكون من هذه الكائنات لفعل. وسفر التكوين نفسه ينص على سبب إيجاد "حواء" أنثي... "وقال الرب الإله ليس جيدا أن يكون آدم وحده. فأصنع له معيناً نظيره" (تكوين 2/18)، أي أن يكون لآدم زوج. بل وراء جعل النسل من ذكر وأنثي هدف أجل منه، وهو إلزام شطري الخلق بالعيش في جماعة من نوعها. تجد هذا في الأحياء كافة حتى الحشرة. وفي إطالة أمد طفولة النوع الإنساني - وهي في الإنسان من دون كافة الأنواع أطولها أمدا- إلزام الأبوين بالإيلاف والتضام، و"التحوي" عمرهما كله لرعاية هذا النسل وإعالته وتنشئته، فتكون "الأسرة". وفي المخالفة بين نسل الأسرة والأسرة - عددا ونوعا - إلزام الأسر بالتزاوج فيما بينها، فتنشأ بالنسب والصهر شعوب وقبائل، يتعارفون على أصول وقيم يتبارون في السبق إليها. ولا يتحقق هذا إلا بالخلق من ذكر وأنثي. وتجد هذا كله في قوله عز وجل: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (13) سورة الحجرات.
و"جعلناكم" في هذه الآية على التقرير والتفسير معا، أي خلقناكم من ذكر وأنثي لنجعلكم شعوبا وقبائل.
وقد شاءت حكمته عز وجل أن يجعل المرآة للرجل "سكنا"، مستقراً له ومقاما. إنها الزوج والإلف والسكن. وهذا هو ما خلقت له "حواء" فسميت به، لا "ولادة الأحياء" كما تجد في سفر التكوين، فما كان لآدم وحواء وهما في الجنة التفكير في الإنجاب والتناسل.

ليست "ولادة الأحياء" هي العلة من التسمية وإنما العلة هي أنها "الحواء" لآدم، السكينة والسكني.
والقرآن لا ينص على اسم "حواء"، فلا يسميها ما سماها به آدم، إن صح ما قاله سفر التكوين من أن آدم هو الذي سمى، وإنما القرآن يسميها "زوج آدم"، أي إلفه: {وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} (35) سورة البقرة.

ولكن القرآن يفسر اسم "حواء" بما فسرناه به نحن فيصوره أبلغ تصوير في قوله عز وجل: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} (189) سورة الأعراف، {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا} (21) سورة الروم، {وَهُوَ الَّذِيَ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ} (98) سورة الأنعام.


(2)
إدريس

ليس في التوراة والإنجيل اسم "إدريس"، وإنما ذكر إدريس عليه السلام في القرآن وحده في زمرة من ذكرهم القرآن من النبيين والصديقين.

وقد وردت "إدريس" في القرآن مرتين فحسب: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا * وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا} (57:56) سورة مريم، {وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ } (85) سورة الأنبياء.
وقد اختلف مفسرو القرآن في "إدريس" (راجع تفسير القرطبي للآية 56 من سورة مريم)، أعجمي اسمه أم عربي، سبق نوحا أم كان من ذرية نوح. والمشهور عند الرواة أن اسمه في العبرية "أخنوخ"، وأنه أول نبي من ذرية آدم سابق على نوح. ومنهم من أصر على أن "إدريس" لفظ أعجمي لأنه ممنوع من الصرف في القرآن لغير علة إلا العجمة، دون أن يذكروا من أي لغة أعجمية هو، كدأبهم حين يعضل الاشتقاق عليهم. والكثرة على أنه من "درس" العربية فهو "الدارس" من المدارسة والتدارس على المبالغة، الكثير العلم. وليس في "إدريس"حديث صحيح يفصل في المسألة، إلا ماجاء في صحيح مسلم من حديث يفصل في المسألة، إلا ما جاء في صحيح مسلم من حديث الإسراء قوله صلي الله عليه وسلم: "لما عرج بي أتيت على إدريس في السماء الرابعة"، تفسيرا لقوله عزوجل في شأن إدريس: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا} (57) سورة مريم، وهذا لا يفصل في الترتيب التاريخي لإدريس عليه السلام بين الأنبياء صلوات الله عليهم.

راجع أيضا قوله عزوجل في سورة مريم يصف الأنبياء المذكورين في السورة وآخرهم إدريس: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا} (58) سورة مريم. ولئن كان الخلق كلهم من ذرية آدم، فالتفصيل في الآية يفيد أن من النبيين في السورة من ليس من ذرية إبراهيم ويعقوب (إسرائيل)، وليس من المحمولين في الفلك مع نوح، لا تصح نسبتهم إليه لأنهم قبله، فهم من ذرية آدم. والأنبياء المذكورون في سورة مريم كلها هم بترتيب ورودهم فيها: زكريا- يحيي- عيسي- إبراهيم – إسحاق- يعقوب- موسي- هارون- إسماعيل- إدريس، ليس فيهم من تشك في نسبته إلي إبراهيم، وإبراهيم من ذرية المحمولين مع نوح، إلا إدريس، فهو المعني إذن، على الراجح عندي، بهذا الإفراد والتنصيص على النبيين من ذرية آدم.

علي أن منشأ القول بأن إدريس في القرآن هو "أخنوخ" في التوراة يرد بالقطع إلي يهود من أهل الكتاب عرفوا أن "إدريس" في العربية تكافئ "أخنوخ" في العبرية، وربطوا بين ما جاء في القرآن عن إدريس: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا} (57) سورة مريم، وبين ما جاء في سفر التكوين في شأن أخنوخ، أبي متوشالح، أبي لامك، أبي نوح:"وعاش أخنوخ خمسا وستين سنة وولد متوشالح. وسار أخنوخ مع الله بعد ما ولد متوشالح ثلاث مائة سنة وولد بنين وبنات. فكانت كل أيام أخنوخ ثلاث مائة وخمسا وستين سنة. وسار أخنوخ مع الله ولم يوجد لأن الله أخذه" (تكوين 5/21-24). اللفظ العبري "أخنوخ" يفيد بذاته بالدارس الإدريس، و"سيرته مع الله "تفيد" الصديقية" التي في قوله عزوجل: { إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا} (56) سورة مريم، وعبارة "ولم يوجد لأن الله أخذه" تجد صداها في قوله تبارك وتعالي: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا} (57) سورة مريم. ولم يقع هذا في القرآن في شأن أي نبي على ارتفاع مكانتهم إلا في إدريس، وهذا يدلك على أنه ارتفاع على الموضع حقيقة لا مجازاً.
لهذا كله فنحن مع القائلين بأن أخنوخ في التوراة هو نبي الله إدريس عليه السلام. والله عز وجل بغيبه أعلم.

********

أما المستشرقون المنكرون الوحي على القرآن فلم يقولوا بهذا، ولم يلتفتوا إلي وحدة المعني في "إدريس" و"أخنوخ" وإنما ذهبوا يلتمسون لاسم"إدريس" نظيرا أعجمياً في أقاصيص أهل الكتاب، فلما أعياهم البحث رأي بعضهم أن أقرب الأسماء إليه "أندرياس" اليوناني، وهذا عبث لا يليق بنا الالتفات إليه، ناهيك عن مناقشته والإفاضة فيه.

********

أما أن "أخنوخ" – لغة – هي "إدريس" فقد علمت أن "الإدريس" هو الدارس الفاه الحاذق. وأما "أخنوخ" فأصلها العبري "حنوك"، التي تنطق كافها خاء، على ما مر بك من قواعد النطق في العبرية التي تنطق الكاف خاءً إذا تحرك أو اعتل ما قبلها، فهي عندهم"حنوخ" عربها العرب إلي "أخنوخ". وأما معنى "حنوك" العبرية هذه فهي على المفعولية من الفعل العبري "حنك" على معنى "حنكة" العربي، أي فقهه وثقفه وعلمه، فهو المحنك المحنوك.

وقد جاءت "إدريس" في القرآن على الترجمة لاغير، تحاشيا لثقل "أخنوخ" التي شهر بها هذا الاسم العلم قبل القرآن.
وأما لماذا كانت "إدريس" ممنوعة من الصرف في القرآن، فهذا من إعجاز القرآن الذي لم يفطن إليه الزمخشري وغيره (راجع تفسير القرطبي للآيتين 56و57 من سورة مريم) الذين لم يستطيعوا الجمع بين عربية هذا الاسم في لفظه، وبين عجمته في أصله: القرآن - يمنع "إدريس" من الصرف - يدلك على أصله الأعجمي، وكأنه يوصيك بأن تتلمسه في "أخنوخ" لا في نبي مجهول من بني اسماعيل عليه السلام.


(3)
نوح

لقد شهر نوح عليه السلام بأنه آدم الثاني، لأن الخلق كلهم بعد الطوفات ينسبون إليه: قال عزوجل في نوح {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ} (77) سورة الصافات، وهذا من مجاز المجمل، والصحيح أنهم ذريته وذرية من آمن معه وركب الفلك: {ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ} (3) سورة الإسراء.

والذي بين آدم ونوح عليهما السلام قرون لا يعلم عدتها إلا الله، والذي بين نوح وإبراهيم عليهما السلام كذلك. تستطيع بالحساب التقريبي أن تضع إبراهيم عليه السلام بين أعلام القرن الثامن عشر قبل الميلاد أو التاسع عشر لا تزيد: أنجنب إبراهيم وقد ناهز المائة عام ابنه الثاني إسحاق، وأنجب إسحاق بدوره ابنيه التوأمين "عيسو"، "يعقوب" وهو "إسرائيل" أبو يوسف الذي وطأ لبني إسرائيل في مصر فمكثوا بها كما تقول التوراة أربعمائة وثلاثين سنة (خروج 12/40)، وكان خروجهم على الراجح عندي - كما مر بك - أواخر عصر "رمسيس الثاني" الذي كان مهلكه حوالي 1225 ق م. تستطيع بالتقريب إذن (1225+430=1655) أن تضع يعقوب بين أعلام القرن السابع عشر قبل الميلاد وأن تضع جده إبراهيم عليهما السلام بين أعلام القرن التاسع عشر. ولكن ليس لديك من معالم التاريخ ما تستدل به على عصر نوح، إلا أن تستظهر من علم الآثار تاريخا تقريبيا لعصر الطوفان، وليس بين يديك من هذا شئ. ناهيك بأن تحدد تاريخا تقريبيا لمهبط آدم وحواء إلي هذه الأرض، فتقدر الفترة ما بين آدم ونوح، والحفريات تنبئك بالعثور على عظام بشرية في طبقات يرجع تاريخها إلي ما بين مائة ومائتي ألف عام.

ولكن سفر التكوين - كدأبه في النص على المحالات - يتورط فيحصر الفترة ما بين آدم إلى نوح في تسعة آباء، هي على النسب الصاعد: نوح- لامك – متوشالح- أخنوخ- يارد – مهللئيل – قينان – أنوش- شيث- آدم، ولا يكتفي بهذا بل يحدد لكك منهم تاريخ مولده وتاريخ وفاته، فتستخلص منه (راجع الإصحاح الخامس من سفر التكوين)، أن آدم توفي سنة 930 ب خ ( ب خ = بدء الخليفة)، وأن نوحا ولد سنة 1056 ب خ، وأن الطوفان - الذي حدث ونوح عمره ستمائة سنة - كان سنة 1656 ب خ. ولعلك تعلم أن التقويم اليهودي يبدأ ببدء الخليقة، وان بدء الخليقة هذا - القائم على حسابات سفر التكوين- يناهز عام 3761 قبل الميلاد، وهذا يعني أن المصريين على الأقل - الذين كان لهم وجود في مصر منذ حوالي 4200 قبل الميلاد كما يقول علماء الآثار والحضارات - ولدوا قبل بدء الخليقة لا قبل مهبط آدم فحسب. ويعني أيضا أن الطوفان الذي حدث على هذا التقدير عام 2105 قبل الميلاد، حدث بعد بناء بابل (2800 ق .م) بنحو سبعة قرون ويعني أيضا أن نوحا - الذي عاش ثلاثمائة وخمسين عاما بعد الطوفان - مات سنة 1755 ق م، أي أواسط القرن الثامن عشر قبل الميلاد، فكان من معاصري إبراهيم!

هذا كله يقطع الصلة ما بين سفر التكوين والعلم، وما بين سفر التكوين والوحي الصادق، فلا تلتفت إليه. ولكن هذا الذي تورط فيه سفر التكوين فألزم نفسه ما لا يلزمه، لم يسئ إلي أسفار التوراة فحسب، ولكنه نال من "جدية الوحي" بعامة، وزعزع هيبة الدين في صدور الذين نشئوا على أن التوراة والإنجيل معا "كتاب مقدس"، الذين لا يرون في غير التوراة والإنجيل وحياً منزلاً، فلم يبحثوا عن الحق في غيرهما ، والحق منهم قريب، في القرآن المصدق "المهيمن".

علي أن موسي عليه السلام- صاحب التوراة- لم يتورط فيما تورط فيه سفر التكوين، بل فوض العلم بالقرون الأولي إلي الخلاق العليم. جهل فرعون ما كان من شأن تلك القرون- والمصريون على عصره أوفر أهل زمانهم علماً وحضارة- فسأل موسي أن ينبئه بأنبائهم: {قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى * قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى * قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى} (52:49) سورة طـه.

والقرآن يباعد ما بين نوح وإبراهيم: {وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا * وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا} (38:37) سورة الفرقان.

والقرآن يباعد أيضا ما بين آدم ونوح. تستظهر هذا من قوله عز وجل: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ * فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ} (24) سورة المؤمنون. قد مضت القرون إذن من بعد آدم إلي نوح حتى أنسوا ما نزل به آدم. ولو صح ما قاله سفر التكوين كما مر بك لكان ما بين وفاة آدم (930 ب خ) ومولد نوح (1056 ب خ) مائة وستة وعشرين عاما لا تزيد، ولكاد آدم نفسه يرد على هؤلاء المعاندين المكذبين، أو لرد عليهم "أنوش"، بن "شيث"، بن "آدم" الذي ما مات حتى ناهز نوح الرابعة والثمانين، (راجع هذه "الحسابات" على الإصحاح الخامس من سفر التكوين).

لا يعارض القرآن التوراة إلا ويصح القرآن. ولا يعارض القرآن علوم "العصر" إلا ويصح القرآن. ولا "يتفق" العلم مع القرآن إلا وقد سبق القرآن العلم ومهد الطريق.

********

"نوح" في القرآن هي تعريب "نوح" في التوراة، التي تنطق في العبرية لا مداً بالواو وإنما مدا بالضم بعده فتح (نو- وح)، ومن هنا كتابتها بالإنجليزية Noah. وهي في العبرية من الفعل العبري ناح/ينوح، مشتقة على المصدر أو اسم الفعل، فهي "نوح" (نُو- وح).

أما المعاني هذا الفعل في العبرية فهي: البقيا والتلبث - الدعة والسكون - الكف والتوقف - الراحة والاسترواح والتنعم. وهو في العبرية والآرامية سواء. علي أنك تستطيع أن ترد هذه المعاني جميعا إلي معني الفعل الرئيسي، وهو البقيا والتلبث. والمعني الرئيسي للفعل هو أقدم معانيه، أي أسبقها وجودا.

وهو نوح على عبرية التوراة - وهو قديم جد بعيد - يجعلك تؤثر أخذ معني اسمه من المعني الرئيسي لهذا الفعل "ناح/ ينوح" العبري- الآرامي، أعني تأخذه من البقيا والتلبث، غير ملتفت إلي عبارة في سفر التكوين يحاول بها الكاتب تفسير هذا الاسم بمعني العزاء والراحة: "ودعا اسمه نوحا. قائلا هذا يعزينا عن عملنا وتعب أيدينا من قبل الأرض التي لعنها الرب "(تكوين 5/29). تأخذه من البقيا والتلبث، ولا تأخذه من العزاء والراحة، لا حبا في مخالفة كاتب سفر التكوين، وإنما تفعله انحيازا للتأصيل اللغوي العلمي لمعني هذا الجذر العبري - الآرامي "ناح"/ ينوح".

ففد مر بك أن ما كان في العربية أصلا بالخاء (المنقوطة) يرد في العبرية والآرامية فورا إلي الحاء(غير المنقوطة). وما كان في العربية أصلا بالحاء (غير المنقوطة)، يظل في العبرية والآرامية على أصله بالحاء. مثال ذلك "خلق"، العربي يصبح في العبرية والآرامية "حلق" بينما " جلح/يجلح" العربي يظل في العبرية – الآرامية بالحاء " جلح/ يجلح".

"ناح" العبري إذن هو إما "ناح" العربي نفسه، من "النواح"، كما ظن بعض مفسري القرآن، ولم يوفقوا فيه، فليس في "ناح" العبري من معاني "النواح" شئ كما مر بك، وإما هو"ناخ" العربي بخاء منقوطة، من الإناخة والتنوخ، أي التلبث والبقيا، وهو الصحيح، لأن هذا هو المعني الرئيسي للفعل العبري "ناح/ ينوح".

ليس مسموعا في العربية ناخ ينوخ، ولكنك تأخذه من أناخ/ ينيخ بنفس معناه: أناخ بالمكان ، أقام، وأناخ به البلاء، حل به ولزمه، ومنه أناخ الجمل يعني أبركه، والمناخ، محل الإقامة ، والنوخة مثله.

"نوح" إذن من النوخة والإناخة، فهو النائخ المتنوخ، أي اللابث لا يريم. صار له علماً لطول مكثه في قومه (ألف سنة إلا خمسين عاما كما في التوراة وفي القرآن) وطول ملاحاتهم له.

وهذا هو التفسير القرآني لمعني "نوح"، فسره بالمرادف في مثل قوله عزوجل: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا} (14) سورة العنكبوت، {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللّهِ فَعَلَى اللّهِ تَوَكَّلْتُ} (71) سورة يونس، {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ} (77) سورة الصافات.

صحح القرآن معني"نوح" لمفسري القرآن الذين تكلموا فيه، وصححه أيضا لكاتب سفر التكوين كما مر بك. وسبحان العليم الخبير.

******

(4)
الجودي

الجودي هو اسم مرسي سفينة نوح في القرآن. وردت في القرآن مرة واحدة في قوله عزوجل: {وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} (44) سورة هود.
ولم يتعرض مفسرو القرآن (راجع تفسير القرطبي للآية 44 من سورة هود) لتفسير معنى "الجودي"، مكتفين بأنه اسم جبل في الموصل شمالي العراق، القريبة من حدودها مع تركيا، ومن مقاطعة "أرمينية" في تركيا على حدودها المشتركة مع إيران.

والمعروف عند أهل الكتاب من "سفر التكوين" (تكوين 8/4) أن مرسى سفينة نوح هو "أراراط": "واستقر الفلك في الشهر السابع في اليوم، عشر من الشهر على جبال أراراط".
وإذا علمت أن "أراراط" في عبرية التوراة يعني "أرمينية" نفسها (راجع "أراراط" في المعجم العبري "هملون هحداش لتناخ")، فقد علمت أن سفر التكوين لم يسم جبلاً بعينه لمرسي نوح، وإنما قال ببساطة إن السفينة رست على "جبال أرمينية".

ولكن الناس تناسوا هذا أو أنسوه، فوهموا أن ثمة جبلاً بعينه اسمه "أراراط" رست عليه السفينة، وأن رحالة عثروا في قمته على حطام رجحوا أنه حطام "الفلك المشحون"، رغم أن الفلك لم يتحطم على قمة الجبل، بل رست السفينة بسلام: {قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ} (48) سورة هود.
ولكن التسمية ثبتت وانتهي الأمر. تجدها في المعاجم الأوربية علما على جبل بعينه في أرمينية شرقي تركيا (راجع مادة Ararat في Webster's). قرب حدود أرمينية المشتركة مع إيران، يبلغ ارتفاع إحدى قمتيه حوالي 5128 مترا.

من هنا طنطن مستشرقون عدوا بغير علم. قال القرآن "الجودي" وقالت التوراة "أراراط". ولكن التوراة لم تقل "أراراط" كما مر بك، وإنما قالت (جبل من جبال "أراراط")، أي في أرمينية، لم تسمه، وسماه القرآن.
أما ذلك "الجودي" الذي في الموصل على ما ذكره مفسرو القرآن، فليس هو بالضرورة الجودي المعني في القرآن، بل الراجح عندي أنه جبل تسمي بهذا الاسم بعد نزول القرآن.
لا خلاف إذن بين التوراة والقرآن في تسمية مرسي نوح، لا لأنهما تطابقا، وإنما لأن التوراة عممت، وخصص القرآن.

وقد مر بك أن الأعلام الموحي بها في القرآن على غير سابقة في التوراة والإنجيل تجئ في القرآن "عربية" على أصلها . أما معني "الجودي" في العربية فلك أن تفسره بأنه المنسوب إلي الجود، أي "ذو الجود" وجاد المطر يعني كثر، والجود بفتح الجيم يعني المطر الغزير الذي لا مطر فوقه. وأنت تعلم أن الجبال العالية التي تذوب ثلوجها في الربيع تفيض منها المياه سيولا وأنهارا ومنها جبال"أرمينية" منابع الفرات.

ولكنك إن تمعنت في مراحل بدء الطوفان وانحساره ورسو الفلك، وقارنت بين ما ذكره سفر التكوين من ذلك وبين ما قاله القرآن، تجد أن سفر التكوين ينبئك أن السفينة رست على جبال"أراراط" في السابع عشر من الشهر السابع لبدء الطوفان،"وكانت المياه تنقص متواليا إلي الشهر العاشر. وفي العاشر في أول الشهر ظهرت رؤوس الجبال" (تكوين 8/4-5). فتفهم أن السفينة رست قبل نحو 73 يوما من ظهور رؤوس الجبال، فعلي أي الجبال رست إذن إن لم تكن قد رست على أعلاها. بل وعلي أمعنها ارتفاعا، الذي يصل ارتفاع إحدى قمتيه كما تقول المعاجم إلي 5128 م؟ وهذا غير منطقي لأنه بالغ المشقة على نوح والذين معه، شبابا وشيوخا ونساء وأطفالا، الذين سيهبطون إلي السهول من هذا الارتفاع الشامخ.

أما القرآن فيقول لك إن الماء"غيض أولا"، ثم استوت السفينة، استوت بعد أن غيض الماء تماما حتى استوت السفينة على "قاع" من الأرض، هبط إليه نوح والذين معه بسلام. (هود 44).
كان بسم الله مجراها ومرساها ، أي كان بسم الله حملها على سفح الماء، وكان باسمه عز وجل أيضا إهباطها إلي اسفح من الأرض، شاطئ نهر أو ناحية جبل.

والعرب يسمون شاطئ النهر وناحية الجبل، "الجد"، "الجدة" (ومنه اسم الميناء المعروف "جدة" بالمملكة العربية السعودية).
أفيكون "الجودي" أصله"الجدي" المنسوب إلي "الجد"، فهو المرسى، استعيض عن تشديد داله بمد حركة جيمه؟
إن صح ذلك - وهو غير بعيد - كان معنى "استوت على الجودي"، والله بغيبه أعلم، أن السفينة رست على مرساها، لا أكثر ولا أقل، دون تحديد لموقع.


... يتبع

هناك تعليق واحد:

تيفاوت يقول...

ادم من أدم odmالامازيغي و هو الوجه و يكون معناه صاحب الوجه .
ادريس من أدليس و الراء و اللام حرفان متداخلان في اللعو الامازيغية و معنى أدليس adalis في الامازيغية الحرف و الجمع ادليسن idalisne اي الاحرف و قد يكون اول من ارخ العلمأو انه كثير العلم الروحاني .
نوح او لوح و اللوح عندنا البناء و قد يكون معنى نوح البناء .
الجودي أمازيغية من أكودي agodi او أجودي و هو ما اجتمع حتى أصبح كومة كبيرة و منه الكوديت elgodite أو الجوديت أو واكال elgodite owa kale أي كومة من التراب .
الجودي هو المرتفع او الجبل و معنى استوت على الجودي هو ان السفينة رست على الجبل .