السبت، 12 مايو، 2007

الملأ الأعلى

السلام عليكم

(إبليس - جهنم – الفردوس - عدن) هل هي أسماء عربية أم أعجمية؟!... كل هذه الأسماء أتت في القرآن الكريم ممنوعة من الصرف مما أثار حيرة المفسرين وتسبب في تضارب آراءهم!
كيف تعرضت التوراة والإنجيل لهذه الأعلام من قبل نزول القرآن؟!
هيا بنا نتابع الرحلة مع مؤلف كتاب "من إعجاز القرآن في أعجمي القرآن" لنبحث عن الحقيقة في كتاب الله عز وجل....

مع تحياتي


من إعجاز القرآن في أعجمي القرآن
العلم الأعجمي في القرآن مفسراً القرآن
المؤلف/رؤوف أبو سعدة
******

الملأ الأعلى
*****

(1)
إبليس

يتقدم الملائكة، والجن أيضا، في الخلق على آدم، أي كانوا قبل أن يوجد. تستدل على هذا بمثل قوله عز وجل :
{إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ} (85:71)سورة ص.

تستدل من هذا ، ومثله في القرآن كثير ، على أن الملائكة رضوان الله عليهم أسبق وجودا من آدم، لأنهم نُبئوا بخلقه من قبل أن يخلق، وأمراوا بالسجود له من قبل أن يشرع الله عز وجل في خلقه، وقبل أن يفرغ عز وجل من تسويته، وينفخ فيه من روحه.
وتستدل منه أيضا على أن "إبليس" كان موجودا في الملأ الأعلي يوم فرغ الله عز وجل من خلق آدم، بدلالة توجه الأمر إليه بالسجود لأدم. وإبليس من الجن بمقتضي قوله عز وجل: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} (50) سورة الكهف. بل الجن أسبق وجودا من الإنس بنص قاطع في القرآن : {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ وَالْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ} (27:26) سورة الحجر، والجان هم الجن بلا خلاف.

وتستدل من هذا أيضا على أن اسم "جهنم" ، علماً على النار التي يعذب بها العصاة والكفرة كان معلوما لإبليس لحظة أن "فسق عن أمر ربه"، لأن الله عز وجل توعده بها هو ومن اتبعه، والوعيد لا يكون إلا بموجود معلوم، فدل هذا على أن جهنم أسبق وجودا من آدم، لأن إبليس علم أمرها قبل أن يتأبي على السجود، أي قبل النفخ في آدم.

بل الجنة أيضا أسبق وجوداً من آدم، لأن الحكم باللعن تضمن طرد ابليس منها لحظة تأبي على السجود: {قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ} (13) سورة الأعراف، وقوله عز وجل عقيب هذا مباشرة لآدم : {وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ} (19) سورة الأعراف.

وهي نفسها الجنة التي أهبط منها آدم وزوجته بإتيانه ما نهيا عنه، استجابة لوسوسة إبليس. وهي نفسها أيضا الجنة التي وعد بها المتقون يوم توفي كل نفس ما كسبت. وما "عدن" إلا نعت لتلك الجنة على الإضافة... لا "عدن" في كل القرآن إلا ولفظ الجنة مضاف إليها، منعوتاً بها . أما "الفردوس" التي وردت مرتين فقط في كل القرآن، فهي "أوسط الجنة". وسيأتي بيان هذا في موضعه.

*****
ومن المفسرين من غلبت عليه اسرائيلياته فظن أن " إبليس" لم يكن من الجن (راجع في هذا ما حكاه القرطبي في تفسير الآية 34 من سورة البقرة)، وإنما كان من الملائكة (هذا هو قول أهل الكتاب في " إبليس" قبل أن يبلس)، بل كان رفيع الرتبة فيهم ، فكان قائد جند الملائكة الذين حاربوا الجن حين أفسد الجن في الأرض قبل خلق آدم، فدخله من ذلك خيلاء وعجب أهلكاه حين أمر بالسجود لمن ظن أنه خير منه. ومنهم من قال بل كان إبليس من الجن الذين حاربهم الملائكة فأسروه صغيرا وربي فيهم، حتى أسجد الله الملائكة لآدم فشمله الأمر بالسجود. وهي تعليلات لتبرير وجود إبليس في الملأ الأعلى يوم أمر الملائكة بالسجود لآدم ودخوله من ثم في جملة المأمورين بالسجود لآدم، أو لتبرير الاستثناء في قوله عز وجل: {فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ ..... } (74) سورة ص. وهي في رأينا افتعالات افتعلوها لحل إشكال ما كان لهم أن يفتعلوه، فقد نص القرآن على أن إبليس كان من الجن: {إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} (50) سورة الكهف. ولم يخبر القرآن بأن صنف الجن كانوا قبل زلة إبليس ممنوعين من دخول الجنة.

أما القول بأن إبليس كان من الملائكة المأمورين بالسجود بدليل استثنائه بالحرف "إلا"، فليس بشئ. لأن "إلا" هاهنا يتعين فهمها بمعنى "لكن" - وهذا من فصيح العربية - أي سجد الملائكة، لكن إبليس لم يسجد. يتعين هذا لأن النص القرآني المحكم، أي الذي لا يحتمل إلا معنى واحدا فقط، يحكم النص القرآني الذي يحتمل معنيين فأكثر، وليس لعبارة "كان من الجن" إلا هذا المعنى القاطع (من المفسرين من تظارف موفقا بين النصين فقال بلي كان إبليس ملكاً من طائفة رفيعة القدر من الملائكة تدعي "الجنة" وهو تظارف ممجوج).

أما دخول إبليس في جملة المأمورين بالسجود لآدم، رغم اتجاه الأمر بالسجود للملائكة وحدهم وليس إبليس منهم، فلك أن تفسره على أحد قولين:
الأول- الذي نرجحه- أن الأمر للملائكة بالسجود يتجه إلى كل من شهده حتى النبت والشجر، فهو سجود الطاعة والإذعان لله عز وجل، لا لآدم، وإن كان مناسبة لتشريفه، وإشعاراً بما سيكون من شأنه، فلا يجوز لكائن من كان أن يحضر سجدة لله عز وجل في غير الصلاة ولا يسجد. ولا يجوز لكائن من كان أن يشهد الملائكة سجداً ولا يخر على جبهته. وما يكون لك أن تتخيل الملائكة سجداً خشعاً وإبليس منتصب في مكانه لا يخنع. وما كانت هذه لتفوت إبليس لولا أن الحقد أطغي قلبه، وأعمى بصيريته. لم تكن هذه السجدة امتحانا للملائكة، فقد علم عز وجل أنهم لا يعصون له أمرا،ولكنها كانت امتحانا لإبليس، فكشف اللعين عن مكنونة نفسه. فأثم بها في حق الله، لا في حق آدم، وأصر عليها فلم يعتذر منها ولم يتب، بل استدرك على مولاه: {قَالَ لَمْ أَكُن لِّأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} (33) سورة الحجر، أي ليس لك أن تأمرني بهذا، فأنا أرفع منه، يحيل على خالقه عز وجل أن يحكم في ملكه كيفما شاء، ويؤصل حجته بما يفندها، فيقول : {خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} (76) سورة ص. مقراً بأن الله خالقه، فكيف يعصيه؟

أما على القول الثاني فهو أن إبليس أمر بالسجود لآدم أمراً مباشراً لحظة إسجاد الملائكة لآدم، لم ينص القرآن عليه اكتفاء بدلالة ما تلاه من قوله عز وجل: {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} (12) سورة الأعراف. كيفما كان الأمر ، فإبليس ليس بالقطع من الملائكة رضوان الله عليهم، فهم {لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} (27) سورة الأنبياء. ولم يسو القرآن بين الجن والملائكة، بل هو يضع الجن والأنس في زمرة واحدة، هي زمرة المبتلين بالطاعة والمعصية، من كليهما مؤمن وكافر، ومنهم الفاسق والبار، فريق في الجنة وفريق في السعير، مصداق هذا قوله عز وجل على لسان نفر من الجن: {وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا} (15:14) سورة الجن، ومنه أيضا سورة الرحمن التي تخاطب الإنس والجن على سواء، وفيها : {فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ} (56) سورة الرحمن، أي أبكار لأصحاب الجنة من الإنس لم يطمثهن إنس فيمن طمثوا من نساء الإنس، وأبكار لأصحاب الجنة من الجن لم يطمثهن جان فيمن طمثوا من نساء الجن (وليس كما يذهب إليه أهل الخرافة والشعوذة ورواة الأساطير عن إلمام رجال من الجن بنساء من الإنس، أو العكس).
وهذا يفسر لك بأجلي بيان قوله عز وجل : {إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} (50) سورة الكهف، التي تفهم على التفسير كما تفهم على الخبر، أي أنه لو لم يكن من الجن لما فسق عن أمر ربه، ولكنه كان في زمرة المبتلين بالطاعة والمعصية، فغلبته شقوته، وأهلكته كبرياؤه، ولا يظلم ربك أحدا.

ولكن إبليس – وقد خرب آخرته بيديه- استمهل الله عز وجل ألا يزج به من فوره في دار العذاب ريثما ينتقم لنفسه من آدم وبنيه إلى قيام الساعة، متبجحا على الله عز وجل بأن نسب إليه غوايته بآدم : {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} (17) سورة الأعراف. لم يطلب التوبة والمغفرة، بل آثر أن يزداد رجسا إلى رجسه. لم يقل فأنظرني إلى يوم يبعثون أندم و أتب، بل قال فلأضلنهم كما ضللت ، ولأغوينهم كما غويت، فنكون في النار سواء: لا أهلك أنا وينجو آدم وبنوه.

وليست زلة إبليس بالتي تعدل زلة آدم، لأن إبليس زين المعصية لآدم، فكان لإبليس كفل منها، وشرك فيها . أما إبليس فزل بنفسه، أزلته كبرياؤه، فقصد المعصية قصدا، واستكبر بها استكبارا.
كان زلة آدم زلة الغافل الناسي: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ} (115) سورة طـه. وكانت زلة إبليس على علم، ولا أفدح من سقطة عالم.

علي أن الدرس المستفاد من الزلتين واحد: إنه درس الطاعة، أمرك مولاك فأطعه، لا تتمحك بطلب العلة، وكأنك مفوض في الطاعة والمعصية، أو كان الطاعة والمعصية رهن باستحسانك.

*******

ولا شك أن إبليس كان قبل أن " يبلس" في عداد الجن المؤمن، يعمل في طاعة الله عز وجل، بل سكن الجنة، وجاور الملائكة رضوان الله عليهم، بدليل طرده منها فور عصيانه: {قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ} (13) سورة الأعراف، خرج منها الرجيم { مَذْؤُومًا مَّدْحُورًا} (18) سورة الأعراف، لإصراره على المعصية، كما خرج منها أيضا آدم وزوجه حين استجابا لأغواء إبليس. ولكن آدم وزوجه اعترفا بذنبهما وسألا الله الرحمة والمغفرة: {قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (23) سورة الأعراف. طلبا التوبة فلقنهما الله عز وجل ما يسألان به التوبة: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} (37) سورة البقرة. ولم يسألها إبليس، لأنه شغل بعداوته لآدم عما سواها، وإن كان فيها هلاكه هو ذات نفسه، وهذا هو الضلال المبين.

أخرج الله آدم وزوجه من الجنة تائبين، قد أخذ عليهما العهد أن يخلصا له الدين. وما الدنيا بكل ما عليها إلا تمحيص من الله عز وجل لعباده أيهم باق على هذا العهد، مخلص له الدين. وما كان آدم الذي شهد وعاين بالذي ينخدع مرة أخري بإبليس، فيعصي الله في الأرض بعد زلته في الجنة، ولكن الاختبار لبنيه. ولأن نسل آدم لم يشهد ولم يعاين: لم يشهد إسجاد الملائكة لآدم، ولم يشهد عصيان إبليس، ولم يشهد زلة آدم، ولم يسمع إبليس يستعلن له بالعداوة إلى يوم الدين، فما كان من العدل أن يتركوا في جهالتهم، يصول فيهم إبليس ويجول. بل شاء الله عز وجل – عدلاً منه ورحمة- أن يودع فيهم دين الحق فطرة، فأشهدهم قبل الاختبار على أنفسهم: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} (172) سورة الأعراف، ووصي بها آدم حين مهبطه من الجنة ، وقد أهبط معه إبليس عدواً... {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} (124:123) سورة طـه. فكان آدم عليه السلام أو الرسل والأنبياء، يقص ما كان: {يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ} (27) سورة الأعراف، وتتابعت الرسل تتري، كي لا تكون للناس على الله حجة من بعد الرسل ، ومن ضل من بعد فإنما يضل عليها، وما ربك بظلام للعبيد.

*****

ويري المفسرون بحق أن إبليس لم يسم " إبليس" إلا بعد أن أبلس، لأن هذا الاسم – إن اشتققته من العربية – فيه مذمة، والمذمة تكون بعد اجتراح الذنب لا قبله، ويه تكون مساوية للذنب، دالة عليه، أو صفة لصاحبه بما آل إليه، ويروي المفسرون أن إبليس قبل أن يبلس كان اسمه "عزازيل" ثم أبلس بعد، ولم يتعرض المفسرون لمعنى "عزازيل" هذه، لأنهم لا يعرفون العبرية التي يسهل اشتقاق هذا الاسم منها ، فتفهم أن الرواية من أقاصيص أهل الكتاب، تصح أو لا تصح، فالله عز وجل أعلم بغيبه. ونحن في هذا الكتاب لا يعنينا في المقام الأول اسم إبليس قبل أن يبلس، لأننا لا نتعرض إلا للأعلام المنصوص عليها في القرآن ، لا المروية في غيره. ولكن الطريف أن "عزازيل" هذه اسم عبراني مركب (عزاز+ إيل) يفسره علماء العبرية بمعنى "الذي أعزه الله"، فهو "العزيز بالله" .وهو علم وقعت التسمية به في العبرية ، ومثله "عزيئيل" (عزي+ إيل) ، أي "عزة الله" وكأن اللعين حين أقسم بعزة الله: {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} (82) سورة ص، كان يوري باسمه هو ، يقسم بنفسه، لا بعزة الله عز وجل. والله بغيبه أعلم.

والذي يجب التنصيص عليه في هذا السياق، هو النعي على أهل التفسير والسير ، وأيضا على أهل الفن والفكر والأدب، الذين تناقلوا ما دسه إبليس على أوليائه من أساطير وتهاويل لا يخلو منها "أدب الخرافة" في كل الشعوب ، تتحدث عن "أمجاد" إبليس قبل أن يبلس، تريد تفخيمه وتعظيمه وغرس المهابة منه في صدور الناس، حتي خصوه بأضوأ كوكب في السماء الدنيا، كوكب الصبح؛ أي كوكب "الزهرة"، وجعله بعضهم نداً لله ، وجعله بعضهم شهيد البطولة في محنة السجود لآدم، وأول من قال "لا".

ليس التنكر للخالق عز وجل بطولة، لا صحيحة ولا زائفة، وإنما هو وضاعة. هذا كله فسوق وصغار: لا يجوز لمؤمن تجميل ما قبحه الله ، ولا يجوز لمؤمن إعلاء ما وضعه الله أسفل سافلين. لا يجوز لمؤمن تمجيد ما رذله الله ، ولا يجوز لمؤمن تعظيم من لعنه الله، ناهيك بموالاة عدو الله. بل لا يجوز لعاقل موالاة من أقسم ليجرنه وراءه إلى قاع جهنم.

أيما كان الأمر، وأيما كان حال إبليس قبل أن يبلس، فقد ضرب لك الله بإبليس المثل: لا يتعظمن أحد على الله، ولا يستكبرن أحد على طاعة الله ، ولا يستنكفن أحد من الخضوع لله. قد هلك بها إبليس أول هالك، فحذار أن تزل به، فتشركه المصير الذي اختار لنفسه.
لا يترحمن أحد على إبليس، وقد أقسم لا يرحمك, ولا يتباكين أحد على إبليس ، فلم تدمع لإبليس عين : كان إبليس عدو نفسه، قبل أن يكون عدوك.

*******

ليس في التوراة "إبليس"، وإنما فيها "ساطان" بمعنى العدو، وهي نفسها "شيطان" العربية، كما مر بك.
وفي العبرية أيضا "عزازيل" اسما علما لإبليس ، ومعناها "عزيز الله"، على ما يوري من شأنه قبل أن يبلس في أقاصيص أهل الكتاب، وربما جاء الخلط عند أهل الكتاب من افتقار العبرية إلى اسم لصنف الجن، بل تسوي في الاسم بين الملائكة والجن: كلاهما فيها "روح"، "ملآخ"، أي روح، ملك.

ليس في الأناجيل اليونانية أيضا"إبليس"، بل فيها "ساتان"Satan وهي نفسها "ساطان" العبرية على الرسم اليوناني، وترجمت في الأناجيل العربية بلفظ "شيطان"، وبلفظ "إبليس" أحيانا، لا على الترجمة، وإنما استئناسا باسمه الوارد في القرآن.

وفي الأناجيل اليونانية اسم آخر للشيطان، وهو "ذيبليس" Diabolos (والسين فيه للرفع وتحذف في غيره) ومن هذه جاءت Diable الفرنسية و Devil الانجليزية، وأشبهاهما في اللغات الأوربية الحديثة بمعنى "الشيطان" لا أكثر ولا أقل. وقد خالفت تلك اللغات بين أصل وضع اللفظين" ساطان" و"ذيبليس"، فهي تجعل "ساطان"، اسما علما للشيطان يناظر"إبليس" في العربية، وتأخذ "ذيبليس" على أنه "اسم معني" يقبل التنكير كما يقبل الإفراد والجمع.

أما "ذيبليس" اليونانية فليست ترجمة يونانية للفظ "ساطان" العبري (بمعنى العدو) كما قد يظن، وإنما هي على الفاعلية من اليونانية "ذيابولي"Diaboli وهو "القذف" بالمعنى القانوني أي الرجم بالباطل، فهو الرجيم بمعين الراجم، لا رجيم بمعنى مرجوم كما تجد في القرآن. وربما تعللت لهم في هذه التسمية بقولهم إن الشيطان افترى على الله الكذب، ينسبه إلى الظلم لأنه عز وجل فضل عليه آدم، فلما اعترض - وكأنه محق في هذا الاعتراض - سلبه الله عز وجل كل جماله، وأودع فيه كل قبح، أي مسخ الملك الذي كانه، على نحو ما تجد في أقاصيص أهل الكتاب وفي الأساطير التي نسجت حول إبليس. وربما أيضا لأنه أبو الباطل، أي أصل كل تجديف على الواحد الأحد جلا جلاله، من عقائد باطلة وآلهة مصنوعة، كما تجد في قوله عزوجل على لسان نفر من الجن المؤمن: {وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن تَقُولَ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} (5:3) سورة الجن، ومن هنا تري أن "ذيبليس" اليونانية هذه ليست ترجمة للفظ "ساطان" العبري بمعنى العدو، وهي شيطان العربية، وإنما هي بالأحرى صفة لإبليس بمعين القاذف الراجم، أي الذي يفترى الباطل. وربما ظننت أن "ذيبليس" Diabolos اليونانية هذه ليست أصلا يونانية، بل عبرية - آرامية نطق به المسيح وتحرفت في الأناجيل: ربما كانت "دى- هبل"، تحرفت إلى "ذيبليس" عند من يهمسون الهاء وينطقون دالهم ذالا - اليونان كما مر بك - أما "دى" عبريا فمعناها "ذو"، وأما "هبل" عبريا فمعناها الباطل الذاهب هباء.

******

ومن المستشرقين من قال بأن"إبليس" معربة في القرآن عن "ذيبليس" التي في الأناجيل، كما أخذ "شيطان" من "ساطان" العبرية. ومن مفسري القرآن (راجع تفسير القرطبي للآية 34 من سورة البقرة) من قال بعجمة"إبليس"، وأنها منعت من الصرف لهذا السبب وحده، ولكنهم لم يذكروا الأصل الذي عرب عنه، ولم يسموا اللغة المشتق منها.

ومن اللغويين العرب كذلك من يرون أن "إبليس" من الأعجمي المعرب (أبرزهم "مجمع اللغة العربية"، راجع "المعجم الوسيط" الذي يضع "إبليس" في باب الهمزة)، يكتفون بذلك ولا يسمون اللغة المشتق منها. أما الكثرة من مفسري القرآن (راجع القرطبي في نفس الموضع) فهم يقولون بعربية "إبليس" يشتقونها من الإبلاس، ويعللون امتناع الصرف بالعلمية وانعدام النظير في أسماء المعاني، فشبه بالأعجمي.

والذي يستوقف النظر، أن أشهر معاجم اللغة الانجليزية (WEBSTER'S NEW WORLD DICTIONRY) على شغفه برد الألفاظ والأعلام الأعجمية (أعني غير الانجليزية) إلى جذورها البعيدة في شتى اللغات الحية والميتة على السواء، يتوقف في "إبليس" فيقول: اسم عربي يطلقه المسلمون على الشيطان، ولا يذكر أصله من العربية أو غيرها.

هذا وذاك يدلانك على أن عجمة "إبليس"، أو اشتقاقها من "ذيبليس" اليونانية بالذات، مسألة فيها شك عند اللغويين الأثبات لا يقطعون فيها بيقين، لأن القول بعجمة لفظ في لغة ما يتطلب - أول ما يتطلب - التدليل على وجود أصل لهذا اللفظ في لغة بعينها استعير منها.

والملاحظة الأولى على خطأ القول بأن"إبليس" معربة عن "ذيبليس" بحذف دالها البادئة (المنطوقة في اليونانية ذالا) وإبدال الهمزة منها، أنه قول لا يصح في حق القرآن، الذي يتنزه عن هذه الصورة "البتراء" من صور التعريب، التي لم يقع مثلها قط في "معربات" القرآن. هذا مالم يسلم أولئك المستشرقون للقرآن بالتضلع من فقه اللغة اليونانية، فيدرك أن المقطع "ذيا" Dia من مقاطع الزيادة في تلك اللغة، يجوز الاستغناء عنه. والفقيه باليونانية لا يستعصى عليه أصلا معنى لفظ "ذيبليس" في تلك اللغة - وقد مر بك معناه - فلا يستعيره ولديه من العربية في معناه ما هو أبلغ وأبين.
أما الملاحظة الثانية فهي أن العرب لم يعرفوا"ذيبليس" اليونانية هذه قبل القرآن أو بعده، لا على أصلها ولا في صورة محرفة، وإلا لوقعت في تفاسير المفسرين وليس من شأن القرآن كما مر بك أن يتعاجم على المنزل إليهم بالأعجمي الأعجم.

إبليس عربية. ولكنها من "العربي" المشكل.

ووجود اللفظ المشكل في القرآن مقصود: إنه يستثيرك إلى تحري المعني، فتزداد علما، وتزداد فهما، وتزداد إيمانا. والمشكل يستوقفك للبحث والنظر، فتكون ممن قال فيهم الحق سبحانه: {وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا} (73) سورة الفرقان.

وقد أشكلت "إبليس" على القائلين بعجمتها وعل القائلين بعربيتها معا.

أما الأولون فهم ذلك الفريق من المفسرين واللغويين الذين إذا استغلق عليهم لفظ في العربية سارعوا إلى افتراض عجمته، وتلمسوا له النظير في غيرها من اللغات. وقد أسرفوا في هذا أيما إسراف، بل كانوا التكأة التي توكأ عليها أدعياء الاستشراق الذين بهروا تلاميذهم، وقد ظنوا أنهم أتوا بجديد. من ذلك قولهم (راجع مقدمة تفسير القرطبي) إن "غساق" يعني اللحم البارد المنتن في لغة الترك؛ فلا تدري كيف يجتمع الحميم والغساق في قوله عز وجل: {لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا} (25:24) سورة النبأ، وقولهم إن "القسطاس" يعني الميزان بالرومية، وليس في الرومية من هذا شئ، بل "قسط" العربي، "قاشاط" العبري، أولي، وقد مر بك القول في "قسطاس". ولكن "إبليس" استعصت على هؤلاء المفسرين فلم "يهتدوا" إلى أصل لها في لغة أعجمية (مصداق هذا أن القرطبي رحمه الله، الذي جاور الأسبان في الأندلس وفهم لسانهم، يذكر في تفسير الآية 9 من سورة يس: {وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ} (9) سورة يــس، كيف أنجته تلاوة هذه الآية من علجين من الأعاجم أرادا الانقضاض عليه فأعماهما الله عنه لم يرياه فقالا: هذ ديبله؛ وفسر القرطبي ديبله هذه ( وهي Diabloالآسبانية أي "ذيبليس" اليونانية) بأنها تعني شيطان بلسانهم، ولم يقل إبليس، لأنه لم يسمع بتعريب إبليس عن ذيبليس).

أما الفريق الثاني القائل بعربية "إبليس" فلم يكن أمامه إلا اشتقاقها من الإبلاس. يعني أنها "إفعيل" من "أبلس" ، فهو المبلس على المبالغة. وقد ورد لفظ "الإبلاس" في القرآن خمس مرات: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ} (12) سورة الروم، {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ} (44) سورة الأنعام، {حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} (77) سورة المؤمنون، {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} (75:74) سورة الزخرف، { فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِم مِّن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ } (49:48) سورة الروم.
وليس في هذه الآيات ما يشهد لمعنى الإبلاس إلا الشاهدان الثاني والخامس، أي وضع الإبلاس في مقابلة الفرح والاستبشار، وربما استنبطت من "إبلاس المجرمين يوم تقوم الساعة" في الشاهد الأول أن الإبلاس حال من اليأس وانقطاع الرجاء، ومن الشاهدين الثالث والرابع كذلك.

أما المعجم العربي فيقول لك إن "أبلس" يعني سكت لحيرة أو انقطاع حجة، وليس في العربية إلا أبلس بالهمزة غير متعد، وكأنها من "بلس فأبلس" إلا أنه لم تسمع"بلس". وفي "العبرية" بلس يعني قطف، أي جمع ثمار التين خاصة. والبلس في العبرية نوع من التين.هذا وذاك يدلانك على أن المعنى الأصلي لمادة "بلس" هو القطع، وكأنه مبدل من "بلت" يعني "قطع". والانقطاع يفسر"الإبلاس" أبين تفسير في الآيات التي تلوت توا، تطبقه على الشواهد القرآنية الخمسة فيستجيب. وهو يفيد أيضا في تأصيل معني"أبلس" في المعجم العربي، وهو الإطراق تحيرا والسكوت لانقطاع الحجة. وفي العربية أيضا "بلسم" وهي "بلس" مزيدة بالميم، ومعناها أطرق وعبس وجهه، وهي من "أبلس" قريب. وكأن معنى "إبليس" المقطوع الحجة في الامتناع عن السجود لآدم، أو هو - كما ذكر القرطبي- الآيس من رحمة الله وقد فعل ما فعل.

هذا إن اشتققت "إبليس" من الإبلاس، وليس عندي بوجيه، كما سترى. مر بك أن العلم المذكور في القرآن على غير سابقة في التوراة الإنجيل برد في القرآن على أصله عربيا، لأنه لم تثبت له العلمية من قبل بلفظ مغاير يوجب على القرآن التزامه، كما ثبتت العلمية لجبريل وميكال ونوح ولوط، الخ، على اللفظ الآرامي- العبري في صحف إبراهيم وموسى. ولم يرد ذكر للفظ إبليس في التوراة والإنجيل بنصهما المعاصر لنزول القرآن.

وقد ثبتت العلمية لإبليس بهذا في الملأ الأعلى على النداء من الله عزوجل: {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ} (32) سورة الحجر، هذا قاطع في أن إبليس سمي بهذا الاسم قبل إهباط آدم من الجنة، أي على اللفظ العربي قبل أن تتفرق ألسنة البشر لهجات فلغات، شأنه شأن آدم، خلافا لجبريل وميكال اللذين لم يخاطبا في القرآن على النداء من الله عزوجل لسبق ثبوت العلمية لهما على اللفظ الآرامي - العبري في التوراة والإنجيل. أما إبليس وآدم فقد خوطبا على النداء من الله عز وجل باسميهما هذين، فهما كما قال سبحانه، لا يبدل القول لديه.

والذي يتعين التنبيه إليه، أن تسمية إبليس بهذا الاسم في القرآن جاءت مقترنة بعصيانه، أي بامتناعه عن السجود لآدم، فور هذا الامتناع مباشرة، قبل صدور الحكم الإلهي بإدانته وانقطاع رجائه: {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ} (78:75) سورة ص، والذي يلعنه الله فقد انقطع رجائه. فلا يصح أن تكون"إبليس" بمعنى الآيس من رحمة الله، كما تجد في "القرطبي"، لأن إبليس لم يكن قد يئس بعد. ولا يصح أن تكون بمعنى المقطوع الحجة، فلم يكن قد أدلي بعد بحجته: "خلقتني من نار وخلقته من طين".ولا يصح أن تكون بمعنى الذي أطرق تحيرا، لا يحير جوابا، فقد استعلن إبليس بمكنونة نفسه مجترئا على إبليس. وإنما الذي يصح هو أن تكون "إبليس" بمعنى العاصي، الرافض، المتأبي، الممتنع. وليس في "الإبلاس" من هذه المعاني شئ.

الراجح عندي، والله عز وجل بغيبه أعلم، أن "إبليس" تعني "الذي أبي"، كنية له بحال امتناعه وتأبيه، جاءت على المزجية من "أب+ليس، أي هو "أبو ليس"
وقد وردت "إبليس" في القرآن إحدى عشرة مرة، معقبا على سبع منها بالتأبي والامتناع والرفض: { إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى} (34) سورة البقرة، { إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} (12) سورة الأعراف، { إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى}(31) سورة الحجر، {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ قَالَ لَمْ أَكُن لِّأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} (33:32) سورة الحجر، { إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} (50) سورة الكهف- فسق عن الأمر يعني خرج عليه-،{ إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى } (116) سورة طـه، {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} (75) سورة ص، وجاءت أيضا معقبا عليها بالاستكبار الذي يفيد الامتناع مرتين: {فَسَجَدُواْ إَلاَّ إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا} (61) سورة الإسراء، {إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ} (74) سورة ص. أما في المرتين العاشرة (الشعراء:95) والحادية عشرة(سبأ:20) فهما فقط اللتان جاءت فيهما "إبليس" على العلمية المجردة غير معقب عليها بشئ.

"إبليس" إذن هو "هامة العصاة"، أي "أبوهم".
والله عز وجل بغيبه أعلم.


(2)
جنهم

ليس في التوراة من أسماء النار" جهنم" ، وإنما فيها " شئول" أي الهاوية، وهي Hades اليونانية في الترجمة السبعينية للتوراة. والهاوية من أسماء النار في القرآن. وليس في المعجم العبري أصلا "جهنم" أو "جهنام" العربيتان بمعنى البئر البعيدة القعر، وهي نفسها " الهاوية" إن تمعنت.
وإنما في العبرية "جي– بني- هنوم"، أي وادي أبناء "هنوم"، التي اختصرت إلي"جي – هنوم" ، أي " وادي هنوم"، وموضعه بالحي الجنوبي الشرقي من أورشليم ضحى فيه " آحاز"، " منسا" بأبناء لهما قربانا للإله " مولخ"، وغدا من بعد مزبلة ومحرقة للنفايات، تحقيرا.

ولعلماء العبرية في اشتقاق "شئول" قولان: إما أنها من "شأل" العبري (وهو "سأل" العربي ومن معانيه "الطلب") فيكون معناها التي تطلب ولا تشبع، شأن جهنم في قوله عز وجل: {يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ} (30) سورة ق، وإما علي القول الثاني - وهو غير قوي- أنها متحرفة عن "شعول" من "شعل" العبري بمعنى خوي تجوف، فهي " الهاوية" أيضا.

أما الإنجيل فهو يذكر في ترجمته العربية "جهنم" بالاسم : "بل أريكم ممن تخافون. خافوا من الذي بعد ما يقتل، له سلطان أن يلقي في جهنم" (لوقا12/5)، يترجم به "جهنا" Gehenna في الأصل اليوناني، وهي باتفاق ليست يونانية، وإنما هي عبرية أو آرامية، فالأصيل في اليونانية "كولاسي" Kolasi، ومعناها "دار العقاب" ، جهنم أو الجحيم أو الهاوية أو ما شئت من أسماء النار، ولكن لوقا كدأبه آثر استبقاء "جهناً" علي أصلها، أقرب ما تكون إلى ما نطق به المسيح.

والراجح عندي أن المسيح عليه السلام نطق بها علي أصلها العربي "جهنام" حذف لوقا ميمها في الرسم اليوناني، علي نحو ما فعل في إنجيله أحيانا من حذف ميم "مريم" فرسمها في بعض مواضع Maria، أو أنه عليه السلام نطقها "جهنا" بحذف الميم ترخيما علي نحو ما كتبها لوقا، وأن "جهنا" هذه أو "جهنام"، هي المقابل الآرامي - لا العبري - لجهنم أو جهنام العربية، بمعنى البعيدة القعر، أي الهاوية، يعني بها "شئول" العبرية لا أكثر و لا أقل.

ولكن "اليونانية الكنسية" التي لم تجد في المعجم العبري أصلا تشتق منه "جهنا" الإنجلية هذه أقرب من "جي- هنوم" ظنتها الصورة الآرامية لــ"جهناً" أو "جهنام"، وفاتها أن المسيح عليه السلام في السياق المتقدم يخوف السامع بما بعد الموت، أي يخوفه بدار العذاب في الآخرة، لا بمحرقة للنفايا علي أطراف أورشليم، أعني"جي- هنوم"، التي لا تخيف أحدا مات أو قتل، فلا يضير الشاة سلخها بعد ذبحها. وعلي هذا النحو مضي أدعياء الاستشراق يطنطنون بأن القرآن أخذ "جهنم" من "جي- هنوم" كما فعل لوقا من قبل في إنجيله.

وقد ضل هؤلاء المستشرقون علي علم، لأنهم أرادوا لأنفسهم هذا الضلال: القرآن لا يسمي"جهنم" اعتباطا، وإنما هو يصورها أبلغ تصوير وأبينه بمعنى الهاوية البعيدة القعر، تماما كمعنى جهنم وجهنام في المعجم العربي: {أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ} (49) سورة التوبة، { أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ} (109) سورة التوبة، {جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ} (29) سورة إبراهيم، {فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا} (68) سورة مريم، {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا} (145) سورة النساء، {حَتَّى إِذَا ادَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ } (38) سورة الأعراف، الخ.

أفي"جي- هنوم" العبرية من هذه المعاني شئ؟ أليست"جي- هنوم"، أعني ذلك الوادي الذي لأبناء هنوم، اسم موضع معلوم؟ أليست "جي" العبرية (وهي من "جواء" العربية) تعني "الوادي"، بل الواسع من الأدوية؟ فكيف تجئ جهنم (الهاوية) من "الجواء" وهي أقرب إلى الضد منه؟ أليست الهاوية في المعجم العربي تعني البعيدة القعر؟ أليست هي وجهنام في المعجم العربي علي الترادف والتطابق؟ أفي معني"الوادي" و"الجواء" من هذا شئ؟
والذي يستوقف النظر أن المعاجم العبرية الأحادية اللغة، أي العبري- عبري، لا تفسر "جي- هنوم" بأنها تعني "دار العذاب" في الآخرة، وإنما تدرجها في ثبت الأعلام علي الموضع والمكان، أي ذلك الوادي في الجنوب الشرقي من أورشليم. أما المعاجم العبرية الثنائية اللغة، عبري- فرنسى علي سبيل المثال، فهي لا تترجم"جهنا" الإنجيلية إلي"جي- هنوم" العبرية وإنما تترجمها إلى "شئول" أي الهاوية، وحين تترجم "جي- هنوم" العبرية إلى الفرنسية تقول: "وادي هنو" الذي في أورشليم، ثم تثني فتقول: ومجازا= "جهنا". وقد أتي هذا "المجاز" بالطبع تأثراً بما جاءت به المسيحية من بعد، في تصورها أن "جهنا" الإنجيلية مشتقة من "جي- هنوم"، وليس بصحيح في ديانة اليهود.

علي أن القرآن لم يحتج إلي" جهنا" ولديه في أصيل العربية"جهنام"، ولم يعرب لفظ"جهنم" عن "جي- هنوم" البعيدة كل البعد عن معناه.

جهنم في القرآن عربية لا مشاحة، وإن رغمت أنوف.
أما أن "جهنم" ممنوعة من الصرف في كل القرآن فليس هذا لعجمتها، وإنما هو فقط للعلمية والتأثيث.


(3)
الفردوس

ليس في التوراة " فردوس" وهي برديس العبرية (بإملة الياء). وليس في التوراة أيضا "عدن" - وهي عدن العبرية - لا بمعنى " النعيم" (من عدن العبري المكافئ في العربية للجذر" غدن") , ولا بمعنى " الإقامة" ( من " عدن" العربي)، وإنما " عدن" في التوراة اسم موضع في هذه الأرض التي نعيش عليها ، يطلقه علماء التوراة علي إقليم ما فيما بين النهرين (العراق). أما " الجنة" (جان العبرية) فهي "حديقة" لا أكثر ولا أقل في إقليم "عدن" هذا (جان بعدن، أي جنة في عدن) "غرسها الرب الإله في عدن شرقا"، ووضع آدم هناك كالبستاني " يفلحها ويحفظها". ومن عدن هذه خرج نهر يسقي تلك الحديقة "الجنة"، ومن هناك ينقسم أربعة رؤوس أنهار، أصل كل أنهار الأرض (راجع في هذا كله سفر التكوين 2/8-15) .

ليست الجنة المعنية في التوراة هي "الجنة" المعنية في القرآن، وإنما هي حديقة صنعها الله لآدم ثم طرده منها لعصيانه، لا يعود إليها من بعد، لا هو ولا بنوه. ليست هي في السماء كما تستظهر من قوله عز وجل : {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا } (123) سورة طـه.
{إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ } (40) سورة الأعراف.
{وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى} (15:13) سورة النجم.
{فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ} (22:21) سورة الحاقة.
{وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} (22) سورة الذاريات ، وأكبر من هذا كله وأبين قوله عز وجل: {إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى} (8) سورة العلق.
وليست كذلك الجنة في التوراة. "جنة التوراة" هي جنة آدم، بقعة في إقليم من هذه الأرض، لا "جنة عرضها السموات والأرض" كما أخبر القرآن: {وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} (133) سورة آل عمران، لا تسعها "عدن" التي في العراق، ولا العراق أجمع، ولا هذا الكوكب كله.

والحق أنك لا تجد في التوراة، ولا في الإنجيل أيضا، حديثا عن الدار الآخرة، لا مستفيضا ولا مجملا، وكأن "أهل الكتاب" أعرف بتلك الدار من أن تعرف لهم. فقد شغل كتبة أسفار التوراة بالأخبار والأنساب والسير، وشغل كتبة الأناجيل بسيرة عيسي عليه السلام وأعمال "الرسل"، ومجئ المخلص "عند اكتمال الزمان يضعون عليه أحمالهم. كان علي الذين يؤمنون بالله ورسله واليوم الآخر أن ينتظروا نزول القرآن حتى يعلموا علم تلك الدار مبسوطا مفصلا، مبينا ومعرفا: {وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ} (6) سورة محمد.

والإنجيل أيضا يتابع التوارة في قصرها " الجنة" علي تلك " الحديقة " التي طرد منها آدمن وحواء (وهي باليونانية "كيبوس" KIPOS). أما الجنة بمعنى دار النعيم في الآخرة فالإنجيل يسميها "ملكوت السموات" ( في أحد معاني هذا التعبير الإنجيلي)، و "بنو الملكوت" في لغة الانجيل هم "أصحاب الجنة" بالمعنى القرآني، أما "أصحاب النار" فهم الممنوعون من دخول الملكوت. ولكنك لا تعلم من الإنجيل شيئا في وصف نعيم "بني الملكوت" هؤلاء إلا أنهم في صحبة الملائكة والأنبياء والصديقين الأطهار. من هنا كانت السماء (Heaven) مرادفا لمعنى الجنة عند الأوربيين المسيحيين. ولئن كان الإنجيل- بوضعه الجنة في السماء- قد سجل تقدما بالغ الخطورة علي التوراة التي بين يديك، فقد كان التعبير بلفظ" الملكوت" عن دار النعيم في الآخرة غير دقيق، لأنك تعلم من القرآن أن هذا الملكوت الذي في السماء يتجاور فيه علي سواء أهل الجنة وأهل النار: {وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ} (46) سورة الأعراف، يتنادون: {وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ} (50) سورة الأعراف.

وينفرد الإنجيل من دون التوراة التي بين يديك بالنص في ترجمته العربية علي "الفردوس" بالاسم، فقال له يسوع الحق أقول لك إنك اليوم تكون معي في الفردوس" (لوقا 23/43)، ترجمة لليونانية "براذيسو" Paradeiso أخذتها اللاتينية علي علاتها Paradisus ومنها Paradis الفرنسية و Paradise الانجليزية.

وقد أعضلت " براذيسو" اليونانية هذه علي الذين ترجموا من بعد الأناجيل اليونانية الأصل إلي العبرية ( لغة المسيح)، ولكنهم فهموا من السياق وحده أن المسيح يعني "جنة عدن"، أي "الجنة التي في عدن" ، أعني "جان بعدن"، فترجموا " اليوم تكون معي في الفردوس" إلي العبرية هكذا: "تهيه هيوم عمادي بجان عدن"، وقد مر بك أن "جنة عدن" في التوراة هي "جنة آدم"، لا شأن لها بدار النعيم في الآخرة، فتفهم أنهم لا يعرفون للفردوس مقابلا في العبرية هو "برديس"، أو بالأحري أنهم لا يفهمون من "برديس" العبرية المعنى الذي أراده المسيح والمفهوم من السياق. وتدرك أيضا أن مترجمي الأناجيل إلي العربية ما كانوا ليضعوا "الفردوس" موضع "براذيسو" اليونانية لو لم يتنزل القرآن بتسمية "الفردوس"، وإلا لقالوا "البستان" أو "الحائط" (بمعنى البستان)، وهي الترجمة الدقيقة للفظ "براذيسو" اليونانية ، كما تدرك لماذا لم يقولوا "الجنة"، لأنهم يعلمون أن "جان" العبرية هي "جنة آدم"، لا دار النعيم في الآخرة. وتدرك أخيرا كم استفادت اليهودية والمسيحية من القرآن في جلاء الضباب عن كثير من غوامض تلك المعاني العليا.

ولكن المستشرقين مرضي الهوي والغرض يقولون لك إن القرآن نحت "فردوسه" من "براذيسو" التي في إنجيل لوقا، وأخذ "جنات عدن" عن تلك الجنة التي في عدن، " جان بعدن" من سفر التكوين.

*****

أما " براذيسو" اليونانية هذه فليست يونانية ، ولا علم لليونان بها قبل عصر المسيح، وإنما هي منحولة كما يقول اللغويون من الفارسية (بيري+ ديزا) Daeza+Pairi (بيري = حول، ديزا= جدار) فهي السور أو الحائط، استعير للبستان أو الحديقة، كما استعارت العربية لفظ "الحائط" أي المحوط، لهذا المعنى نفسه، باعتبار السور الذي يحوطه ويحفظه، لا باعتبار محتواه. فلا تدري لماذا يأخذ كتبة الأناجيل من الفارسية القديمة ولديهم في اليونانية "بريبولي" Periboli بنفس المعنى - أي الحائط بمعنى البستان - ولديهم أيضا مطلق الحديقة Kipos، أما إن أرادوا حديقة الفاكهة خاصة فلديهم " أبوروكييوس" Oporokipos. لا يفعل كتبة الأناجيل اليونانية هذا إلا إذا كانوا قد سمعوه من المسيح عليه السلام ملفوظا علي نحو قريب من " براذيسو" فتأول لها اللغويون هذا الأصل الفارسي القديم كما مر بك، دون أن يتساءلوا عن سبب نطق المسيح عليه السلام بهذا اللفظ الفارسي القديم ، ولديه في لغته "جان"و "جنا"، إلا إن كان عليه السلام يقصد جنة بعينها.

وهذا يعود بك مباشرة إلي "برديس" العبرية، التي تنكر لها مترجمو "براذيسو" في الترجمة العبرية للأناجيل اليونانية. ولكن " برديس" العبرية اسم جامد، لا اشتقاق له في المعجم العبري ولا جذر له في العبرية يرد إليه، فهو إما دخيل علي تلك اللغة، وإما اسم أميت جذوره وبقي الاسم بمعناه.

*******

وردت الفردوس في القرآن مرتين فحسب، الأولي مضافا إليها "الجنات" علي النسب: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا} (107) سورة الكهف، والثانية منفردة: {أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (11:10) سورة المؤمنون. وهذا يقتضي فهم الفردوس بأنها علم على موضع متميز في قلب الجنة يرثه الأخيار من عباد الله الذين اكتملت فيهم صفة المؤمن علي ما تعرف من أشراطها في أول سورة المؤمنون، تحيط به جنات تنسب إليه - "جنات الفردوس" في سورة الكهف - يرثها المؤمنون الذين يعملون الصالحات بعامة، أي مطلق المؤمن، لا خيار المؤمن.

مصداق هذا التمييز بين " أصحاب اليمين" بعامة، وبين "السابقين المقربين"، أي الخيرة: {ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ} (14:13) سورة الواقعة، ومصداقه أيضا في سورة الرحمن، تمييزا بين الجنتين اللتين لمن خاف مقام ربه: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} (46) سورة الرحمن، وبين الجنتين اللتين لمن دون هذا في المنزلة: {وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ} (62) سورة الرحمن، أي لعموم المؤمن.

*******

والقائلون بعربية الفردوس يشتقونها من " الفردسة" ، أي التوسعة والتعريش، من فردس الكرم أي وسعه وعرشه، وفردس قرنه يعني صرعه، وفردس وعاء التمر ونحوه يعني حشاه وغلا في حشوه، ورجل فرادس يعني ضخم العظام، والفردوس بضم الفاء الزيادة والسعة في الحنطة ونحوها. وهذا كله يقطع ما بين اشتقاق "الفردوس" في العربية وما بين اشتقاق "براذيسو" اليونانية و "بيري+ديزا" الفارسية ومعناها السور أو الحائط : العربية من الضخامة والسعة والبسط، والأعجمية من التسوير والإحاطة.

"فردوس" العربية كما تري جذر رباعي. والمادة الرباعية في اللغات السامية ليست بالجذر الأصيل: إنها غالبا إما علي التضعيف مثل" زل+ زل"، وإما ثلاثي زيد بحرف مثل "خثر+م" بمعنى غلظ الشفة أو طرف أرنبة الأنف (وخثر بمعنى غلظ)، وإما مزجي يجمع بين معنيين مثل "دح + رج" أي دفعة متحدرا، من الدحي والرجرجة.

أصل "فردس" إذن إما "فرد+س" من فرد بمعنى نثر وفرق وباعد مزيدا بالسين علي المبالغة، كما في "قسط+ س"، وإما أن تكون علي المزجية "فر+دس" من الفراهة والدياسة، أو من الفره والديسة. و"الديسة" معناها العشب الطري (وهي "ديشه" العبرية و "ديثه" الآرامية) ، ومعناها أيضا - الذي أعنيه هنا - الغابة الكثيرة الشجر. وقد علمت أن "الجنة" في اللغة معناها الحديقة ذات النخل والشجر، من "جنه" يعني ستره، فالديسه بهذا المعنى تكافئ الجنة. وأما "فره" من الفراهة فمعناها جمل وحسن. وأما الفر والفرة ( من الجذر ف/ر/ر) فهو خيار الشئ. فيكون معنى الفردوس "خيار الجنة " وقد عرف العرب" الفردوس" " الفراديس" قبل القرآن ، يطلقونها علي بساتين الكرم خاصة ، ومنه "فراديس الشام"، ومنه أيضا قوله أمية بن أبي الصلت في عجز بيت له: "فيها الفراديس والفومان والبصل" . ولأن "الكروم" هي " أكرم" البساتين عند العرب- وليس مصادفة أن يشتق الكرم من الكرم أو العكس – فقد شاع " الفردوس" علي بساتين الكرم خاصة، وإن كان المعجم العربي يطلقه علي "البستان الجامع لكل ما يكون في البساتين".

أما "برديس" العبرية، فالمعجم الحديث لألفاظ التوراة" هملون هحداش لتناخ" يعرفها دون تأصيل بأنها "جان عصي بري (جدور)" ، أي "جنة الشجر المثمر (مسورة)"، فلا تدري كيف أقحم "التسوير" علي اللفظ إلا إذا كان قد تأثر بلفظ "براذيسو" اليونانية بمعنى السور أو الحائط، المنسوبة إلي المسيح عليه السلام في إنجيل لوقا، وليس في "براذيسو" من الشجر المثمر شئ، رغم أن "جان" العبرية تفيد بذاتها التسوير والستر.

إن صحت نسبة " براذيسو" اليونانية إلي المسيح عليه السلام في إنجيل لوقا، فالراجح عندي أنه عليه السلام نطقها علي العبرانية "برديس" ، التي ترد آخر الأمر إلي العربية "فردوس"، لا حاجة به إلي اصطناع "براذيسو"، التي جاء بها لوقا في إنجيله - لا علي الترجمة كما يظن - وإنما علي الرسم "اليوناني"، شأنها شأن كثير من ألفاظ الإنجيل العبرية - الآرامية.

لا يحتاج المسيح إلي "براذيسو" اليونانية وعنده "برديس"، وإنما احتاج إليها لوقا اليوناني. ولا يحتاج القرآن إلي "براذيسو" اليونانية، فليس " الفردوس" في القرآن سورا أو حائطا، وليس بستانا كأي بستان. ولا يحتاج القرآن من باب أولي إلي "برديس" العبرية ولديه العربية "فردوس"، خيار الجنة.

*******

أما مفسرو القرآن (راجع تفسير القرطبي للآية 107 من سورة الكهف والآية 11 من سورة المؤمنون)، فهم يجمعون علي عربية " الفردوس" من فردسه" بمعنى وسعه وعرشه. وشذ بعضهم فقال بل هي يونانية (علي ما مر بك من معنى "براذيسو" )، أو هي فارسية (علي ما مر بك من إرجاع "براذيسو" الإنجيلية إلي "بيري+ديزا" الفارسية). وهذا يدلك علي أن "براذيسو" و "بيري+ديزا" وقعتا في كلام الفرس والروم علي السواء عصر تصنيف تفاسير القرآن. ولم يصب هؤلاء فيما قالوه - وتوكأ عليه من بعد أدعياء الاستشراق في العصر الحديث- لأن جعل "الفردوس" بمعنى الجنة أو البستان يصطدم بقوله عز وجل في سورة الكهف "جنات الفردوس" التي تؤول علي هذا القول إلي "جنات الجنة" أو "جنات البستان" ، وهو لغو يتنزه عنه القرآن ، لأن إضافة الشئ إلي مرادفه لا تصح إلا بزيادة في معناه.


(4) عدن

عدن بالمكان عدنا يعني أقام. وعدن البلد يعني توطنه، لا يريم ولا يبرح. فــ"جنات عدن" يعني "جنات إقامة".
مصداق هذا قوله عز وجل: {وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا * مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا} (3) سورة الكهف. ودفع عز وجل مظنة السأم من هذا التأبيد وإن كان في الجنة بقوله في ختام السورة: {لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا} (108) سورة الكهف. إنها جنة المأوى: {عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى} (15:14) سورة النجم، {فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (19) سورة السجدة، وهي دار المقامة: {الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ} (35) سورة فاطر، وجنة الخلد: {قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاء وَمَصِيرًا} (15) سورة الفرقان {جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ} (15) سورة الفرقان، ودار الخلود: {ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ} (34) سورة ق.

وردت "عدن" في كل القرآن إحدى عشر مرة. وهى لا تجئ قط في القرآن منفردة، وإنما تجئ تسبقها "جنات" على الإضافة التي تفيد النعت، أي جنات يعدن بها. لا رحيل ولا براح.

ولم تجئ قط في القرآن "جنة عدن" علي إفراد لفظ "الجنة" ، لأن مفرد "الجنة" معرفاً بالألف واللام، علم بذاته على دار النعيم في الآخرة بكل درجاتها، فردوسا وغير فردوس: إنه اسم جنس لمجموع "الجنات" التي في تلك الدار، يختص فيها كل مؤمن بجنته. ولأن الجنس لا يكون إلا مفردا، فلم يقل القرآن "جنة عدن" علي الإفراد، كي لا يظن أن "جنة عدن" اسم جنس لمطلق الجنة، كما وهم سفر التكوين، وكي لا يظن أن "جنة عدن" - كالحال في " فردوس" - جنة متميزة عما دونها من الجنات، كما تري إسرائيليات دست علي تفاسير القرآن، بل الجنات كلها جنات عدن على سواء، أي جنات إقامة، فردوسا وغير فردوس: إنها {دَارَ الْمُقَامَةِ} (35) سورة فاطر، {عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ} (108) سورة هود.

ومن إعجاز القرآن، بل ومن دقيق القرآن أنه في حديثه عن قصة آدم لا يسميها قط - علي خلاف سفر التكوين - "جنة عدن"، لأنها لم تدم لآدم. وهذا يدلك علي أن "عدن" ليست وصفا للجنة بذاتها، لا علي النسب إلي إقليم أرض كما وهم سفر التكوين، ولا بمعنى النعمة والتنعم من "عدن" العبري المأخوذ من "غدن" العربي، كما قال علماء العبرية من بعد، فقد كانت الجنة لآدم وزوجته نعيما أي نعيم: {وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا} (35) سورة البقرة، ولكن "عدن" وصف لدوام الحال في تلك الجنة، فلا توصف به إقامة آدم فيها قبل إهباطه منها، وإنما توصف به الإقامة في تلك الجنة لما حقت له الجنة في الدار الآخرة، ليطمئن القلب إلي أنها إقامة خالدة لا تزول، كما زالت من قبل عن آدم، وإيناسا لآدم نفسه بعد أن تاب الله عليه كي يخرج منها علي رجاء العودة إليها خالدا فيها لا يخشى الخروج منها كرة أخرى.

إلي هذه الجنة "الدائمة" الخالدة، دعا آدم أبناء جيله، وتحدث بها من بعده أبناؤه وذريته أجيالا بعد أجيال، حثاً علي طلب الجنة التي لا تزول، حتى التصق النعت بالمنعوت، فصار في العبرية الأولى "جان عدن"، نقلا عن العربية الأم - أعني عربية آدم وبنيه - أي "جنة المقامة"، علما علي مطلق تلك الجنة.

ولكن العبرية علي عصر سفر التكوين تخلط بين العين والغين، أي بين "عدن" ، "غدن" ، تكتبهما وتنطقهما سواء بالعين غير منقوطة. وقد سقط من المعجم العبري "عدن" بمعنى أقام، وبقيت فيه "عدن" بمعنى "غدن" العربي، أي خصب ولان ونعم، ففهمها الكاتب بهذا المعني، وراح كدأبه يلتمس لها التفاسير، حتى استقام له إسقاط تلك الجنة من السماء إلي الأرض، ينسبها إلي موضع في ذلك الإقليم الخصيب في العراق، إقليم "عدن"، وفاته ما كتبه هو نفسه (تكوين 3/22-24) من أن الله عز وجل خشي أن "يغافله" آدم إلي شجرة الحياة في "جان عدن" بعد طرده منها، فأقام علي تلك الجنة حرساً يمنعونه من دخولها، فكيف عاد إليها أبناء آدم الذين سكنوا إقليم "عدن" يحرثون ويزرعون ويأكلون ويتناسلون؟

شرط الوحي" الصادق" ألا تكذبه السنون: لم تعد علي أرض هذا الكوكب، لا في العراق ولا في غيره، بقعة أرض لم تزر إن لم تعمر، ناهيك بأرض تمنع الملائكة الناس أن يطأوها. فهل غافل الإنسان الملائكة من بعد، أم حرمت الجنة علي آدم، وأبيحت من بعد لبنيه.

أما علماء العبرية الذين قالوا من بعد أن "جان عدن" يعنى "جنة النعيم"، فليس بشئ، لأن سفر التكوين يضع الجنة "في عدن شرقا" ، وينص تنصيصا علي "جان بعدن"، أي جنة في عدن ( والباء في العبرية تكافئ "في" العربية). ليست " عدن" في سفر التكوين من أسماء المعاني، وإنما هي بيقين لا يصح فيه جدل اسم موضع ، كيفما اخترت له الأرض والموقع.

*******

(الذي يجب التذكير به هنا أن أدعياء الاستشراق هؤلاء - معظمهم إن لم يكن جميعهم - دلفوا إلى المعجم العربي مثقلين بما حملوه من عبرية التوراة، يفسرون العربي بالعبري علي قدر محفوظهم من تلك العبرية التي انقرضت أو غابت أصول جذورها تحت ركام من تفاسير وضعت بعد نحو ألف سنة من عصر موسى عليه السلام، تخطئ وتصيب. في وهمهم أن العبرية أقدم وجودا من العربية لمجرد أن التوراة أقدم نزولا من القرآن. وقد لغوا بهذا وسكنت إليه نفوسهم لأنه يفيدهم في دعوي استنساخ القرآن من التوراة، وهي دعوى لا يقول بها إلا هازل، جاهل بالقرآن وبالتوراة. وقد تظاهرت الآن علوم اللغات والتاريخ والآثار علي أن اللغة العربية هي أم الساميات جميعا، إليها يرد علم ما باد وانقرض في تلك اللغات السامية، ومنها يؤخذ تفسير ما غمض فيها، أو شحب معناه، أو فقد جذوره. ومضي عصر كان ينظر فيه إلى أولئك المستشرقين نظرة الهيبة والإكبار، يؤخذ عنهم ويتتلمذ عليهم دون نقد أو تمحيص، الغث والسمين. نقول هذا دون أن نقلل من جهدهم الضخم، وكان أولى بنا أن نقوم به نحن، فنأمن الهوى والضلال.)


... يتبع

هناك تعليق واحد:

Mo Biko يقول...

وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتموني من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم ( 22 ) وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها بإذن ربهم تحيتهم فيها سلام ( 23 ) )

يخبر تعالى عما خطب به إبليس [ لعنه الله ] أتباعه ، بعدما قضى الله بين عباده ، فأدخل المؤمنين الجنات ، وأسكن الكافرين الدركات ، فقام فيهم إبليس - لعنه الله - حينئذ خطيبا ليزيدهم حزنا إلى حزنهم وغبنا إلى غبنهم ، وحسرة إلى حسرتهم ، فقال : ( إن الله وعدكم وعد الحق ) أي : على ألسنة رسله ، ووعدكم في اتباعهم النجاة والسلامة ، وكان وعدا حقا ، وخبرا صدقا ، وأما أنا فوعدتكم وأخلفتكم ، كما قال الله تعالى : ( يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا ) [ النساء : 120 ] .

ثم قال : ( وما كان لي عليكم من سلطان ) أي : ما كان لي عليكم فيما دعوتكم إليه من دليل ولا حجة على صدق ما وعدتكم به ، ( إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي ) بمجرد ذلك ، هذا وقد أقامت عليكم الرسل الحجج والأدلة الصحيحة على صدق ما جاءوكم به ، فخالفتموهم فصرتم إلى ما أنتم فيه ، ( فلا تلوموني ) اليوم ، ( ولوموا أنفسكم ) فإن الذنب لكم ، لكونكم خالفتم الحجج واتبعتموني بمجرد [ ص: 490 ] ما دعوتكم إلى الباطل ، ( ما أنا بمصرخكم ) أي : بنافعكم ومنقذكم ومخلصكم مما أنتم فيه ، ( وما أنتم بمصرخي ) أي : بنافعي بإنقاذي مما أنا فيه من العذاب والنكال ، ( إني كفرت بما أشركتمون من قبل )

قال قتادة : أي بسبب ما أشركتمون من قبل
((((((فالاسم من ابلس لكن معناه متحقق يوم القيامة بانه يسكت ولا حجة له)))))))))) والله اعلم اظن انة مقنع اكثر من ابو ليس :)