الجمعة، 15 يونيو، 2007

آل إبراهيم

السلام عليكم...

"آل إبراهيم"... "لوط" ابن أخي إبراهيم و"إسماعيل" ابنه البكري و"إسحاق" الابن الأصغر هيا بنا نتابع كتاب "من إعجاز القرآن في أعجمي القرآن" ونقرأ كيف فسر القرآن الكريم أسماء هؤلاء الأنبياء.

مع تحياتي


من إعجاز القرآن في أعجمي القرآن
العلم الأعجمي في القرآن مفسراً القرآن
المؤلف/رؤوف أبو سعدة
******

آل إبراهيم
******

(1)
لوط

لوط في التوراة ابن أخ لإبراهيم هو هاران، وإبراهيم (وهاران) ابنا آزر(أو تارح كما تقول التوراة). و"لوط" في القرآن هي نفسها "لوط" في التوراة، لا فرق بينهما في الكتابة، ولا فرق أيضا بينهما في النطق إلا أن لفظة "لوط" العبرية - الآرامية ينطق فيها المد لا بالواو، وإنما بالضم، مثلها مثل "يوم" العربية العامية، أو bought الإنجليزية.

أما "لوط" العبرية فهي من الحجاب والخفاء والستر، تشتقها من الجذر العبري "لآط / لوط"، وقرينه العربي "لط"، وأيضا "لاط/ يلوط/ لوطاً" ، بمعني ستره وأخفاه، "لوط" العبرية إذن مصدر بمعني الحجب والستر، وأيضا اسم بمعني حجاب.

إن نطقت "لوط" العبرية مداً بالواو، مثل لوط في القرآن، فهي على زنة اسم المفعول في العبرية، والمعنى محجوب أو مستور، وإن نطقتها مداً بالضم (مثل "يوم" العربية العامية) كما في التوراة، فهي على زنة المصدر في العبرية، والمعني ستر وحجاب. من ذلك في العبرية المعاصرة قولهم عن الشئ غيبه الضباب: "لوط بعرافل" أي "ليط بضباب"، و"عرافل" عبرياً يعني الضباب.

********

في العبرية أيضا "لوط" بنفس نطق اسم نبي الله لوط في التوراة، ومعناها في العبرية "لاذن"، ذلك الصمغ "الراتينجي" الذي يعلك أو يستعمل عطراً أو دواء، صاغته العبرية على الراجح من معنى اللزوق والعلوق الذي بقي في "لط" و "لآط" العربيين ، وضاع من الجذر العبري"لاط/لوط".

وفي السريانية كذلك "لوط" أخري معناها "فستق" وبعيد أن يكون اسم "لوط" منه، لأن اللغة السريانية لم تولد إلا بعد لوط بقرون وقرون. على أن علماء العبرية لا يفسرون اسم "لوط" باللاذن أو الفستق، وإنما يفسرونه بالستر والحجاب، فهو حجاب أو محجوب، وبهذا المعني نفسه فسره القرآن.

وغير بعيد أن لوطاً عليه السلام لم يكن هذا اسمه، وإنما شهر به عشية البطشة الكبري بالقرية التي كانت تعمل الخبائث، رمزاً لآية طمس أعينهم عنه، وخروجه من بينهم بقطع من الليل، في "ساتر" الله عز وجل.

*********

أما مفسرو القرآن (راجع تفسير القرطبي للآية 80 من سورة الأعراف) فقد قال الكثرة بعجمة هذا الاسم، ولم يتصدوا لتفسيره.ولكن منهم (الفراء) الذي حاول تفسيره من العربية، إلا أنه أخطأ معنى الستر والخفاء الذي في "لاط" العربي، وتعلق بمعني اللصوق والعلوق (وهو الأشهر في "لط", "لآط" العربيين) فقال إنه من قولك "هذا أليط بقلبي" يعني ألصق بقلبي، أي أحب إلي. وهو لم يفطن إلي معنى الخفاء والاستتار في هذا الجذر العربي لأنه بادئ بدء لم يقسه على قرينه العبري، فأخطأ ولم يصب.

لم يكن بين يدي مفسري القرآن وقتئذ ذلك المنهج الذي هدانا الله إليه بفضل منه ونعمه: تفسير العلم الأعجمي في القرآن بالقرآن. فالحمد لله الذي هدانا لهذا. وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.

*******

فسر القرآن اسم "لوط" عليه السلام بأدوات ثلاث: فسره بالتعريب، وفسره بالمقابلة، وفسره أيضا بالسياق العام، أي بالتصوير:
فسره بالتعريب، لأن "لوط" نفسها تفهم عربيا على أنها اسم فعل بمعني مفعول، من لاط / يلوط / لوطاً، كما تقول مثلا "جعل" بضم فسكون وتعني "مجعول"، من جعل/ يجعل / جعلاً. فهو المستور المحجوب، أي "الذي ليط". وهو تعريب وليس ترجمة ، لأن "لوط" بضم اللام لم تسمع من العرب. ولكنه تعريب مفسر، إن تمعنت.

وفسره بالمقابلة، أي بالضد من معناه كما مر بك، في مثل قوله عز وجل على لسان لوط: {قَالَ إِنَّ هَؤُلاء ضَيْفِي فَلاَ تَفْضَحُونِ} (68) سورة الحجر، وفضحة يعني هتك ستره. وأيضا في قوله عز وجل على لسان لوط يزجر قومه: {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ} (54) سورة النمل، أي أتأتون الفاحشة علانية لا تستترون؛ وكان الكفرة الفجرة يتلاوطون علنا، لا يستتر بعضهم من بعض، كما أخبر الله عز وجل على لسان لوط في خطاب قومه: { وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ} (29) سورة العنكبوت.

وفسره أيضا بالسياق العام أو الجو العام الذي توحي به إليك الآيات التي تصور لك لوطاً وهو " يراود" عن ضيفه ولا يملك ما يدافع به إلا أن يفتدي ببناته فلا يقبل منه، ويهمون به ليبطشوا به إلا أن يخلي بينهم وبين ضيفه هؤلاء ليفعلوا بهم ما أرادوا، ويجزع لوط أشد الجزع وقد غلب على ضيفه فيتوجع {قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ} (80) سورة هود ، ولكن ضيفه يهونون عليه {قَالُواْ يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُواْ إِلَيْكَ } (81) سورة هود، ولكن الملائكة المكرمين لا يدافعون عن لوط، ولا يبطشون بالكفرة الفجرة ، فلم تحن بعد ساعتهم، بل يضربون بينه وبينهم بحجاب، فتغشي الذين ظلموا الظلمة { فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ } (37) سورة القمر فيحتجب منهم لوط كما تحتجب الملائكة ، ويضرب الليل بأستاره على القرية المجرمة ، ويمضي لوط في ساتر الليل متبعاً ما أمر به { فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ} (81) سورة هود، لينجو بسحر { إِلَّا آلَ لُوطٍ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ نِعْمَةً مِّنْ عِندِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ} (35- 34) سورة القمر، ولا ينجلي الليل عن القرية إلا وقد صبحهم عذاب مستقر {وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ} (38) سورة القمر، وهلك الظلمة ردما وعميانا {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ}(72 - 74) سورة الحجر.

هذا الحجاب المضروب على لوط في إفلاته من بطش الذين كفروا، وفي فراره من القرية الظالم أهلها، حجاب باطنه من قبله الرحمة، وظاهره من ورائه العذاب ، ولذلك قيل له {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ } (65) سورة الحجر، أي النجاة أمامك، وكل ما وراءك هالك ، فاجعلهم وراءك ، ولا تلتفت.

هذا الجو العام، الذي توحيه الآيات ، سمة يتفرد بها القصص القرآني من دون كل قصص الحدث المروي في القرآن لا يسرد عليك كما يسرد الخير ولكنه - على خلاف ما تجد في التوراة والإنجيل - يبعث لك من غياهب التاريخ حيا نابضا مشخصا، وإذا أنت في قلب الحدث، تسمع وتري، وقد طويت المسافات واستدار الزمن .

*******

(2)
إسماعيل

"إسماعيل" في القرآن هي تعريب "يشمعيل" العبرية في التوراة.
وهي في العبرية على المزجية من (يشمع + إيل)، ومعناها الحرفي "يسمع الله".
وقد مر بك أن العبرية تستخدم المضارع وتريد اسم الفاعل منه، فيكون معنى هذا الاسم "الله سميع"، أو "سميع هو الله".

وسفر التكوين لا يحدثك بشئ عن مناسبة هذه التسمية، لأن غاية همه بنو إبراهيم عبر إسحاق، لا يهتم لشي من أمر إسماعيل، إلا شذرات تجئ عبر السياق. ولكنك تجد مناسبة هذه التسمية في القرآن.
فقد مر بك أن إبراهيم عليه السلام، حين انقطع ما بينه وبين أبيه وقومه، خرج مهاجرا إلي ربه يدعوه: {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ } (100) سورة الصافات، فاستجاب له عز وجل بالبشرى {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ} (101) سورة الصافات، أي بإسماعيل، لا يصح أن تقول بإسحاق، لأن إبراهيم دعا بها لحظة خرج مهاجرا إلي ربه لا يصحبه إلا زوجه سارة وابن أخيه لوط، دعا بها وهو بعد "فتي يقال له إبراهيم" (راجع الآية 60 من سورة الأنبياء)، عقيم الزوج لم يولد له بعد إسماعيل، بل لم يلتق بعد بهاجر أمه، التي أهداها إليه ملك مصر بعد سنوات من الطواف والترحال، كما تقرأ في سفر التكوين.

بشر الله عز وجل إبراهيم بهذا الغلام الحليم ولم يستجب له من فوره، وإنما أرجأ الاستجابة إلي أجل مسمى عنده، يبتلي صبر إبراهيم. كان مقدوراً لإسماعيل بكر إبراهيم ألا يجئ من زوجه سارة الآرامية ابنة عمه، وإنما من هاجر المصرية، لينبت في واد أصم غير ذي زرع عند بيت الله المحرم، كي تقام فيه الصلاة: { رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ} (37) سورة إبراهيم، ولو كانت سارة أم اسماعيل لما ارتضت فراقه، إلا أن تصحب ابنها في مهاجره فتفارق إبراهيم. ولكنه كان ابن ضرتها ، فشجعت ولم تمانع، بل كانت هي التي أوحت وألحت، في رواية سفر التكوين.

صدق الله إبراهيم وعده ببكره إسماعيل وقد ناهز إبراهيم ستاً وثمانين، لم يعد بعد "فتي يقال له إبراهيم"، وإنما ولد له إسماعيل وقد بلغ به الكبر، كما تجد في قوله الله عز وجل على لسان إبراهيم: {الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء} (39) سورة إبراهيم.

ويتذكر إبراهيم يوم ولد له إسماعيل دعوة منه سبقت، يوم خرج مهاجرا إلي ربه وحيدا إلا من زوجه وابن أخيه، يسأل ربه النسل الصالح الذي يعنيه على أمر الله، ويذكر ايضا بشرى الله إياه يومئذ "بغلام حليم"، أرجأها الله إلي أجل مسمي عنده وقد نيف إبراهيم على الثمانين، فيعلم فوق علم أن الله عز وجل - مهما طال الأجل - لا يخلف وعده رسله، وكأنه قال بالعبرية، يمجد بها الله: يشمع إيل؛ أي سميع هو الله؛ فسمي بها إسماعيل (يشمع + إيل).

***********

أما مفسرو القرآن (راجع تفسير القرطبي للآية 125 من سورة البقرة) وقد أجمعوا على عجمة "إسماعيل"، فلم يفتهم معنى "السمع" ومعني "الله" في (اسمع + إيل) ولكنهم فهموها بصيغة الطلب على الدعاء، فقالوا إن معنى هذا الاسم هو "اسمع يا ألله" أو "اللهم فاسمع".

ولا يصح هذا من وجهين: الأول لمخالفته معنى "يشمع إيل" العبرية، التي تفيد حدوث السمع لا طلبه. والثاني لأن الذي يستمع الله دعاءه فيستجيب، لا يقول: اللهم فاسمع، وإنما يقول: قد سمعت يا ألله.

وهذه هي آفة كل تفسير لاسم علم بغير لغة صاحبه.
أما إن أردت ترجمة "إسماعيل" إلي العربية ترجمة تصح بها العلمية، فالأقرب إلي الصواب أن تقول "سمع الله"، على التقرير، لا على الدعاء، كما يتسمى الناس الآن بــ "جاد الله"، "جاد الحق"، وأشباههما.

**********

ولا ينقضي القول في "إسماعيل"- قبل حسم ذلك الإشكال الذي افتعله جمهرة، من المفسرين (راجع تفسير القرطبي للآيات 101 وما بعدها من سورة الصافات) قول الشخص الذي كان به "البلاء المبين" في القرآن: إسماعيل أم إسحاق؟

تهيب هؤلاء المفسرون تكذيب التوراة في قولها إن "الذبيح" كان إسحاق بالاسم ، لا إسماعيل، فلم يروا بأساً من متابعة التوراة على هذا القول، لاسيما والقرآن لا ينص على الذبيح بالاسم، ووازنوا بين تكذيب التوراة بغير صريح القرآن وبين رد أحاديث من مثل قوله صلي الله عليه وسلم: "أنا ابن الذبيحين" (إشارة إلي أبيه عبد الله بن عبد المطلب وجده الأكبر إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام)، فردوا تلك الأحاديث.

والراجح عندي أن هؤلاء المفسرين "سمعوا" من أحبار يهود أن التوراة تنص على إسحاق ولا تنص على إسماعيل، ولكنهم لم "يقرأوا" تفاصيل ذلك في سفر التكونين نفسه، على ما مر بك في سياق تفسيرنا لاسم إبراهيم عليه السلام، وإلا لخلصوا كما خلصنا نحن من تحليل كلام الكاتب نفسه في الإصحاحات الخامس عشر والسابع عشر والثاني والعشرين إلي أن البلاء المبين ما كان ليصح إلا بإسماعيل، وحيد إبراهيم قبل عام من مولد إسحاق، ولجزموا - كما جزمنا نحن - بأن "إسحاق" هاهنا مقحمة على هذا السفر، مدسوسة من الكاتب أو الناسخ "ذي المصلحة"، وأن تكذيب التوراة في "إسحاق" ليس تكذيباً لله عز وجل فيما أنزل من التوراة، وإنما هو تكذيب لهذا الكاتب أو الناسخ.

والذي ينبغي التنبيه إليه أن التوراة - شأنها شأن الأناجيل التي بين يديك - ليست كلها باعتراف الكتبة أنفسهم كلاماً من الله عز وجل على رسله وأنبيائه، يتحصن بحجية الشئ الموحى به، وإما يتخللها الكثير- بل الأكثر- من كلام الكاتب و الناسخ، يصح حين يصح، كما تصح أحاديث الرواة، لا أكثر ولا أقل ، لا يرد به حديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا يتأول به قرآن.

والذي ينبغي التنبيه إليه أيضا أن المسلم - المأمور بتصديق التوراة والإنجيل بمقتضي قوله عز وجل في وصف المتقين {والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} (4) سورة البقرة - إنما هو مأمور بتصديق ما أنزل الله فيهما فحسب، الذي صدقه القرآن، لا ما زاد فيهما الكاتب والناسخ.

ويترتب على هذا مباشرة أن مقولات سفر التكوين الذي بين يديك لا ترد فحسب بصريح القرآن، وإنما ترد أيضا بالنقد التحليلي المباشر، على ما مر بك من القول في صحة "حساباته" أو من وصفه "جنة آدم" التي بعدن "شرقاً" أو تفسيره معنى "بابل" بالبلبلة، الخ... لو التزمت تصديق هذا الكاتب في كل مقولاته، فأوجبت على نفسك تصديقه في أن "البلاء المبين" كان بإسحاق لا بإسماعيل، لوجب عليك أيضا تصديقه في شناعات لا تصح في "نص مقدس"، من مثل زني ابنتي لوط بأبيهما على ما مر بك، أو من مثل انخلاع حق فخذ يعقوب (تكوين 32/26) وهو "يصارع" الله عز وجل، في محاولة بائسة لتفسير معنى شهرة "إسرائيل"،وتعليل تحريم بني إسرائيل أكل "عرق النسا" الذي على حق الفخذ.

أما القرآن لم ينص صراحة على أن "البلاء المبين" كان بإسماعيل، لا بإسحاق، فهذه زلة لا يصح أن يقع فيها مفسر للقرآن جدير بهذا الاسم. يكفيك أن تتلو الآيات من 99 إلي 112 من سورة الصافات، كي تعلم أن إبراهيم عليه السلام بشر غداة خروجه مهاجرا إلي ربه بغلام حليم، وأن هذا الغلام نفسه بلغ معه السعي، فكان به "البلاء المبين"، وأن الله عز وجل عقب على اجتياز إبراهيم هذا الاختبار الفذ بأن بشر إبراهيم بغلام آخر يولد له، هو إسحاق: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ} (112) سورة الصافات، فكان إسحاق بعض "جزاء المحسنين" الذي جازي به الله بر إبراهيم، ولم يكن هو بداهة الذي كان به البلاء المبين، وإنما كان البلاء المبين بإسماعيل.

(ربما أحرجت هذه الآية المفسرين الذين قالوا إن الذبيح هو إسحاق، فتمحك بعضهم بتأويلها على أنها بشري بالنبوة لإسحاق الذبيح، ولا يصح هذا من لغوي حاذق، لأن البشري في الآية تتعدي بالياء، فهي واقعة بإسحاق لا بالنبوة. وإنما النبوة والصلاح في الآية وصفان للابن المبشر به).

ونحن نضيف إلي هذا دليلا آخر من القرآن، وردت "غلام حليم" مرة واحدة في القرآن ( الصافات: 101) وصف بها الله عز وجل الغلام الذي كان به البلاء المبين، لم يخص بها غيره من أبناء إبراهيم، ووردت "غلام عليم" في القرآن مرتين، يخص بها إسحاق بالنص: {قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ} (53) سورة الحجر، {فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ} (28) سورة الذاريات، والمعني في الآيتين هو إسحاق بلا خلاف، أفلا تدلك هذه المغايرة بين "عليم" و"حليم" على أن البلاء المبين لم يكن بالغلام "العليم" (إسحاق)، وإنما كان بالآخر، الغلام "الحليم" الذي في سورة الصافات، فهو إذن "إسماعيل"؟

كذلك وردت "صادق الوعد" مرة واحدة في القرآن، خص بها الله عز وجل إسماعيل وحده دون غيره من النبين والمرسلين: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا} (54) سورة مريم. إلا تجد في هذا إشارة بليغة إلي صدق إسماعيل وعده أبه بالصبر على الذبح إذعاناً لأمر الله حين شاوره إبراهيم في رؤياه {قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} (102) سورة الصافات، حتي "تله للجبين"، فأي صبر كان؛
كان الذبيح إسماعيل، لا محل للقول بخلافه، ولا مجال للتردد فيه متابعة لقول أهل الكتاب.

وإذا كان الذبيح هو إسماعيل - إحقاقا للحق لا غير- فليس معنى هذا أن إسحاق أدني منزلة في سلم الأنبياء من إسماعيل، صلوات الله وسلامه على جميع رسله وأنبيائه، بل الكل في كرامة الأنبياء عند الله سواء، وهو أعلم ببلاء أنبيائه حسبك قوله عز وجل في الأنبياء من ذرية إبراهيم، وفيهم إسماعيل وإسحاق {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} (90) سورة الأنعام

********

أما التفسير القرآني لاسم "إسماعيل"، وهو "يشمعيل" عبرياً، ومعناه كما علمت "سمع الله" أو "سميع هو الله"، فأنت تجد هذا التفسير في قوله عز وجل على لسان إبراهيم: {الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء} (39) سورة إبراهيم.

وتجده في قوله عز وجل على لسان إبراهيم أيضا: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (127) سورة البقرة.

*******

(3)
إسحاق


إسحاق (وترسم اسحق في المصحف) هو الابن الثاني لنبي الله إبراهيم عليهما السلام، رزق به من زوجه سارة وقد ناهزت التسعين، عجوزاً عقيماً قد أيأستها السنون، وإبراهيم يومئذ قد بلغ المائة، فكان إنجابهما إسحاق في تلك السن آية من آيات رحمة الله بإبراهيم وأهل بيت إبراهيم: {قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ} (72) سورة هود.

وإسحاق عليه السلام سمته الملائكة، لم تسمه أمه ولم يسمه أبوه كما يقول سفر التكوين. بل سمت الملائكة أيضا "يعقوب" بن إسحاق، ولم يولد بعد إسحاق. تجد هذا في قوله عزوجل: {وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَقَ يَعْقُوبَ} (71) سورة هود

******

وقد قالت الكثرة من مفسري القرآن (راجع تفسير القرطبي للآية 133 وما بعدها من سورة البقرة) بعجمة "إسحاق" ولم يتصدوا لتفسيره. إلا من شذ فحسبه من العربية، يشتقه من الجذر العربي "سحق" بمعنى بعد أشد البعد. وليس هذا بشئ لأنه يفسر الاسم بغير لغة صاحبه، فلا تلتفت إليه.

*******

"إسحاق" في القرآن هي تعريب "يصحاق" في التوراة. وهي صغية المضارعة في المفرد الغائب من الجذر العبري "صحق"، وقرينه في العربية الجذر العربي "ضحك". و"يصحاق" العبري إذن يعني "يضحك"، لا يراد منه الفعل، وإنما يراد منه الفاعل، ومن ثم معنى "اسحاق"، وهو "يصحاق" عبريا، الضاحك أو الضحوك، وقد سمى العرب بمعناه على المبالغة فقالوا "الضحاك".

والتسمية بالفعل المضارع يراد منه اسم الفاعل، شديدة الشيوع في العبرية كما مر بك في موضعه: رأيت هذا في "يشمعيل" (إسماعيل)، وتراه الان في "يصحاق"، أي إسحاق. وستجده كثيرا فيما يلي من أعلام التوراة.
علي أن لهذا نظائر بقيت في العربية كما مر بك، تجدها في أمثال "يزيد" وغيرها من أعلام الأشخاص والمواضع. والأصل في هذا كما مر بك أن الفعل المضارع يفيد الحال كما يفيد الاستقبال، أي "يضحك" وسيظل، فهو "ضاحك" و "ضحوك".

*******

أما التفسير القرآني لهذا الاسم العلم، فأنت تجده في قوله عزوجل: {وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ} (71) سورة هود، أي ضحكت سارة وهي قائمة تخدم ضيف إبراهيم من الملائكة عجبا وحياء وهي تسمع من الملائكة بشري لإبراهيم بمولود يولد منها، وهي في تلك السن عجوز عقيم. وكأن ضحكها كان مناسبة يصاغ منها اسم المولود المبشر فقيل لها أضحكت؟ بشراك إذن "بالذي يضحك"، وهي "يصحاق"، اسم نبي الله إسحاق عليه السلام.

********

وربما قلت فلماذا جاءت "إسحاق" في القرآن بالسين، ولم تجئ على أصلها بالصاد "إصحاق"؟
قال هذا بالفعل بعض المستشرقين، مماحكة، كدأبهم في معارضة القرآن.
ولكنك تندهش إذ تعلم أن "يصحاق" هذه تجئ في عبرية التوراة بالسين كما تجئ بالصاد، والصاد أغلب، وأن "سحق" و"صحق" في المعجم العبري صنوان. وفي اللغة العربية تتعاقب السين والصاد مثل "السراط" و"الصراط" وقد قرئ بهما.

ولعلك تدرك معي أن تتابع الصاد والحاء والقاف في "يصحاق" قعقعة تنبو عنها موسيقي القرآن، لذا فقد عرب القرآن "إسحاق" عن "يسحاق" ولم يعربها عن "يصحاق" عالماً أنه لم يبعد، لوجود كلا الرسمين في عبرية التوراة.

لا يشاد القرآن أحد إلا غلبه القرآن، وسبحان العليم الخبير.


... يتبع


http://e3gaz1.blogspot.com/

الأحد، 3 يونيو، 2007

أبو العلاء... إمام الناس

السلام عليكم

"أبو العلاء"... "إمام الناس" أو نبي الله وخليله سيدنا إبراهيم عليه السلام... هذا هو موضوع هذا المقال من كتاب "من إعجاز القرآن في أعجمي القرآن".... ولا ينسى الكاتب الحديث عن اسم أبي إبراهيم وإعجاز القرآن في مخالفته للتوراة في هذا الاسم. ومن المواضيع الجديرة بالاهتمام في هذا المقال مقارعة أهل التوراة بالدليل القاطع من التوراة نفسها في شخص الابن الذبيح... هل هو إسماعيل أم إسحاق كما يدعون؟!

مع تحياتي



من إعجاز القرآن في أعجمي القرآن
العلم الأعجمي في القرآن مفسراً القرآن
المؤلف/رؤوف أبو سعدة
******

أبو العلاء... إمام الناس
******

تقول التوراة أن "أبرام" كان اسم إبراهيم الذي سماه به أبوه. أما "إبراهيم" فهو اسم سماه الله به. وتنص التوراة أيضا على اسم أبي إبراهيم، فتسميه "تارح" (أو "تيرح" بإمالة الألف مع فتح الراء في الحالتين)، خلافاً للقرآن الذي يسميه "آزر" بالنص في الصريح في قوله عز وجل: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ} (74) سورة الأنعام.

وقد حار مفسرو القرآن في "آزر" (انظر تفسير القرطبي للآية 74 من سورة الأنعام) لمخالفتها الصريحة لما هو معلوم عند أهل الكتاب من التوراة. وطنطن بها المستشرقون - كما مر بك - الذين وهموا أن "آزر" من أفدح أخطاء القرآن في اقتباسه من التوراة.

ونقول نحن: وما كان أغني القرآن عنها، على علمه المحيط بدقائق المكتوب في التوراة؛ وهل ينتقص شيئاً من جلال القرآن أن يسكت عن اسم أبى إبراهيم فلا يسميه؟ قد تناول القرآن جدال إبراهيم أباه في أكثر من آية فلم يسمه، فلماذا النص على اسم أبى إبراهيم في هذه الآية وحدها من سورة الأنعام؟ أفقد جهل القرآن اسم أبى إبراهيم في التوراة؟ فلماذا يزج بنفسه في المزالق فيخترع من عنده اسما لأبى إبراهيم، غير عابئ بما يسمعه من أهل الكتاب في مكة ويثرب ونجران؟ وإذا كان محمداً (صلي الله عليه وسلم) يفتري القرآن من عنده كما يدعون، فلماذا لم يستوثق من رجال كورقة بن نوفل عم زوجه خديجة وقد كان كما يقول أصحاب السير من حنفاء إحدى الملتين، يقرآ من الكتاب العبراني ما شاء له الله أن يقرآ؟ ولماذا لم يصححه له أمثال الحبر اليهودي ابن سلام وقد أسلم في المدينة لهذا النبي الذي "يخطئ" في اسم أبى إبراهيم؟ أفلم ير ابن سلام في هذه وحدها دليلا كافيا على "كذب" هذا النبي؟
ولماذا لم "يسقط" المسلمون من بعد النبي "آزر" هذه من القرآن، تنقية للقرآن من خطأ لا تجوز المماحكة فيه؟

تستخلص من هذا أن القرآن أعظم وأجل من أن يفتري من دون الله عز وجل، وتستخلص منه أيضا أن القرآن عند الذين آمنوا به أعظم وأجل من أن يكذب بالتوراة ، أو أن يصحح بما في التوراة، وتستخلص منه كذلك أن القرآن في المصحف الذي بين يديك قد عصمه الله سبحانه من التغيير والتبديل، ولو بقصد "التصويب" و"الاستدراك"، فهو إلي قيام الساعة محفوظ بحفظ الله عز وجل على الحرف الذي نزل به. وتستخلص منه أخيراً أن القرآن - وكان أيسر عليه استبقاء "تارح" في القرآن على أصلها في التوراة - إنما أراد عامدا متعمداً تحدي المتقولين عليه أصحاب دعوي النقل والاقتباس، فجابههم بما ينقض دعواهم. والقرآن هاهنا يريد المخالفة لذاتها، لا يريد منها تأصيل منهج أو إثبات عقيدة، وإنما يأتي بها للدلالة على إعجازه فحسب.
نعم، "آزر" في القرآن من دلائل إعجازه، كما سنري بإذن الله على التو معاً.

(1)
آزر

وردت "آزر" مرة واحدة في القرآن (الأنعام:74) اسما لأبي إبراهيم، وهو في التوراة "تارح". وقد توقف فيها مفسرو القرآن كما مر بك لما يعلمونه من مخاالفتها الصريحة لاسم أبى إبراهيم في التوراة، وعالج بعضهم التصدي لها محاولين التوفيق بين " آزر" و"تارح" بإسقاط أحد طرفي التناقض: منهم من قال أن "آزر" في القرآن ليس هو أبا إبراهيم، بل عمه. وقال الآخرون إن "تارح" كان له إسمان، أحدهما "آزر": وهو ضعيف، لأنه لا دليل عليه من القرآن أو الحديث، ولا مقنع به لأصحاب التوراة الذين لا يعلمون لأبى إبراهيم اسماً آخر، أو شهرة شهر بها. وتصدى لآزر أيضا باحثون كبار، كان منهم في هذا العصر الأستاذ عباس العقاد رحمه الله، في كتابه "إبراهيم: أبو الأنبياء"، الذي قال ما معناه أن "آزر" ليست تعريبا لـ "تارح" وإنما هي تصويب قرآني لنطق "تارح" على أصلها في لغة صاحبها ومنها الهمزة والحاء، وتبادل بين التاء والثاء والشين والزاي، وكأنها كانت ترسم "ثارة" أو "زارة" ونطقها العبرانيون "تارح"، الخ. وليس هذا بقوي، رغم ضخامة الجهد ونبل القصد، وأقرب ما يرد به على هذا أن العبرانيين لم يقرأوا اسم أبي جدهم إبراهيم في صحيفة أو نقش، وإنما سمعوه من إبراهيم شفاهة، وهم قد سمعوها "تارح"، ولم يسمعوها "آزر" ويرد عليه أيضا بأن القرآن لم يصوب للتوراة نطق علم أقدم من "تارح" وهو "نوح"، وكان حقه أن يأتي بها على "نوخ" الخاء المنقوطة كما مر بك، وإنما القرآن يلتزم العلمية التي ثبتت في الكتب السابقة، فيأتي بها على ما هي عليه، عدا ما يقتضيه التعريب فحسب، إلا أن يأتي القرآن بالعلم التوراتي أو الإنجيلي مترجما، كما مر بك في "إدريس" وكما ستري في "ذي الكفل".

أفتكون " آزر" في القرآن ترجمة لــ "تارح" في التوراة؟

نعم . ولكن هذا يقتضي أولا تأصيل لفظة "تارح" في اللسان العبراني، معناه واشتقاقه، أو معناه واشتقاقه في اللسان الآرامي، لغة إبراهيم "الآرامي"، الوافد على فلسطين (إرص كنعان) من حاران في شمالي سورية (إرص آرام) كما يقول سفر التكوين.

***********

لا يعرف علماء التوراة لاسم أبي إبراهيم "تارح" (أو "تيرح" بإمالة الألف) معني أو اشتقاقا، لا من العبرية ولا من الآرامية، لعدم وجود الجذر السامي "ترح" في أي منهما، أو على الأقل عدم وجوده فيما هو معروف لنا اليوم من جذور العبرية والآرامية. وأيضا لأنه لا يستقيم على أوزان هاتين اللغتين افتراض زيادة التاء في تارح اسم أبي إبراهيم في التوراة على نحو زيادتها في "ترواح" العربية بمعني الرواح، أخذا من الجذر العبري "أرح"، مقلوب الجذر العربي راح/يروح بمعني رحل، إذن لقالوا "آرح" وهو بالفعل من أعلام التوراة، ومعناه "الرحالة" الكثير التجوال. ربما جاز لك أن تقترح على علماء العبرية في تفسير معني "تارح" أنه مشتق من "يارح" العبري بمعني "قمر" (ومن هذه "يرح" العبري بمعني شهر قمري)، زيدت فيها التاء فأصبحت "تيرح" (علي نطق "تارح" اسم أبي إبراهيم ممالة الألف)، على نحو ما زيدت التاء في "يمن" العبري فقيل "تيمان" بمعني الجنوب عبرياً، ويرد على هذا بأن العبرانيين حين اشتقوا من القمر اسماً علما قالوا " يروح" وقالوا "يرح" ولم يقولوا البتة "تارح" أو "تيرح".

علي أنه لم يقل بهذا أو ذاك من علماء العبرية أحد، بل قد آثروا جميعا السكوت عن تفسير معني اسم أبي إبراهيم، على ولوعهم بتفسير الأسماء الأعلام، بل واختراع المناسبة التي اختير الاسم من أجلها، توضيحا لمعناه. وهم قد توقفوا في "تارح" - على الراجح عندي - خشية مزالق الزلل فيما لم يتضح لهم وجه الصواب فيه. ونحن نحترم لعلماء التوراة هذا السكوت، احترامنا لمفسري القرآن الذين توقفوا عن تفسير "آزر". لأننا نصدق القرآن في "آزر"، تصديقنا للتوارة في "تارح".في التوراة أيضا (عدد 33/27-28) "تارح" أخرى، هي نفسها رسما ونطقا، توقف أيضا علماء التوراة عن تفسير معناها. وليست هي في سفر العدد اسما لأبي إبراهيم، وإنما هي فيه اسم موضع في صحراء سيناء نزله موسي مع بني اسرائيل أيام تطوافهم في التيه. وليست هذه عبرية بالضرورة، بل عربية ، لغة القوافل التي كانت تجوب سيناء إلي مصر.لعلها من الترواح والراحة على معني المستراح يحط فيه الرحال. وقد فسرها بهذا المعني نفسه معجم ويستر "WEBSTER'S DICTIONARY" فقال Station، يعني "المحط"، غير جازم، لأنه يعقبها بعلامة استفهام. وهذا يليق باسم موضع، لا سيما في تيه سيناء، ولكنه لا يليق اسما لرجل، ولو أن المعجم المذكور يخلط بين الاسمين في غير ضرورة.

ونحن لا نقسر علماء التوراة على تفسير لاسم أبي إبراهيم "تارح" من العبرية والآرامية: لو كان في العبرية أو الآرامية شئ يعين على هذا التفسير لسبقونا إليه.
ولكننا نقول كما يقول سفر التكوين (تكوين 11/27-23) إن أبا إبراهيم "تارح" لم يكن رجلا عبرانيا أو آراميا، ولكنه كان رجلا "بابليا"، ولد في بلدة "أور الكلدانيين" على سافلة نهر الفرات، إلي الجنوب الشرقي من بابل في العراق، ولم يرتحل منها إلي "حاران" في شمالي سورية (إرص آرام) إلا وقد نيف عمره على مائة عام. ومن هنا تستطيع أن تقول إن تارح هذا كان ينطق اسمه، الذي سمعه منه بنوه، على مقتضي مخارج ألفاظ اللغة البابلية، لا العبرية ولا الآرامية.

*******

يقول علماء اللغات السامية إن البابليين - وهم بالقطع ساميون من عرب شبه الجزيرة - غلبوا الشومريين على أرضهم في جنوبي العراق حوالي مطلع القرن الثلاثين قبل الميلاد، فنقلوا عنهم "الخط المسماري" الذي ابتدعه الشومريون من قبل. ولأن اللغة الشومرية - بالقطع أيضا - لغة سامية، فقد خلا الخط المسماري من حروف لا تحتاج إليها تلك اللغة على أصول مخارج ألفاظها من حروف التضخيم كالطاء والظاء والضاد وبعض حروف الحلق، وتحتاج إليها اللغات السامية - ومنها البابلية - كي تفرق مثلا بين "ظهر" و "زهر"، وبين "عاد" و"آد"، على نحو ما تراه الآن من فوارق بين الخط اللاتيني والخط العربي. وكان موقف البابليين من هذا أنهم اصطنعوا الخط المسماري على علاته، دون أن يضيفوا إلى حروف "الأبجدية المسمارية" ما ينقصها من الحروف التي تحتاج إليها اللغة البابلية السامية.

وقد كان لاستخدام البابليين الخط المسماري في الكتابة، إلي جانب اختلاطهم بالشومريين الذين لم يقضوا عليهم تماما، أثر فادح في تشويه الطابع السامي النقي لمخارج ألفاظ أولئك الأعراب الذين جاءوا من جنوبي شبه الجزيرة فتوطنوا في بابل، ومن هذا المزيج وذاك الامتزاج ولدت اللغة البابلية، التي وإن بقيت سامية بجذورها ومادتها وتراكيبها فقد ضاعت منها بعض "الأصوات" التي تختص بها اللغات السامية، وأمها العربية، فتهملها، أو تنطقها محرفة.

وإذا علمنت أن تارح أبا إبراهيم ولد في أورالكدانيين ببابل حوالي مطلع القرن العشرين قبل الميلاد حسبما تستخلص من حسابات سفر التكوين - بعد انقضاء حوالي ألف سنة على توطن أسلافه الساميين في بابل - فقد علمت يقينا أن لغة تارح هذا وآبائه كانت هي بالقطع تلك اللغة السامية البابلية التي تاثرت بمخارج ألفاظ الشومريين على مدي ألف سنة سبقت، فهي لا تجد حرجا على سبيل المثال في وضع "التاء" موضع "الطاء" نطقا وكتابة.

من هنا تقول إن تارح - اسم أبي إبراهيم في التوراة - إما هو على أصله بالتاء، فيكن مشتقا من الجذر السامي "ترح" (الذي يفيد في العربية الهم والحزن، وأيضا قلة الخير)، وإما أن يكون أصله بطاء تحورت في البابلية إلي تاء، فيكون مشتقا من الجذر السامي "طرح" (علي تفاوت في معني "طرح" بين العربية وأخواتها الساميات): إن صدقت التوراة في "تارح" تصديقك القرآن في "آزر" فلا سبيل أمامك لتفسير معني "تارح" إلا بأحد هذين الفرضين لا ثالث لهما.

وقد كان الأضبط – والأثبت - التماس معني "تارح" البابلية هذه في المعجم البابلي نفسه، ولكن المعجم البابلي للأسف معجم أبتر، يقتصر على مفردات قلائل اقتنصها اللغويون بعد لأي من حطام نقوش لذلك الخط المسماري الذي حدثتك عنه، ليس من بينها "تارح" أو "طارح". وقد مر بك أن اللغويين يستعينون في فهم بوائد الساميات بالرجوع إلي معجم اللغة العربية، أم الساميات جميعا.ومر بك أيضا أن اللغويين حين يريدون تأصيل معني جذر مماتٍ في لغة سامية ما، يستعينون بمعني هذا الجذر في أخواتها وبنات عمومتها.

ولأن القرآن - أصل كل تأصيل للمعجم العربي - لم يعتمد "تارح" (لا بالتاء ولا بالطاء) اسماً لأبي إبراهيم، وإنما أتي به على الترجمة "آزر"، تفاديا لنقله عن أصل معناه في لغة صاحبه إن هو أتى به على أصله معربا - على ما مر بك من منهجنا في هذا الكتاب - فهذا يعني أن "تارح" و"طارح" كلتيهما ليستا من "ترح" و "طرح" العربيين، وإنما هما أو إحداهما من لغة سامية أقرب إلي البابلية تاريخاً وحضارة.

والآرامية والعبرية هما الأقرب إلي البابلية تاريخا وحضارة. والآرامية والعبرية كلتاهما تخلوان من الجذر السامي "ترح": ليس فيهما إلا "طرح" بالطاء، لا بالتاء.
ومن ثم فلا مفر لك من التماس "تارح" في "طارح"، والتماس معني "طارح" هذه في العبرية - الآرامية، لا في لغتنا العربية. "تارح" إذن - أو بالأحرى "طارح" - اسم أبي إبراهيم في التوراة، هو من العلم الأعجمي الذي فسره القرآن بالترجمة، فجاء به على "آزر". فإلي أي مدي أصاب القرآن، وسفه خصومة؟

*******

وزر، يزر، وزرا فهو وازر (راجع في معجمك العربي مادة "وزر") يعني حمل ما يقل ظهره، ومنه في القرآن: {لاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} (15) سورة الإسراء
أي لا تحمل نفس عن نفس شيئا، بل كل نفس بما كسبت رهينة. ومنه "الوزر"، أي الحمل الثقيل، كما في قوله عز وجل: { حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} (4) سورة محمد، أي أثقالها من سلاح وعتاد. واستعمل الوزر مجازاً بمعني الذنب، لأنه يثقل ظهر صاحبه يوم القيامة، كما في قوله عز وجل: {مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا} (100) سورة طـه.

وقد سقط من المعجم العبري - الآرامي الجذر السامي "وزر". إلا في لفظ واحد هو "وزار" التي وردت اسما علماً في الأصل العبراني لأسفار التوراة على مجازها العربي بمعني "موزور" أي راكب الوزر(راجع الترجمة العربية لسفر الأمثال 21/8)، لم ترد في التوراة إلا في هذا الموضع، وبقيت في العبرية المعاصرة بمعنى الخاطئ الآثم، يفسرها علماء العبرية بردها إلي الجذر العربي "وزر".

أما "الوزر" على أصل معناه في العربية، أي الحمل الثقيل، فهو في العبرية - الآرامية "طورح"، أخذاً من الجذر العبري - الآرامي "طرح"، أي حمل ما يثقل ظهره، فهو المقابل العبري - الآرامي للجذر العربي "وزر". ولا تستعمل عبرية التوراة من الجذر "طرح" إلا "طورح" بمعني الحمل الثقيل، أي الوزر، وإلا صيغة "هفعيل"(وهي صيغة "أفعل" العربية المتعدية بالهمزة) فتقول" هطريح" بمعني "أوزره"، أي حمله ما يثقل ظهره.

"طارح" إذن (أي "تارح" كما مر بك)، إن اشتققتها من الجذر العبري - الآرامي "طرح"، معناها "الوازر" على التطابق، لا على المجاز بمعني الموزور راكب الوزر، وإنما على الأصل بمعني الحمول المحمل.
أما لماذا ترجم القرآن اسم أبي إبراهيم إلي "آزر"، ولم يترجمه إلي "وازر" فهذا من دقيق القرآن كما سترى.

**********

"الأزر" عربيا ليس أصل معناها "القوة" كما وهمت بعض المعاجم (منها "المعجم الوسيط" الذي سكت عن تعريف "الأزر" بأنه "الظهر"، وعرف "الأزر" بأنه "القوة"، مستدلا بالقرآن {اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي} (31) سورة طـه، وهي على الضد من قوله)، وإنما أصل معناها "الظهر". والظهر يكنى به عن القوة، لا العكس. والإزار منه، لأنه يشد به على الظهر، أي على "الأزر". وأزر الزرع بمعني التف فقوي بعضه بعضا، يعني "تظاهر"، فكان بعضه لبعض "ظهيراً". وآزره مثله. ومنه أيضا "أزره" بمعني دعمه وقواه، أي كان له ظهراً، وآزره يعني كان له ظهيرا مظاهرا. وأزره أيضا يعني ألبسه الإزار، وأزر هو ، بكسر الزاي، فهو "آزر" (بفتح الزاي كاسم أبي إبراهيم في القرآن) يعني لبس الإزار، ومنه "حصان آزر" يعني حصان أبيض العجز ومقاديمه غير بيض، وكان بياض عجزه على خلاف مقاديمه" إزار" ائتزر به.

أما أن "الأزر" معناه "الظهر"، لا القوة، فهذا يتضح لك من قوله عز وجل على لسان موسي: {وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي} (31:29) سورة طـه، والمعني "أشدد به ظهري"، لا "أشدد به قوتي" كما وقع في بعض التفاسير، وكما وقع في المعجم الوسيط استشهادا على معني "الآزر" بأنه القوة. وليس بشئ: القوة تشدد ولا "تُشَد" الثلاثي المجرد غير المضعف، حين يتعدي بذاته كما في الآيات التي تلوت توا. يقع على المادي ولايقع على المعنوي، ويكون بمعني الربط والإيثاق والإحكام: تقول شد الإسار، وشد العقدة، وشد العضد، وشد الرحال، وشد المئزر، وشد "الأزر"، أي الظهر، لا معني للقول بخلافه.

وقد فسر القرطبي رحمه الله "الأزر" بمعني "الظهر" في تفسيره للآية 31 من سورة طه، فارجع إليه.
والوزر من "الأزر" قريب، لا في مادته فحسب، ولكن لأن "الوزر" بمعني الحمل الثقيل لايكون إلا على "الظهر"، أي على "الأزر". تجد هذا فصيحاً بيناً في قوله عز وجل، يسلي بها نبيه: {وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ} (3:2) سورة الشرح، بل لا يمكن لك تفسير قول العرب "وزر إليه" بمعني لجأ واعتصم، ومنه "الوزر" بفتح الواو والزاي في قوله عز وجل: {كَلَّا لَا وَزَرَ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ} (12:11) سورة القيامة، إلا أن تقول إن "الوزر" لغة في "الأزر" بمعني الظهر يركن إليه، أبدلت فيه الواو من الهمزة، وهو كثير الوقوع في كلام العرب، من مثل (أزف/ وزف) و (أكد / وكد) وغيره كثير. كما تجده في قوله صلي الله عليه وسلم لبعض تلك النسوة: " ارجعن مأزورات غير مأجورات"؛ وكانه يريد "موزورات" فهمز، أو كأن "وزر" و "أزر" سيان، أو كأن "المأزور" هو " المحمول على أزره" ، أي على ظهره، كما تقول "مكبود" ، "مبطون" ، "معيون" فيمن اعتل كبده وبطنه وعينه. والقياس من هذا – وإن لم يسمع من العرب- أن تقول "أزره" بمعني "أوقر أزره" (أي ظهره).

و"أزر" ( اسم أبي إبراهيم في القرآن) يعني موقر الظهر مثقله: إنها نفسها "الوازر" حامل الوزر، على أصلها لا مجازها، أي الحمول المحمل. وهو نفس معني "طارح" العبرية - الآرامية. وقد عدل القرآن عن "وازر" إلى "آزر" دفعا لشبهة فهمها بمعني الآثم الخاطئ (وهي "وزار" العبري كما مر بك)، وليست "طارح" أو "تارح" كذلك . وعدل أيضا عن استبقائها معربة على أصلها العبري - الآرامي "تارح" أو طارح"، لأن "تارح" تشتبه في العربية بمعني" المحزون" الترح، و "طارح" تشتبه في العربية بمعني "الطريح" المنبوذ، وليست أيضا "تارح" أو "طارح" في العبرية - الآرامية كذلك، على ما مر بك من منهجنا في تفسير أسباب عدول القرآن عن تعريب العلم الأعجمي إلي ترجمته.

أما اشتقاق "طارح" (تارح في التوراة) من الجذر العبري "طرح" بمعني" حمل" ما يوقر ظهره، فهو عندي على الوزن "فعال" - وهو وزن في العبرية والآرامية يدل على الفاعل يكثر منه الفعل - فكان حقه أن يكون"طراح". ولكن الذي يجب أن تعلمه، وعلمه القرآن من قبل، أن هاتي اللغتين لا تجيزان تشديد الراء، وتستعيضان عن تشديد الراء بمد حركة ما قبلها ، فتؤول "طراح" إلي "طارح" (تارح في التوراة)، كما قالوا في "حراش" (أي الحراث) "حارش" ، يعني الحارث الذي يمتهمن الحراثة.

********

لا سبيل أمامك إلي تفسير "تارح" البابلية (اسم أبي إبراهيم في التوراة) إلا بردها إلي "طارح" العبرية - الآرامية، أبدل البابليون من طائها تاء. ولا ترجمة إلي العربية لهذا الاسم البابلي أدق من "آزر" التي في القرآن، بمعني "الوازر" على أصلها، لا مجازها.

ولا حرج على القرآن صاحب اللغة - على نحو ما رأيت في "صراط" و"قسطاس" - أن يشتق من الجذر العربي الأصيل مادة لم تسمع قبله من العرب، لاسيما في ترجمة الأسماء الأعلام كما مر بك في "إدريس"، بل في هذا إشارة إلي "عجمة" صاحب الاسم العلم.

قد أصاب القرآن إذن في "آزر"، وسفه خصومه. فهل رغمت أنوف؟

جهل خصوم القرآن معني اسم أبيهم "تارح"، وما زالوا يجهلونه، وعلمه القرآن. فأي إعجاز وأي علم؛
كان أولي بالذين طعنوا على القرآن في "آزر" أن يتعلموا منه، ولكنهم لم يفعلوا، وصدق الحق سبحانه إذ يقول في تقريعهم: {هَاأَنتُمْ هَؤُلاء حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} (66) سورة آل عمران.


(2)
إبراهيم


"إبراهيم" في القرآن هي تعريب "أبراهام" في التوراة.
ويقول سفر التكوين إن إيراهيم كان اسمه "أبرام" (المشتقة على المزجية من آب+رام بمعني"ابو العلاء") وظل اسمه كذلك حتى كان ابن تسع وتسعين سنة فسماه الله "أبراهام" (إبراهيم في القرآن).
وعلماء التوراة يشتقون "أبراهام" هذه على المزجية من (آب+راب+هام)، حذفت الباء التي في "راب" للمزجية استثقالا، وخفف المد الذي في "آب" للمزجية أيضا، فأصبحت (أب+را+هام)، أي "أبراهام".
أما معني "أبراهام" هذه عند علماء التوراة فهم يرون أن "راب" ها هنا يعني "كثير" وأن"هام" يعني "جمهور". ومن ثم فهذا الاسم يعني عندهم (أب+كثير+جمهور)، يريدون "أبو جمهور كثير".
وقد تورط علماء التوراة في هذا التفسير اتباعا لسفر التكوين (تكوين 17/5) الذي أراد أن يكون معني"أبراهام" أباً لجمهور من الأمم (آب - هامون - جوييم)، نبوءة من الله عز وجل لإبراهيم بكثرة النسل. فألزم بها سفر التكوين علماء التوراة من بعده.

ولكنك تستدرك على علماء التوراة هؤلاء متسلحا بنحو اللغة العبرية ذاتها ومعجمها، فتقول إن "راب" التي في آب+راب+هام (أب+كثير+جمهور) لا يصح عبريا أن تفهم في هذا الاسم على الصفة بمعني "كثير"، لأن المفرد (الأب) لا يوصف بالكثرة، فلا يجوز لك أن تقول "أب كثير". ولا يصح عبريا أيضا أن تكون "كثير" هذه صفة لما بعدها (الجمهور)، لأن الصفة لا تتقدم الموصوف، كما في العربية سواء بسواء. ولا يصح في عبرية التوراة كذلك - وإن صح في العربية - إعمال الصفة فيما بعدها، كأن تقول"أب كثير الجمهور". أقرب من هذا إلي الصواب أن تقول في "راب" العبرية هذه أنها صفة بمعنى"كبير" (وهو من معانيها في العبرية) تصف بها "الأب" على التوقير والتمجيد، فيكون المعني "أب كبير لجمهور". وليس هذا هو الذي يريده سفر التكوين، فهو يريد الكبر والكثرة للجمهور لا للأب، بدلالة تفسيره الاسم بقوله: "أب لجمهور من الأمم".

أما الشديد النكر، فهو أن "هام" العبرية هذه لا تعني البتة "جمهور" كما أراد سفر التكوين وتابعه عليها من بعده علماء التوراة، وإنما معناها في العبرية "الناس" (راجع المعجم العبري"هملون هحداش لتناخ" )، أخذا من ضمير الجماعة العبري"هيم" (بإمالة الألف) وهي "هم" العربية.

من هنا يتضح لك أن المعني الأقرب إلي الصواب عبريا في "أبراهام" هو فهمه بمعني "أب كبير للناس".
ولكنك تعلم من العبرية أيضا أن "راب" على الإسمية لا الصفة، تعني "الرئيس"، "السيد"، "المعلم"، "الإمام". ومنها "الرباني" على ما مر بك في تضاعيف هذا الكتاب.ومنها في العبرية المعاصرة قولهم على النداء توقيراً: موري وربي؛ أي معلمي وأستاذي؛ إنها إذن الأستاذ الإمام.

عندئذ تقطع غير ملتفت إلي تفسير سفر التكوين وعلماء التوراة، بأن "أبراهام" إنما تعني في لغة صاحب هذا الاسم العلم: إمام الناس. وهي عبريا "راب+هام"، لا تحتاج في أولها إلي "آب". ولكن بقيت "آب" مضافة غلي الاسم على الراجح عندي، دلالة على الانتقال بالاسم من (آب+رام) إلي (آب+ راب+ هام) على وجه الحشو المؤكد، لأن في "آب" من معني الإمامة بعض ما في "راب".

وهذا هو نفسه التفسير القرآني لمعني إبراهيم بالمرادف في قوله عز وجل: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} (124) سورة البقرة، ولم يفطن إليه مفسرو القرآن كما ستري.

*********

تكلم مفسرو القرآن (راجع تفسير القرطبي للآية 124 من سورة البقرة) في معني اسم إبراهيم. منهم من أنصف فاكتفي بالقول بعجمته (الماوردي)، ومنهم من تصدى لتفسيره (ابن عطية) فقال إن معناه من السريانية هو "الأب الرحيم"، مؤكداً أن "رهيم" في السريانية معناها "رحيم" في العربية، فتندهش كيف تورط فيها الرجل على جلال قدره وعلمه، وليس في السريانية بالطبع من هذا شئ، بل ولا في الآرامية والعبرية، ولا تدري أيضا أي شقي في نواحي العراق دسها عليه، إلا أن يكون "هنديا" تسربل في ثياب السريان، ينطق حاءهم هاء!

وعلل بعضهم سبب التسمية (السهيلي) بقوله في معرض التشابه القوى بين السريانية والعربية: (ألا تري أن "إبراهيم" تفسيره "الأب الرحيم"؟ لرحمته بالأطفال، ولذلك جعل هو وسارة زوجته كافلين لأطفال المؤمنين الذين يموتون صغارا إلي يوم القيامة. وهذا - فوق سماجته - ضعيف، تشم فيه من قريب رائحة النقل عن أهل الكتاب من الملتين، وعندهم أن "الأبرار" يذهبون إلي حضن إبراهيم وسارة.

بل ليس البر والرحمة هما أعظم مناقب إبراهيم عليه السلام، حتى يتكلف اشتقاق هذا الاسم منهما. وإنما كانت كبرى مناقبه عليه السلام، بشهادة الله عز وجل، أنه إبراهيم الذي وفي:{أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى *وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} (37:36) سورة النجم.

والطريف أن القرطبي رحمه الله تحمس للرؤيا الطويلة عن سمرة، وفيه أن النبي صلي الله عليه وسلم رأي في الروضة إبراهيم عليه السلام وحوله أولاد الناس.

وليس في هذا الحديث أيضا - وإن صح - ما يشهد لتفسير اسم إبراهيم بمعني الأب الرحيم، وإنما هذا هو ما أسميه "التفسير بالتخمين"، أو "التفسير بالفراسة": تسقط صورة في ذهنك على شخص صاحب الاسم العلم، ثم تستخلص من هذه الصورة التفسير الذي تريد، لا تكلف نفسك مؤونة تأصيل مبني الاسم ومعناه في لغة صاحبه.

شبيه بهذا التفسير بالتخمين أو التفسير بالفراسة، ما تقرؤه في بعض التفاسير، وأيضا في بعض المعاجم، التي تقول لك إن لفظة "أمة" حين يوصف بها إنسان، تعين "الرجل الجامع لخصال الخير" يستشهدون لها بقوله عز وجل: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً} (120) سورة النحل، وليس هذا من اللغة في شئ. وإنما الأمة هنا يعني الإمام.

********

شغل إبراهيم عليه السلام - وهو بعد صغير - بالنظر في النجوم، يطلب الحق المبين، فهداه الحق إلي الحق. انبرى وحده في قومه يدعو إلي الواحد، فابتلي بكفر أبيه آزر، ينحت الأصنام ويبيعها للناس، كالساخر بدعوته. لم يكن أبوه ردءاً له، وإنما كان حرباً عليه، يستغل سلطان الأبوة في إسكات الدعوة: {قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا} (46) سورة مريم،ولم يزد هذا إبراهيم بأبيه إلا براً: {قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا} (47) سورة مريم.

وكاد لأصنامهم في غفلة منهم، ليريهم على أعين الناس أن الإله الذي لا يدفع الضر عن نفسه، لا يدفع الضر عن غيره، أو يضره. لكنه بفعلته هذه لم يهتك ستر أصنامهم فحسب، وإنما هتك ستر كهنتها وسدنتها، الذين يعلمون من قبل أنها لا تضر ولا تنفع، ولكنهم يعللون بها المستضعفين ويسوسون الدهماء. هنا برح الخفاء ولم يعد يصح السكوت، فكان جزاؤه من أبيه وقومه أن يحرقوه بالنار، انتصارا لآلهتهم وكيلا يفتتن به الناس. أسلم إبراهيم أمره لله، فقد علم هو من قبل أن الله حسبه، وإذا النار على إبراهيم برد وسلام، فالنار لا تحرق مؤمنا، ناهيك بخليل الرحمن.

ولكن القلوب تعمي عن الآية الكبرى، فاعتزلهم وما يعبدون من دون الله، لم يؤمن له منهم إلا زوجه سارة وابن أخيه لوط، فخرج بهما مهاجرا إلي ربه، لا شيعة ولا أتباع ، يرجو رحمة ربه في نسل صالح يعينه على أمر الله: {وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ * رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ } (100:99) سورة الصافات، ولكن العزيز الرحيم يبتلي إبراهيم فيرجئ الاستجابة إلي وقتها المكتوب عنده، ويصبر إبراهيم حتى يأتي أمر الله، لا يضار الزوجة التي صبرت ووفت، حتى جاوز الثمانين، فيولد له من هاجر بكره إسماعيل وقد ناهز إبراهيم ستا وثمانين، كما تقرأ في سفر التكوين (تكوين 16/16)، وعززه القرآن بقوله عز وجل على لسان إبراهيم: {الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء} (39) سورة إبراهيم.

فهل انتهت "بلاءات" إبراهيم؟ كيف، وهو عز وجل يريد لإبراهيم أن يكون المثل الأعلى لاصطبار المؤمن وإذعانه لأمر الله؟

ما أقر الله عينه بإسماعيل حتى ابتلاه فيه، فأمره بفراقه فطيما تحمله أمه، ليضعه في واد غير ذي زرع، لا ماء فيه ولا طعام. ولكن إبراهيم يمضى لا يلتفت وراءه تاركا فلذة كبده عن أمر الله، لا ينفطر ولا يجزع، فقد علم هو من قبل أن الذي خلق وهدي هو الذي يطعم ويسقي: {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ } (79:78) سورة الشعراء. فأي طاعة، وأي إيمان!

لم يخلق الله إسماعيل ليؤنس أباه في شيخوخته، وإنما خلقه ليكون شجرة إيمان أصلها ثابت في الأرض وفرعها في السماء، ألقيت بذرتها في واد أصم، يراد له بعد نحو أربعة وعشرين قرنا حمل لواء الدعوة الخاتمة والبلاغ المبين. ويشب الغلام بعيداً عن أبيه، ويمتثل إبراهيم، أفهل انتهت "بلاءات" إبراهيم؟ كلا. ما أن يبلغ الغلام ثلاث عشرة سنة، وقد ناهز إبراهيم تسعا وتسعين، حتى يجئ "البلاء المبين": يؤمر إبراهيم بذبح ابنه بيده، ويا لهول ما يؤمر... لأهون عليه أن يذبح نفسه بيده ولا يري ابنه يشك بشوكة تدميه. ولكن الله هو الآمر، والمأمور هو إبراهيم الذي علمت، ويمتثل إبراهيم. أفيتأبى إسماعيل على أمر الله، يضاعف على أبيه المحنة فيستغيثه الأبوة ويناشده الرحمة؟ فما علمك بير إسماعيل أباه؟
كلا، بل يخفف عن أبيه البلاء، فيستحثه ويستنجزه: {قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} (102) سورة الصافات، لا يصطنع البطولة، وإنما يقدم المشيئة، مسلماً وجهه لله، فأي أب وأي ابن...

تهيأ الابن للذبح، وتهيأ الأب لإجراء السكين، فقيل له قف... قد أتممت... فلم ير إبراهيم في المنام إلا أنه "يذبح" ابنه، لا أنه "ذبحه" بالفعل. وهذا هو معني قوله عز وجل: {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} (105:103) سورة الصافات.

وإلي هنا تم بلاء إبراهيم: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ} (106) سورة الصافات. بلاء لم يمتحن به قط إيمان رجل من قبل ومن بعد.

أما "جزاء المحسنين"، فقوله عز وجل: {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ } (110:108) سورة الصافات، وأيضا بشراه بإسحاق يثني به إسماعيل: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ} (112) سورة الصافات، وبارك الله على إبراهيم وآله، فصارت جزءاً من "تشهد" المسلم في كل صلاة.

وكان حقه على الله عز وجل أن يقول فيه: {وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} (131:130) سورة البقرة، {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} (125) سورة النساء. وكان حق إبراهيم على الله عز وجل أن يستجيب دعوته في الملة الآخرة: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ} (128) سورة البقرة، فيكون إمام المذهب والطريقة، أي الملة: {مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ} (78) سورة الحـج.

كان إبراهيم المثل الأعلى للمسلم الحق، يسلم أمره كله لله. وكان إبراهيم المثل الأعلى للمؤمن الحق، تنهد الجبال ولا يتزعزع له إيمان. فكان حقه على الله عز وجل أن يقول فيه: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً} (120) سورة النحل.

قالت بعض التفاسير، كما قالت بعض المعاجم، إن لفظ "الأمة" هنا يعني "الرجل الجامع لخصال الخير"، وليس هذا من اللغة في شئ كما مر بك: لا يجوز للغوي الحاذق أن يشتق المعني بعيدا عن أصل المادة اللغوية، أي بعيدا عن المعني الرئيسي للجذر الثلاثي المشتق منه. ولا يجوز لغة التفسير بالحدس والفراسة، إن اصبت مرة فقد أخطأت مرات، بل يكون الجذر الثلاثي للمادة اللغوية هم إمامك. ليس في مادة الجذر العربي أ/م/م شيء يفيد الجمع بين خصال الخير، وإنما كل ما في العربية بألف وميم مضعفة أو مكررة يدور حول معني الأم التي ولدت، والأم بمعني المثابة، يثاب إليها، والأم يجتمع إليها صغارها، والأم يتبعها ولدها. والأمة في الآية اسم من هذا، إنه "القدوة" وزنا ومعنى.

********

كان جزاء إبراهيم الذي وفى - وقد اجتاز البلاء المبين - أن جعله الله عز وجل إماما للناس:
{وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} (124) سورة البقرة، وهذا هو المعني الدقيق لاسم إبراهيم (إمام الناس) الذي لا يصح في العبرية غيره كما مر بك، وتلك هي مناسبة الانتقال باسمه من "أبرام" إلي "أبراهام" يوم التمام، باجتياز "البلاء المبين".

ولكنك لا تقرأ في سفر التكوين شيئا يعلل لك سبب العدول باسم إبراهيم من "أبرام" إلي "أبراهام" وهو عندئذ ابن تسع وتسعين، دون أسباب أو مقدمات، إلا إرادة الوعد بكثرة النسل... "ولما كان أبرام ابن تسع وتسعين سنة ظهر الرب لأبرام وقال له أنا الله القدير. سر أمامي وكن كاملا فأجعل عهدي بيني وبينك وأكثرك كثيرا جدا".

فسقط أبرام على وجهه. وتكلم الله معه قائلا: أما أنا فهو ذا عهدي معك وتكون أبا لجمهور من الأمم. فلا يدعي اسمك بعد أبرام بل يكون اسمك إبراهيم (أبراهام في الأصل العبراني). لأني أجعلك أبا لجمهور من الأمم. وأثمرك كثيرا جدا وأجعلك أمما.وملوك منك يخرجون" (تكوين 17/1-6). أما العهد الذي يلتزم به إبراهيم لقاء وعد الله إياه بكثرة النسل فهو (عهد الختان): "وأما أنت فتحفظ عهدي. أنت ونسلك من بعدك في أجيالهم. هذا هو عهدي الذي تحفظونه بيني وبينكم وبين نسلك من بعدك. يختن منكم كل ذكر. فتختنون في لحم غرلتكم. فيكون علامة عهد بيني وبينكم" (تكوين 17/9-11)" فيكون عهدي في لحومكم عهدا أبديا. وأما الذكر الأغلف الذي لا يختن في لحم غرلته فتقطع تلك النفس من شعبها. إنه قد نكث عهدي" (تكوين 17/13-14).

في هذا اليوم أيضا، وفي مناسبة تعديل اسم أبرام إلي أبراهام، عدل الله كذلك كما يقول سفر التكوين، اسم زوجته من "ساراي" إلي "سارة": "وقال الله لإبراهيم ساراي امرأتك منها ابنا وأباركها فتكون أمما، وملوك شعوب منها يكونون"(تكوين 17/15-16). (حاول علماء التوراة المغايرة بين معني"ساراي" ومعني "سارة" ليبرروا تعديل التسمية، فقالوا غير جازمين أن الأولي من المساورة والمغالبة والثانية من السراوة والشرف. أما "سارة" فهي عبريا من الجذر "سرر" وكافئه العربي سرا / يسرو/ سرواة، فهي "سرية" بمعني "أميرة". وقد بقي من هذا في عربية المماليك في مصر المتأثرة برواسب آرامية لفظة "سارعسكر" أي أمير الجند)

في هذا اليوم أيضا كان البشرى الأولى لإبراهيم بابنه إسحاق. هذا يتفق مع القرآن الذي يجعل توقيت البشرى الأولى بإسحاق تعقيبا على اجتياز إبراهيم اختبار "البلاء المبين"، كما تجد في قوله عز وجل لحظة فداء إسماعيل: {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ * وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ} (112:107) سورة الصافات.

ولكن الكاتب يسقط عمدا من هذا السياق "اختبار الذبح"، لأنه يريد شرف هذا "البلاء المبين" لإسحاق، لا لإسماعيل، وإسحاق لم يولد بعد، فيرجئ الحديث عن هذا إلي أن يولد إسحاق. فيجئ الكلام مقطوعا عن سياقه، ولا تفهم وجه التناسب بين "عهد الختان" وبين "تكثير النسل"، ولا بين هذين وبين وجه الضرورة إلي تغيير اسم إبراهيم وهو ابن تسع وتسعين سنة من أبرام إلي أبراهام، إلا أن يكون معني "أبراهام" هو المنجاب المنسال، ذلك المعني الذي اضطر إليه الكاتب ، فألزمه به علماء التوارة من بعده على خلاف مع نحو اللغة العبرية ومعجمها.

********

كان إسماعيل يوم تبدل اسم إبراهيم من "أبرام" إلي "أبراهام"، ابن ثلاث عشرة سنة، كما يقول سفر التكوين (تكوين 17/25)، يصح به "القربان" في اختبار الذبح (هذا يقارب عبارة القرآن: {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ (102:101) سورة الصافات).

وكان جديرا بكاتب سفر التكوين الذي بين يديك أن يتخذ من اجتياز إبراهيم هذا الاختبار الفذ، مناسبة لتعديل اسمه من "أبرام" إلي "أبراهام"، أي من "أبي العلاء" إلي "إمام الناس" في الإسلام والإيمان، لحظة أثبت جدارته بهذا الوسام. ولكن كاتب سفر التكوين الذي بين يديك لا يهتم ولا يريده، لأنه يفوت على بني إبراهيم عبر إسحاق هذا الشرف، وإسحاق لم يولد بعد، فنقل "بطولة" اختبار الذبح من إسماعيل إلي إسحاق، كما كان يفعل بعض فراعنة مصر بنقوش أسلافهم: يرفعون اسم الفرعون صاحب النقش الذي يسجل أمجاده، ويضعون مكانه اسم الفرعون البطل "المزيف"، فيفضحهم علماء الآثار حين يكتشفون التدليس. هذا بالضبط هو ما فعله الكاتب. لأنك حين تقرآ له (تكوين 22/2) عبارة: "خذ ابنك وحيدك الذي تحبه...." تتوقع حتما أن تجئ بعدها مباشرة لفظة "إسماعيل"، ولكن الكاتب يضع مكانها بكل ثقة لفظة "إسحاق" ، يكررها في كل مواضع واقعة اختبار الذبح، غير عابئ بذاكرة القارئ الذي قص عليه من قبل أن "إسحاق" لم يكن قط ابنا "وحيداً" لإبراهيم، وإنما الذي كان ابنا "وحيداً" لإبراهيم، وظل كذلك حتى مولد "إسحاق" هو بكره "إسماعيل"، فتقطع بأن ثمة أحداً "ذا مصلحة" قد عبث بهذا النص "المقدس"، لأن اختبار الذبح بابن "وحيد" لا يمكن عقلا أن يقع وإسحاق يثني إسماعيل، بل لا يمكن عقلا أن يقع إلا قبل مولد إسحاق، فلا يكون إلا بإسماعيل صاحب لقب "الابن الوحيد" وحده، فتقطع بأن مكان الحديث عن واقعة اختبار الذبح هو هذا الإصحاح السابع عشر نفسه الذي تقرر فيه - جزاء لإبراهيم على اجتيازه هذا الاختبار الفذ - تعديل اسمه من "أبرام" إلي "أبراهام"، أرجأه الكاتب إلي الإصحاح الثاني والعشرين ريثما يولد إسحاق ويشب.

ولأن كاتب سفر التكوين يري محقا أن اجتياز إبراهيم البلاء المبين، أي اختبار الذبح، يستحق جزاء يكافئ بر إبراهيم، فقد عقب على واقعة اختبار الذبح (الذي كان بإسحاق كما يقول) بقوله على لسان الله عز وجل: "من أجل أنك فعلت هذا الأمر ولم تمسك ابنك وحيدك، أباركك مباركة وأكثر نسلك كنجوم السماء وكالرمل الذي على شاطئ البحر، ويرث نسلك باب أعدائه، ويتبارك في نسلك جميع أمم الأرض، من أجل أنك سمعت لقولي" (تكوين 22/16-18)، يجعل جزاء إبراهيم "كثرة النسل" كما مر بك، ويطنب في أمجاد هذا النسل "المبارك"، وكأنما المكافأة لنسل إبراهيم، لا لإبراهيم نفسه، ينزعها الكاتب عن إبراهيم ويخص بها نفسه وشعبه.

أما الذي يستوقف النظر، الذي فات الكاتب أن يتذكره، فهو ان إبراهيم عقب اختبار الذبح (الذي كان بإسحاق كما يقول) لم يكن في حاجة إلي "مكافأة" تكثير النسل، لأنه حصل على الوعد بها من قبل "مجانا"، منحها له الكاتب دون مناسبة، بل دون ابتلاء تطير له النفس شعاعا، حين أراد - وهو يمهد لتفسير اسم إبراهيم - النص على كثرة نسله، فقال في الإصحاح الخامس عشر: "فإذا كلام الرب إليه قائلا: لا يرثك هذا . بل الذي يخرج من أحشائك هو يرثك. ثم أخرجه إلي خارج وقال انظر إلي السماء وعد النجوم إن استطعت أن تعدها. وقال له هكذا يكون نسلك. فآمن بالرب فحسبه له براً" (تكوين 15/4-6) ـ أي قالها الرب لإبراهيم جازما قاطعاً لا تحتاج إلي مزيد تأكيد، فما الداعي للمكافأة بها على اجتياز "البلاء المبين"؟ ثم ينتقل الكاتب إلي الإصحاح السابع عشر، يوم كان إبراهيم ابن تسع وتسعين، يريد توقيت الاسم من "أبرام" غلي "أبراهام"- ولم يولد بعد إسحاق - على ما مر بك فيقول إن الرب تراءى لإبراهيم يكرر له العهد (أي العهد بتكثير النسل) فيقول له: "أما أنا فهو ذا عهدي وتكون أبا لجمهور من الأمم. فلا يدعي اسمك بعد أبرام، بل يكون اسمك إبراهيم (أبراهام في النص العبراني)، لأني أجعلك أبا لجمهور من الأمم، وأثمرك كثيرا وأجعلك أمما" (تكوين 17/4-6). أفلم يؤمن من قبل إبراهيم بالوعد الأول الذي في الإصحاح الخامس عشر، وحسب له ذلك براً، فلم التكرار ولم يحدث من إبراهيم شي ينم عن تشككه في ذلك الوعد؟ وما الذي فعله إبراهيم ها هنا حتى يكافأ عليه بالتلويح من جديد بوعد تكثير النسل، بل ما الذي يبرر علة تغيير الاسم من "أبرام" إلي "أبراهام" فجأة دون مناسبة ودون مقدمات وقد بلغ من الكبر عتيا"؟ أليس ها هنا موضع الحديث عن اختبار الذبح، فيكون تغيير الاسم مكافأة على اجتياز الاختبار؟ ولكن إسحاق لم يكن قد ولد بعد، والكاتب يريد أن يخصه هو من دون إسماعيل بهذا الشرف. ونسي الكاتب أنه في الإصحاح السابع عشر تنبأ لإبراهيم بأنه سيكون له من سارة زوجته ابن (أي إسحاق) منجاب كثير النسل: "وأباركها وأعطيك أيضا منها ابنا. أباركها فتكون أمماً وملوك شعوب منها يكونون" (تكوين 17/16)...
فكيف يصدق إبراهيم الرؤيا بذبح إسحاق صبيا يافعاً لم ينجب بعد؟

علي أن اقتطاع اختبار الذبح من الإصحاح السابع عشر (كيلا يكون بإسماعيل) ورده إلي الإصحاح الثاني والعشرين (كي يولد إسحاق ويشب)، يترك الكلام في الإصحاح السابع عشر قلقا، إذ لا معني لأن يقال لإبراهيم وهو في سن تسع وتسعين: لا يدعي اسمك بعد أبرام......، أي أن اسم "أبرام" لم يعد يليق بك. فلماذا؟ ما الذي حدث له أو منه في هذه السن كي ينبو عنه اسم "أبرام"؟ إنه بلا شك اجتياز اختبار الذبح، أي البلاء المبين الذي كان بإسماعيل ولم يكن بإسحاق الذي لم يولد بعد. ولكن الكاتب كما مر بك لا يريد ذلك، فماذا يفعل؟ تحايل على سد الثغرة فجعل لتكرمة إبراهيم باسمه الجديد مقابلا يلتزم به في نفسه وولده، وهو عهد الختان. ولكن الكاتب يعلم أن الختان من سنن الفطرة، هدى إليه إبراهيم كما هدى إليه المصريون من قبل. ويعلم أيضا أنه لا معني لربط الختان بكثرة النسل، فماذا يفعل؟ أفتعل للختان رمزاً غليظا، يخرج به عن أصله كقاعدة من قواعد النظافة الجسدية، ليصبح كالوسم، توسم به الماشية علامة على الانتماء والملكية: "أما الذكر الأغلف الذي لا يختن في غزلته فتقطع تلك النفس من شعبها. إنه نكث عهدي" (تكوين 17/14), وكان "بولس" - رسول الحواريين إلي أوربا - قد فطن من بعد إلي أن تعليق الدخول في حظيرة إبراهيم على هذا الشرط الغليظ- شرط الختان - كفيل بأن يقطع "نسل" إبراهيم لا أن يكثر نسله كما تقول النبوءة التي في سفر التكوين، فقال بعدم وجوبيته. فعدل عنه المسيحيون جميعا، إلا من ولدوا بأرض ورثت الختان فطرة، ولم ترثه ديانة (شأن المصري المسيحي، على سبيل المثال).

ولكن المعضلة لا تزال ماثلة أما م الكاتب: ها هو في الإصحاح الثاني والعشرين يوقع اختبار الذبح على إسحاق كما مر بك، فماذا بقي في جعبته من جائزة يكافئ بها بر إبراهيم حين اجتاز بنجاح لا نظير له هذا الاختبار الفذ؟ ليس في ذهنه إلا جائزة "تكثير النسل" يطنطن بها، لا يسأم ولا يمل، ناسيا أن إبراهيم يحمل على صدره هذا الوسام من قبل بمقتضي عهد الختان. ولكن الكاتب لا يعبأ بذاكرة قارئه كما مر بك، فحسبك الله ونعم الوكيل.

بل ليس في كثرة النسل كم تعلم مجد لأحد، حتى يجازي بها الله بر إبراهيم. فضلا عن أن هذه النبوءة لم تتحقق إن أردت نسل إبراهيم عبر إسحاق، كما قالها سفر التكوين بالنص، خطابا من الله عز وجل لإبراهيم:"بإسحق يدعى لك نسل" (تكوين 21/12).

ليست أبوة إبراهيم هي أبوة "الناسل"، وإنما هي أبوة "الإمامة". ولو فطن كاتب سفر التكوين - وفطن من بعده علماء التوراة - إلي هذا المعني الجليل في اسم إبراهيم عليه السلام، لعضوا عليه بالنواجذا. ولكن "ألهاهم التكاثر"، عقدة اليهود في كل عصر: أراد الكاتب مجده هو ومجد شعبه - إن كان في كثرة النسل مجد - ولم يطلب مجد إبراهيم، فأراد الأب المنجاب "الناسل"، ولم يرد الأب "الإمام".

قال المسيح عليه السلام في تقريع هؤلاء. ينص على أبوة الإمامة: "لو كنتم أولاد إبراهيم لكنتم تعملون أعمال إبراهيم. ولكنكم الآن تطلبون قتلي. ,و أنا إنسان قد كلمكم بالحق الذي سمعه من الله. هذا لم يعمله إبراهيم" (يوحنا 8/39-40). (ما فتئ المسيح، وكأنما يتنبأ بما سيكون من بعده، ينص على بشريته: إنسان يوحي إليه!)

وقالها القرآن أيضا فأوجز وأبلغ: {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ} (68) سورة آل عمران.

وليس بعد هذا شرف لإبراهيم عليه السلام، النبي الإمام، صلوات الله وسلامه على جميع رسله وأنبيائه، وعلي كل من تبعهم بإحسان.


... يتبع

السبت، 26 مايو، 2007

أمم بائدة

السلام عليكم

يأخذنا الحديث هذه المرة إلى الأمم البائدة مثل (بابل - إرم – عاد – ثمود - مدين) وطبعا أنبياء الله المرسلين إليهم مثل (هود – صالح – شعيب).... هيا بنا نكمل الرحلة مع كتاب "من إعجاز القرآن في أعجمي القرآن"....

مع تحياتي


من إعجاز القرآن في أعجمي القرآن
العلم الأعجمي في القرآن مفسراً القرآن
المؤلف/رؤوف أبو سعدة
******

أمم بائدة
****

(1)
هاروت - ماروت - بابل

ليس في التوراة والإنجيل" هاروت وماروت" ولا ذكر في قصص أهل الكتاب لفتنة هاروت وماروت في بابل على نحو ما يقصه القرآن : {وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} (102) سورة البقرة.
ولم تأت "هاروت" و"ماروت" و"بابل" في كل القرآن إلا مرة واحدة فقط، هي هذه الآية.

****

وقد حار المستشرقون المنكرون للوحي على القرآن في تفسير أصل " هاروت " و" ماروت" ، لأنهم يبنون مقولاتهم في أعلام القرآن على فرض بات مسلما عندهم، لغوا به حتي حسبوه الحقيقة: القرآن يتوكأ على التوراة والإنجيل، ولا علم له بما وراء أقاصيص أهل الكتاب. وقد خلت التوراة والإنجيل من ذكر" هاروت" و" ماروت" ، فمن أين أتي القرآن بهما؟

قالوا: ربما أخذهما القرآن نقلا عن الديانة الزرادشتية من "خُردت" "أمردت" في الفارسية البهلوية ("هَرفُوتت" ، أمُورتت" في الفارسية الأفستية) ومعناها " الكمال"، " الخلود" ، جائزة المتقين بعد الموت. ثم استدركوا على أنفسهم فقالوا إن العرب الجاهليين لم يستقوا عقائدهم من الفرس، فضلا عن أن التسمية بهذين الاسمين الفارسيين تشخيصا لملكين هبطا من السماء إلى الأرض ليعملا عمل هاروت وماروت، تسمية لا تنطبق ومن ثم لا تصح.

وقالوا أيضا : ربما أخذ القرآن "هاروت" و"ماروت" من كتاب ينسب إلى أخنوخ (إدريس في القرآن على ما نرجحه نحن)، ضاع أصله وبقيت منه ترجمة باللغة السلافية القديمة، وفيه أن ملكين أحدهما "أريوخ" والآخر "مريوخ" أمرا بإغلاق الكتاب على نبوءات أخنوخ حتى تمام الدهور. وهي كما تري ليست مهمة هاروت وماروت في بابل على نحو ما وصفها القرآن. ولكنهم وجدوا في كتاب بالحبشية ينسب إلى أخنوخ أيضا، أن ثمة ملائكة هبطوا يعلمون الناس فنون السحر والشعوذة وقطع الأرحام، فربما أخذ القرآن التسمية من أخنوخ السلافي، وأخذ الوظيفة من أخنوخ الحبشي. إلى آخر ما قالوا.

لم يهتد المستشرقون إذن إلى وجه في "هاروت وما روت" إلا هذا ، وهو ركيك كما ترى، ولكنه يريك إلى أي مدى يتخبط أولئك المستشرقون المنكرون الوحي على القرآن : زعموا أن القرآن يتوكأ على معاصريه من أهل الكتاب فكيف علم القرآن ما جهلوه؟ كيف حفظ هو أخبار أخنوخ السلافي وأخنوخ الحبشي، واضاع أصحاب التوراة الأصل العبري لسفر ينسب إلى أخنوخ؟ أكانت أنباء أخنوخ أخباراً يتناقلها الرواة على عصر النبي، خفي أمرها على يهود اليمن والحجاز والشام؟ فكيف خفيت على مفسري القرآن وقد توقفوا في هاروت وماروت؟ ولماذا اختلفت رواية أخنوخ السلافي عن أخنوخ الحبشي؟ أترجم الترجمان كل بمعزل عن " أخنوخ" واحد أم عن " أخنوخين" اثنين؟

فكيف أخذ القرآن نتفة من هنا ونتفة من هناك؟ كيف تسني له الجمع بين هاتين الروايتين في نسيج واحد؟ أفقد اطلع القرآن على الترجمتين معاً فانفرد وحده بعلم السلاف والأحباش وخفي علم هؤلاء على هؤلاء؟ أو قد فرغ القرآن نفسه لجهد استنفد من جمهرة المستشرقين سنين في تتبع أخبار السلاف والأحباش والجمع بينها كي يصوغ منها في النهاية خبراً يأتي عرضاً في آية أو بعض آية؟ فما بالك بغير "هاروت وماروت" من أخبار القرآن، ومن علوم القرآن. وما أدراك ما علوم القرآن؟ أنى يتسع لبعض هذا جهد بشر، أو عقل بشر، أو عمر بشر، فرداً أو جماعة، وإن عكفوا عليه أجيالاً؟

علي أن أحداً من هؤلاء المستشرقين - يهود ومسيحيين، ومنهم المؤمن والملحد لم يتوقف لمناقشة "سفر التكوين" في روايته لفتنة الملائكة ببابل، على ما مر بك من قوله إن "الله" هبط ببابل ليبلبل ألسنة الخلق فيتفرق شملهم و لا يتموا بناء المدينة ، ومقصوده بالطبع أن "الملائكة" هم الذين هبطوا، لا الله عز وجل (وهذا كثير في لغة التوراة): صاغ كاتب سفر التكوين روايته ليؤصل بها فهمه لمعنى "بابل"، وليفسر رأيه في سبب اختلاف ألسنة البشر، ولم يصب الكاتب كما مر بك في هذا وذاك جميعا، ناهيك بوهمه أن المدينة لم يتم بناؤها ، وربما شهد فيها أطلالا ظنها أبنية لم تكتمل (بنيت بابل حوالي 2800ق م ، وقد خربت وأعيد بناءها مرات، وكتب سفر التكوين على الراجح عند محققي نصوص التوراة بعد بابل الأولي بنحو ألفي سنة).

هبط الملائكة إذن في بابل كما يقول سفر التكوين، ولكن لمهمة غير التي ذكرها الكاتب، لأن الملائكة إذا أمروا فعلوا، فتحقق مراد الله عز وجل، ولكن الملائكة لم يؤمروا بهذا الذي ذكره سفر التكوين، فلم يهبطوا من أجله ولم يفعلوه، بدليل أنه لم يحدث ، وهو لم يحدث - تقولها بيقين لا شك معه، لأن ألسنة الناس لم تتبلبل في "بابل" التي بنيت أول ما بنيت في مطلع الألف الثالثة قبل الميلاد، وإنما هي تبلبلت فبل مولد بابل - ومن ثم قبل نزول أولئك الملائكة المكرمين بقرون لا يعلم عدتها إلا الله: حسبك أن المصريين وجدوا في مصر قبل أن توجد بابل، وهم كما تعلم يتكلمون لغة غير اللغة، بل حسبك أن الشومريين الذين غلبهم الساميون البابليون على أرض العراق (بابل من بعد) عاشوا على أرض بابل قبل وفود البابليين على تلك الأرض، ولا صلة محققة بين اللغتين الشومرية والبابلية. قد تباينت ألسنة الناس إذن وتفارق الخلق من قبل أن تولد بابل، ولا حاجة من ثم بالملائكة إلى إحداث ما هو حادث.

فيم إذن كان نزول الملائكة ببابل؟ اليس أقرب إلى المعقول ما ذكر في سفر أخنوخ الحبشي من أن ملائكة هبطوا إلى الأرض يعملون الناس فنون السحر والشعوذة و "قطع الأرحام" ؟ ألا يذكرك "قطع الأرحام" بما قاله القرآن في شأن هاروت وماروت: {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} (102) سورة البقرة؟
كيفما كان الأمر، فقد كان هاروت وماروت فتنة للناس. ولكنها لم تكن فتنة معماة، وإنما فتنة على بصيرة:
{إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ} (102) سورة البقرة، أي تعلم منا هذا كيلا تعمله، إن حدثتك به النفس، أو علمك إياه شيطان.

وتستطيع أن تنسق على هذا أن " هاروت " و " ماروت" الملكين المكرمين لم يكفرا بما علماه الناس في بابل، لأنهما كانا به مأمورين فتنة للمتلقين منهما، تبصيرا للناس، وزجرا للناس عن إتيان السحر وعن تعلمه وتعليمه.

*****

أما قول مفسري القرآن في " هاروت" و " ماروت" و " بابل" (راجع تفسير القرطبي للآية 120 من سورة البقرة) ، فقد توقفوا في تفسير معنى " هاروت" و " ماروت" مكتفين بأنهما علمان أعجميان منعا من الصرف للعجمة ، هذا يدلك على أن أهل الكتاب المعاصرين لهؤلاء المفسرين لم يكن لديهم هم أيضا شئ في تفسير معنى هذين العلمين ، فتستنبط من هذا أن أهل الكتاب هؤلاء كانوا إلى ما بعد عصر نزول القرآن لا يعلمون شيئا عن "أريوخ" و "مريوخ" في أخنوخ السلافي، ولا عن الملائكة الذين هبطوا إلى الأرض يعلمون الناس فنون السحر والشعوذة وقطع الأرحام في أخنوخ الحبشي، لا بأصل هذه الرواية ولا بترجمتها السلافية أو الحبشية اللتين استخرجهما المستشرقون من أوراق الكنيستين البلغارية والحبشية ، وان القرآن كان أسبق من هؤلاء وهؤلاء إلى مجمل هاتين الروايتين.

وأما قول مفسري القرآن في معنى "بابل"، فقد تابعوا أهل الكتاب في تفسير معناها بالبلبلة، ورددوا دون تثبت رواية سفر التكوين في المقصود من ذلك هو التعليل لتفاوت ألسنة الخلق، ولم يلتفتوا إلى قوله عز وجل:
{وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ} (22) سورة الروم، أي أن المخالفة بين ألسنة الناس آية ماضية في الخلق منذ بدء الخلق بآدم، شأنها شأن المخالفة بين ألوانهم، لا شان لها ببلبلة الملائكة في بابل: لو صح هذا الذي رواه سفر التكوين لتوقف عدد لغات أهل الأرض عند الذي انتهت إليه محنة بابل، ولكن الذي حدث هو أن لغات البشر لا تزال إلى اليوم تموت وتتوالد.

****

علي أن "أريوخ"، "مريوخ" ، لم يجيئا في "أخنوخ السلافي" عبثا: إنهما على الراجح عندي الرسم السلافي لهذين العلمين القرآنيين "هاروت" و "ماروت" . ولكن القرآن لم يعربهما عن السلاف كما ظن أدعياء الاستشراق على ما مر بك، ولكنه عربهما عن الأصل الذي تكلم به الناس في بابل ، والذي تحرف على قلم مترجم كتاب" أخنوخ السلافي".

فأنت تعمل أن مهبط هذين الملكين قد كان ببابل، فتقطع بأنهما تعرفا - أي تسميا- لأهل بابل بلغة أهلها.
والبابلية لغة سامية بادت، وما تجمع للغويين من ألفاظها نزر يسير، على شك في صحة نطقه ومعناه، استظهروه من كتابات بخط مسماري سبق إليه شومريون - غير ساميين - فخلا من أصوات تختص بها اللغات السامية، واستخدمه من بعدهم البابليون على علاته، فلا تدري أفسد لسانهم باستخدام ذلك الخط أم اعتجم علينا نطق ما كتبوه، أم كلا الأمرين معا. ومن ثم لا يستطاع رد اشتقاق هذين الاسمين "أريوخ"، "مريوخ" إلى أصل بابلي مقطوع بمعناه. على أن في عبرية التوراة الاسمين العلمين "أريوخ"، "مريوت"، الأول بمعنى "الأسدي" (أي الشبيه بالأسد) والثاني بمعنى "المراء" على الجمع ( أي "مراءات") وكلاهما في عبرية التوراة علم مذكر. واللفظ "آرا" ، "آري" في كل من البابلية والعبرانية والآرامية معناه "الأسد" (وهي "هر" العربية بضم الهاء وتشديد الراء ومعناها الأسد لا "هر" مكسورة الهاء بمعنى "القط") ، أما الواو والخاء في "أريوخ" فهي في البابلية الفارسية تفيد النسب على الصفة. وربما قلت إن "مريوت" العبرانية أصلها "مريوخ" البابلية الفارسية (مري+ وخ) على النسب إلى "مري" يعني العجل المسمن (وهو "الماري" في العربية). ومن ثم يكون معنى هذين الاسمين "أريوخ" و "مريوخ" ، هو المنسوب إلى الأسد والمنسوب إلى العجل" الماري" . وليس على هذا أو ذاك دليل تستريح إليه.

أما الذي نقوله نحن، فهو أن العلمين "هاروت" و"ماروت" لم تثبت لهما العلمية في الكتب السابقة حتي يلتزم القرآن بالاتيان بهما على ما جاءا به في التوراة والإنجيل على نحو ما مر بك، وإنما جاء بهما القرآن على أصلهما في العربية الأولي. وقد جاء بهما القرآن على زنة المبالغة "فعلوت"، كما تجئ "طاغوت" من "طغي"، "جالوت" من "جلا" ، "طالوت" من "طال".

إنهما على الراجح عندي تعريب على التفسير من الهراء والمرية، أو الهرء والمأر (أي القطع والإفساد) ، تسمية لهما لذلك "العلم" الذي علماه الناس في بابل، وكانت به " الفتنة" التي تعرفا بها للناس : {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ} (102) سورة البقرة.

أما " بابل" في القرآن فهي مفسرة بذاتها لا تحتاج إلى تفسير، وقد علمت أنها من البابلية " باب+ ايلو" ، أي "باب + إل" ، يعني "باب الله" ، سهلت همزتها على المزجية ، ورغم أنها جاءت على وزن شائع في العربية وهو "فاعل"، فقد منعت من الصرف للعلمية والتأنيث قبل المزجية وقبل العجمة.

ولكنك تستشف من القرآن تفسيرا لمعنى بابل بالتصوير، أي بالسياق العام. فأنت تعلم أن البابليين كانوا من عبدة الكواكب، يديمون النظر في النجوم، وأنهم بنوا ذلك "البرج" الذي سميت به المدينة من بعد "باب ايلو"، والمقصود بالطبع "باب السماء" ، معبدا لإلههم الأكبر"مردوخ" (كوكب المريخ على الراجح)، كوة نافذة في السماء يرصدون منها آلهتهم هذه، على نحو ما فعل فرعون: {فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى} (38) سورة القصص.

أرادوها كوة نافذة في السماء يرقبون ويتسمعون، فكان لهم ما أرادوا : كان "الباب" الذي صنعوا ، باباً نزل عليهم منه هاروت وماروت بالفتنة: {وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ} (102) سورة البقرة.

(2)
هود – إرم - عاد

لا يعرف أهل الكتاب "هودا" ولا "عادا" ولكنهم يعرفون "إرم"، وهي عندهم "آرام" يعني "العالية" أو "المعلاة"، من الجذر العبري "رام/يروم" أو "رام/يرام"، أي ارتفع وعلا، فهو عال وعلي، ومن هذه "أبرام" ، أي "أبو العلاء"، اسم إبراهيم عليه السلام في التوراة، قبل أن يبتليه الله بكلمات فيتمهمن، فيسميه باسمه المعروف "إبراهيم". وسيأتي. ولا تزال أحرف هذا الجذر باقية في العربية تجدها في "رامه" يعني طلبه، وكأنها من استشرفه وتطلع إليه، وتجدها أيضا في "رمى" (لازما غير متعد) بمعنى ربا وزاد، وتجدها كذلك في "رام عليه" بمعنى فضل عليه زاد. لكن "رام" بمعنى علا وارتفع، غير معروف في العربية، فتستظهر من هذا أن "إرم" أعجمي غير عربي، يحتاج إلى تفسير في القرآن. وإلا لظننت "إرم" عربية من "أرمه" يعني استأصله وأفناه، أو أنها "الإرم" بمعنى الحجارة أو نحوها تنصب في المفازة ليهتدي بها (وتجمع على آرام وأروم) أو ظنتها بمعنى الأصل و"الارومة"، وقد فصل القرآن في هذا كما ستري.

علي أن عجمة "إرم"، وهي مدينة عاد قوم هود، توحي إليك بأن عاداً وهوداً لفظان أعجميان كذلك ، أعني أنهما من "العبرية الأولي"، التي يحتاج فهمها أحيانا إلى بحث في فصائل سامية عن جذور أميتت في العربية وبقيت حية في غيرها تقول بعجمة "هود" و"عاد" على الإتباع لعجمة "إرم" جازما قاطعا، لأن الرسول والمرسل إليهم واحد.

***********

أما مفسرو القرآن (راجع تفسير القرطبي للآيات 65-69 من سورة الأعراف والآيات 50-60 من سورة هود) فقد اتفقوا على عجمة "عاد"، اسم رجل تسمت به قبيلته، نسبه ابن إسحاق إلى نوح فقال: هو عاد بن عوص بن إرم بن شالح ابن أرفخشد بن سام بن نوح (وكأنه يستقي من أحبار يهود ولكنهم لا يعلمون الكتاب إلا أماني كما قال الحق سبحانه فليس هذا هو عمود النسب في سفر التكوين بل ليس فيه أصلا "عاد"). ولكنهم تفاوتوا في عجمة "هود" (الاسم لا المسمي بالطبع) فقال بعضهم هو عربي تشتقه من الجذر العربي"هاد/يهود" أي تاب ورجع إلى الحق، وقال الباقون ومنهم ابن إسحاق إن"هودا" أعجمي، فهو هود بن عبدالله ابن رباح بن الجلود بن عاد بن عوص بن إرم الخ. وهذا أيضا على خلاف عمود النسب في سفر التكوين، بل ليس فيه أصلا هود، ناهيك بعبد الله والجلود.

أما قول مفسري القرآن في "إرم" (راجع تفسير القرطبي للآيتين 6-7 من سوه الفجر) فمنهم من قال جد عاد، نسبت إليه القبيلة فجاء اللفظ على التأنيث (ذات العماد) ومنهم من قال بل هو اسم مدينتهم، وشرحوا"ذات العماد" بأنها الأبنية العالية المرتفعة – وهو الصحيح في اللغة – وكأنهم يبنون أبنيتهم على العُمد. ومنهم من أشكلت عليه "عاد الأولي" (النجم:50) فظن أنهم "عادان"، أولى وثانية، "عاد إرم"، "عاد هود"، والصحيح ما قاله الآخرون، فليس إلا "عاد" واحدة، أهلكها الله أولا، ثم ثني بــ "ثمود"، فالقرآن لا يذكر عادا قوم هود إلا وهو يتبعها بثمود قوم صالح.

علي أن في حضرموت نبعا يدعي "برا- هوت"، اشتهر منذ القدم بأدخنته الكبريتية، بجواره قبر يدعي قبر"هود" يزوره الناس إلى اليوم ويتبركون به. يصح هذا أولا يصح فنحن لا نستطرد بك إليه، ولكن المستشرقين الذين ذكروه يلفتون النظر إلى ما قاله المفسرون من أن "عادا" كانت منازلهم ما بين اليمن وحضرموت، فهو إذن من أنبياء العرب. ويري هؤلاء المستشرقون أيضا أن هودا هو نفسه "عابر" الذي يرتفع بنسبه إلى سام بن نوح. وإلي عابر هذا ينتسب "العبرانيون" كما تعلم. وربما شجعت الجالية اليهودية في شبه الجزيرة هذه المقولة رغبة في إيجاد نسب موغل في القدم بينهم وبين مضيفيهم، تأليفاً لقلوب العرب عليهم، فقالوا إن "يهود" جاءت من "هود"، فهم إذن بنو- هود، النبي العربي. وليس بشئ إن أردت قرابة النسب، فاليهود أنفسهم يشتقون "هو" من "يهودا" بن يعقوب (وتنطق داله في العبرية ذالا لاعتلال ما قبلها كما مر بك) وليس تاصيل الأنساب من مقاصد هذا الكتاب الذي نكتب. ولكن لا بأس بهذا الذي قيل في أخذ "يهود" من "هود" إن أردت القرابة اللغوية في النحت والاشتقاق، ولو أن اللغات السامية جميعا في هذا سواء.

*********

أما "هود"- إن أردتها عربية- فهين تسمية مشتقة من الجذر العربي هاد/ يهود/هودا، فهو "الهائد"، أي التائب الراجع إلى الحق (وتاب وثاب وآب كله واحد). تجد تأصيل هذا في القرآن من قوله عزوجل على لسان موسى في فتنة السامري: { إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِي مَن تَشَاء أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ * وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ} (155-156) سورة الأعراف، أي رجعنا وأنبنا. لا تجد لها تأصيلا في العربية إلا من القرآن، وفي هذه الآية بالذات. ومنها أيضا يشتق القرآن معنى اسم اليهود (وسيأتي في موضعه) فيسميهم الذين هادوا في عشرة مواضع من مثل قوله عزوجل: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ} (62) سورة البقرة، ويسميهم أيضا"هود" (جمع "هائد" أي الذي هاد) في ثلاثة مواضع من مثل قوله عزوجل يحكي مقالتهم: {وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ} (135) سورة البقرة، نافيا أن يكون هذا هو اسمهم قبل أن يقولها موسى: {أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطَ كَانُواْ هُودًا أَوْ نَصَارَى} (140) سورة البقرة.

وليس معنى القول بعربية اسم "هود" - على إيغاله في القدم كما مر بك - أنه بالضرورة من هذه العربية نفسها التي نزل بها القرآن، وإنما المعني أن اسمه من"العربية الأولى" التي تكلم بها سكان شبه الجزيرة جميعا منذ أزمان سحيقة لا يعلمها إلا الله، وتفرقت من بعد في الساميات جميعا، وإنما نفهم نحن مفرادتها الآن بخاصية في تلك اللغة الفذة، هي "جذرها الثلاثي"، الذي تدور معانيه على أصل حروفه. وقد أصل القرآن معنى "هاد" على التوبة والإنابة، فهو كما قال، لأن القرآن هو الشاهد لتلك اللغة العربية في كافة مراحل تطورها، لا حاجة بك معه إلى غيره.

وربما قلت إن "الهائد" تفيد "المهدي"، لا لقرابة ما بين الجذرين" هدي" و"هاد" فحسب، وإنما أيضا لأن "الهائد" هو عكس "الضال". وفي هذا لفتة بعيدة المغزى قد تفوت على كثيرين: إنه نعت ينطبق على كل نبي بعث في قوم ضلوا جميعا سواء السبيل، ليس فيهم إلا هو وحده الذي انسلخ من ضلالتهم: هاد إلى الله وحده، فبعثه الله إليهم ليهديهم به، ولا يهدي غيره إلا الذي هاد من قبل، فهو الهائد المهدي، وهو الهادي المهتدي.

لم يكن "هود" عليه السلام من أنبياء التوراة، فجاء اسمه في القرآن على أصله عربيا، على ما مر بك من منهجنا في هذا الكتاب، لا يحتاج إلى "فك عجمته" بالتفسير، إلا ما كان من تأصيل معنى الجذر"هاد" في قوله عزوجل على لسان موسى: "إنا هدنا إليك".

علي أن أسفار التوارة (أخبار الأيام الأول 7/13) الاسم "هود" (مداً بالضم لا بالواو كما في "يوم" العربية العامية أو في Home الانجليزية) علماً على رجل من عامة سبط أشير، ليس بنبي أو رسول. ولكن علماء التوراة لا يشتقون "هود" الإسرائيلي هذا من التوبة والإنابة، ولكنه عندهم مصدر أميت جذره وبقي المصدر في لغتهم بمعنى الجلال والجمال والسناء، ومنه في العبرية المعاصرة"هود ملخوتو" خطاباً للملوك بمعنى "صاحب الجلالة". ولو كان المعني هو "هود" النبي لشاعت التسمية في بني إسرائيل، وهو مالم يحدث.

********

أما "عاد" و"إرم" فلا مجال لاشتقاقهما من العربية التي نزل بها القرآن، وإنما تشتقهما من العربية الأولي مستعينا بما بقي من جذروها في الآرامية والعبرية، ومن ثم كانتا من الأعجمي الذي يفسره القرآن.

"عاد" في الآرامية – العبرية معناها "الأبد" و "الخلود". ومنها في العبرية "لعاد"، يعني "إلي الأبد". فهي الباقية الخالدة التي لا تزول. وقد جاءت مفسرة في القرآن مرتين، الأولي على الترادف في قوله عزوجل: {وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ} (8:6) سورة الحاقة. وفسرت في المرة الثانية على التقابل في قوله عز وجل: {وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى * وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى} (51:49) سورة النجم، أي ما عادت عاد ولن تعود.

وأما "إرم" فهي في الآرامية - العبرية مشتقة من العلو والعلاء، فهي العالية والمعلاة، كما مر بك من معنى الجذر العبري "رام – يروم" . وقد وردت" إرم" في القرآن مرة واحدة فسرت فيها بهذا المعني نفسه، ولم يفطن إليه مفسرو القرآن رغم علمهم بأن " ذات العماد" تعني المدينة ذات الأبنية العالية المرتفعة: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ} (8:6) الفجر، وهو تفسير على الترادف اللصيق: إرم = ذات العماد. ودل قوله عزوجل "لم يخلق مثلها في البلاد" على أن القرآن يريد إرم المدينة لا عاداً القبيلة كما وهم بعض المفسرين الذين ظنوا أن إرم في القرآن هي نفسها عاد، اسم القبيلة، نسبة إلى الرجل إرم بن سام بن نوح، وليس هذا بفصيح في عربية القرآن الذي إذا أراد القبيلة جاء بضمير الجمع للمذكر: "وأما عاد فأهلكوا"، وإذا أراد المدينة أي الموضع استخدام ضمير المؤنث: "التي لم يخلق مثلها في البلاد".

أما " الإرميون" أصحاب إرم، أعني الناجين منهم مع هود، فهم آباء "الآرامين" الذين قدر لسلالة منهم في "الحجر" إلى الجنوب الغربي من تيماء بالمملكة العربية السعودية على طريق القوافل إلى الشام أن تسكن في نواحي "الحجر" ما يعرف إلى اليوم باسم "مدائن صالح" أو "قرآ صالح"، التي قيل أن الرسول صلي الله عليه وسلم في غزوة تبوك نهى عن التلبث بأطلالها كراهة المكث بموضع السخط والنقمة: إنهم "ثمود" أصحاب "الحجر"، قوم صالح.

(3)
صالح - ثمود

يرد الاسم "إرم" في التاريخ المدون، وفي جغرافية التوراة، بصورة عبرية آرامية هي "آرام" ليست هي إرم عاد التي في القرآن، وإنما المراد منها هو"سورية" بالمعني العام، سميت بهذا الاسم نسبة إلى قوم من العرب وفدوا عليها حوالي القرن الخامس عشر قبل الميلاد: جاءوها بلغتهم هم "الآرامية"، وخلعوا عليها اسمهم هم "الآراميين"، فصارت سورية "ارس آرام" أي أرض آرام.وقد مر بك أن "إرم" فسرت في القرآن بمعنى العالية أو المعلاة (إرم ذات العماد)، وهو نفسه معنى لفظ "آرام" في اللغتين العبرية والآرامية، فتقطع بأن "الآراميين" هم "الإراميون" أصحاب إرم التي في القرآن، سلالة من الناجين مع هود تفرقوا في البلاد في عصور سابقة على وجود الآراميين في سورية. دليلك في هذا من القرآن على لسان صالح عليه لاسلام يحذر قومه مصير أسلافهم قوم هود: {وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ} (74) سورة الأعراف، ولم تخلف ثمود عادا على نفس الأرض، فشتان ما بين الحجر في الشمال الغربي من شبه الجزيرة وبين "آرام نهريم" أي آرام ما بين النهرين، يعني "إرم العراق"، وإنما كان أصحاب الحجر فحسب "سلالة من الناجين مع هود" خرجوا بعد نكبة "إرم ذات العماد" من ناحية ما في جنوبي بابل إلى حضرموت واليمن يحملون معهم اسم مدينتهم "إرم" أو "آرام" التي صارت علما عليهم فسموا "الإراميين" أو "الآراميين"، ثم ارتحلت بطون منهم في زمن لاحق إلى الشمال، ثم استقرت فصائل منهم في منطقة الحجر على طريق القوافل إلى الشام، كانوا هم "ثمود" قوم صالح. وتلمح في قول صالح عليه السلام يعظ قومه: {وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا} (74) سورة الأعراف، أن ثمود أرادوا محاكاة"ذات العماد" في العلو تحناناً إلى موطنهم القديم، ولكنهم لم يذكروا آلاء الله عليهم. بل ظلموا بها، فدمر الله عليهم "إرم الثانية"- إرم صالح- كما أهلك من قبل "عاداً الأولى"، إرم هود. ومن هذا قوله عزوجل: {وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى * وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى} (50:49) سورة النجم، فتفهم أن ثمود هي "عاد الثانية".

***********

لم يكن صالح عليه السلام من أنبياء التوراة، ومن ثم فاسمه كما علمت من منهجنا في هذا الكتاب، يجئ على أصله عربيا، لا يحتاج إلى تفسير. ولا يترتب على عربية هذا الاسم أن صالحا عليه السلام كان عربيا من بني إسماعيل، بل هو آرامي من قوم آراميين، سلالة من الناجين مع هود، واسمه – كاسم هود- مشتق من العربية الأولي التي تفرقت جذورها في الساميات جميعا. دليلك في هذا أن صالحا سبق إبراهيم – أبا إسماعيل وعم لوط- بقرون لا يعلم عدتها إلا الله. ودليلك فيه أيضا أن "قري صالح" أقرب إلى الشام من الحجاز، ناهيك باليمن.
علي أن الجذر العربي"صلح" باق بذات حروفه ولفظه ومعناه في العبرية والآرامية، ومنه على زنة الفاعل في الآرامية بالذات- لغة قوم صالح كما مر بك - "صاليح" (مدا للام بالكسر لا بالياء كما تنطق في "ليه" العربية العامية أو في Late الانجليزية) بمعنى "الذي صلح". فهو إذن في العربية والآرامية واحد، يعرب فقط بتقصير مد "كسرة اللام"، فيؤول إلى "صالح" العربية بنفس معناها ونطقها في القرآن.
"صالح" إذن مفسر في القرآن بالتعريب وحده، بل هو أبين أمثلة القرآن في التفسير بالتعريب.

وقد ذهب مفسرو القرآن (راجع تفسير القرطبي للآيتين رقم 73 كم سورة الأعراف ورقم 80 من سورة الحج) إلى أن صالحا وقومه كانوا قوما عربا، ولكنهم نسبوهم إلى العرب البائدة كعاد وطسم وجديس، وهذا يطابق ما قلناه نحن إن تمعنت لأن سكان شبه الجزيرة جميعا عرب بالمعني العام، لا يقدح في هذا تفاوت لهجاتهم ومنطقهم مهما بعدت عن العربية التي نزل بها القرآن. وهذا يدلك أيضا على علم العرب قبل القرآن بثمود، لا بوصفهم قوم صالح، وإنما بوصفهم قبيلة من قبائل العرب التي بادت، وهو علم شاركهم فيه أهل الكتاب معاصرو القرآن، وإن خلت أسفار التوراة من النص على قصة صالح مع قومه. بل قد ذكر مؤرخو اليونان، قبل القرآن بقرون "ثمود" و "لحيان"، وقالوا إن منازلهم كانت من جنوب العقبة إلى نواحي شمال ينبع بالقرب من الويلح وأنه كانت منهم جموع منتشرة في داخل البلاد إلى نواحي خيبر وفدك. وليس هؤلاء بالطبع هم "ثمود صالح"، وإنما هم سلالة من الناجين مع صالح، خلفوهم وانتسبوا إليهم.

*******

أما "ثمود" فهي عربية أيضا بالمعني الذي ذكرناه: ثمد الماء يعني قل، وثمده هو يعني استنفد معظمه، وثمد الناقة يعني اشتفها بالحلب، وثمده يعني استنفد ما عنده، والثمد يعني الماء القليل الذي ليس له مدد، أو هو المكان يجتمع فيه الماء، من ثمد المكان يعني هيأه كالحوض ليجتمع فيه الماء. وعلي هذا تكون "ثمود" على زنة فعول بمعنى فاعل، أو فعول بمعنى مفعول، على المعاني الذي ذكرت لك، فهم أصحاب الماء القليل، يستنبطونه من الأرض ويحوضونه، الحريصون عليه. يذودون عنه ويمنعونه، فهو حجر عليهم، حرام على غيرهم. ومن هنا جاءت تسميتهم "أصحاب الحجر" (الحجر:80).

وقد جاءت "ثمود" مفسرة في القرآن بالتصوير في فتنة الناقة التي جعلها الله لهم آيه: {إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَّهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ * وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاء قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ} (28:27) سورة القمر، "تشتف" ماءهم كله يوما، وتفيضه عليهم في الغداة لبنا إذ لا ماء لهم، "فيشتفونها"، "تثمدهم" و "يثمدونها".

وقد وهم بعض مفسري القرآن (راجع تفسير القرطبي للآية 38 من سورة الفرقان) أن "أصحاب الرس" هم ثمود قوم صالح، أصحاب تلك "البئر الحجر" لأن "الرس" في العربية معناها "البئر". وقد وردت "الرس" في القرآن مرتين: {وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا} (38) سورة الفرقان، {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ} (12) سورة ق. ولا يصح قول المفسرين في هذا لأن القرآن يعطف بالواو أصحاب الرس على ثمود في الآية الأولى، ويعطف ثمود على أصحاب الرس في الآية الثانية، لا يجتزئ من الواحدة بالأخرى كما قال "أصحاب الحجر" يعني قوم صالح، وكما قال "أصحاب الأيكة" يعني أهل مدين، قوم شعيب. أصحاب الرس إذن ليسوا قوم صالح، وإنما هم قوم آخرون أخبر القرآن بمهلكهم، ولم يسم نبيهم، في قرون قد خلت بين نوح وإبراهيم. بل وبعد إبراهيم، كما قال عزوجل: {فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ} (45) سورة الحـج، وإن كان قد وجد من المفسرين(راجع تفسير القرطبي لهذه الآية من سورة الحج)، من جمع بين تلك البئر المعطلة وبين بئر ثمود. كل هذا يعارض ظاهر القرآن، فلا تلتفت إليه.

********

وقد بقي في العبرية والآرامية من "ثمد" العربية الجذر العبري- الآرامي "شمد" (بإبدال الثاء شينا)، بمعنى الاستئصال والإبادة، وهو من معنى الاستنفاد والاشتفاف في ثمد العربية جد قريب. وتستخدم العبرية المعاصرة الفعل"شمد" بمعنى محدد هو "استصفاء" اليهودية، يعني تصفيتها سلما، بإجبار أهلها كرها على الخروج منها إلى "المسيحية" في عصور اضطهادهم في أوربا، لا بمعنى إبادة أهلها وإهلاكهم، على أصل معنى "شمد" في عبرية التوراة، وربما قلت إن "ثمود" في القرآن جاءت تعريبا لـ"شمود" العبري أو "شميد" الآرامي على المفعولية من الجذر العبري- الآرامي "شمد" فهو الهالك البائد بمعنى "شمد" في عبرية التوراة. ولا يصح هذا، فلا أحد يسمي نفسه الهالك البائد وقد تسمت به قبيلة من كبرى قبائل العرب خلفوا "ثمود" قوم صالح كما مر بك. وإنما الصحيح أن "ثمود" جاءت من العربية الأولى بمعنى قل ونضب واستنفد واشتف، قبل أن تتحور في عبرية التوراة إلى باد وهلك.


(4)
شعيب - مدين

مر بك أن القرآن يضع شعيبا في الترتيب الزمني بعد لوط. ومر بك أيضا أن لوطاً من معاصري إبراهيم. بل كان إبراهيم عم لوط كما تنص التوراة. والقرآن ينص على تعاصر إبراهيم ولوط، لأن الملائكة الذين بعثوا لإيقاع العذاب بقوم لوط، مروا في طريقهم على إبراهيم يبشرونه بإسحاق. نص القرآن على هذا في أكثر من آية، منها قوله عزوجل: {وَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُواْ سَلاَمًا قَالَ سَلاَمٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ * فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ} (70:69) سورة هود. شعيب إذن بعد إبراهيم بلا خلاف، لمجئ شعيب بعد لوط معاصر إبراهيم أو ابن أخيه كما تقول التوراة. دليلك في هذا من القرآن أن لوطا لم يعلم بشأن شعيب مع قومه، بل حذر لوط قومه مصير قوم نوح وقوم عاد وقوم صالح، وما كان ليحذرهم مصير قوم شعيب، وشعيب لم يبعث بعد. أما شعيب فهو يحذر قومه مصير قوم لوط: { وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ} (89) سورة هود.

لم يكن أهل مدين- الواقعة جنوبي خليج العقبة- يسكنون بعيدا عن مدائن لوط، وقد بقيت منها "صوعر" على الشاطئ الجنوبي الشرقي من البحر الميت. ولم يكن "يوم الظلة" - مهلك الذين ظلموا من قوم شعيب - بعيداً كل البعد من فجر يوم وضع فيه جبريل جناحه تحت "القرية التي كانت تعمل الخبائث" فجعل عاليها سافلها.

ولكن التوراة التي اهتمت في سفر التكوين بتدوين ما كان من شأن لوط مع قومه، تصمت الصمت كله عما كان من شأن شعيب مع أهل "مدين"، على قرب مدين من مساكنهم. والتوراة تغفل الحديث عن قصة شعيب مع قومه عمدا، رغم هول العذاب الذي حاق بمن ظلموا من قومه، ورغم قرب "مدين" من "صوعر"، ورغم أن شعيبا تلا لوطاً وإبراهيم بفارق زمني "غير بعيد"، ولم يسبقهما، ورغم أن التوراة تذكر "مدين" بنحو ما ذكرها القرآن في قصة لجوء موسى إلى "مدين" فرارا من بطش فرعون بعد أن قتل موسى ذلك المصري الذي بغي على رجل من قومه. تتعمد التوراة إغفال شعيب - على الراجح عندي - لأنه عندها كان نبيا من غير بني إبراهيم، ولم يكن أيضا من بني يعقوب، أي من بني إسرائيل، الذين كتبت التوراة لتسجيل أخبارهم ونبواتهم. وهو - على الراجح عندي أيضا- سبب إغفال التوراة هودا وصالحاً كذلك، كيلا تضع أنبياء بين نوح وإبراهيم. وإنما حرصت التوراة على ذكر"نوح" كي تربط ما بين إبراهيم وآدم. وقد تعجل كاتب سفر التكوين هذا النسب كما مر بك بين آدم ونوح، وبين نوح وإبراهيم، حتى لتكاد تستخلص من حساباته أن نوحا كان أو يكاد من معاصري إبراهيم، فكيف يكون بينهما نبي؟

وربما قلت إن أسفار التوراة لم "تتكتم" أخبار شعيب، وإنما هي لم تعلم أصلا بمبعث شعيب إلى أهل مدين في التوراة ما بين لوط إلى موسى، لغياب بني إسرائيل آنذاك عن مسرح الأحداث في فلسطين وما حولها منذ خروج يعقوب وبنيه إلى مصر في ضيافة يوسف واحتباسهم فيها نحوا من أربعمائة وثلاثين سنة كما تقول التوراة حتى خروجهم منها إلى تيه سيناء مع موسى: اهتمت أسفار التوراة بأخبار بني إسرائيل في مصر سنوات احتباسهم فيها (وإن كانت في واقع الأمر تجتزئ اجتزاء مخلا فتنقلك فجأة من وفاة يوسف إلى مولد موسى غير عابئة بأحداث ما كان بين هذين النبيين الكريمين اللذين يفصل ما بين مبعثهما حوالي أربعة قرون) ولم تهتم، بل قل ولم تعلم، بما وقع خارج مصر خلال تلك القرون الأربعة، أخبار شعيب أو غير شعيب. وهذا التعليل - على وجاهته - مردود بما تقصه عليك التوراة من لجوء موسى إلى مدين فرارا من بطش فرعون، وإصهاره إلى "كاهن مدين"، وبقائه عنده عشر سنين، بل وعودته إلى لقاء صهره في التيه بعد خروج بني إسرائيل من مصر، فباركه صهره وأشار عليه باختيار نقباء يقومون مقام موسى في قومه. يحدث هذا كله ولا يقص عليه "كاهن مدين" شيئا مما كان من أمر شعيب في أهل مدين، إن سلمت بأنه قد كان ثمة "شعيب" بعثه الله إلى أهل مدين في الفترة ما بين لوط إلى موسى، ناهيك بأن تقول كما قال جمهور مفسري القرآن (راجع تفسير القرطبي للآية 85 وما بعدها من سورة الأعراف) أن صهر موسى هذا هو بعينه شعيب عليه السلام "أخو مدين".

علي أن التوراة لا تعترف لأحد من خارج بني إبراهيم بالنبوة مهما كان على دين الواحد الأحد، فلا تسميه "النبي" وإنما تسميه "الكاهن". من ذلك "ملكي - صادق" ملك شاليم (وهي "سليم" العربية)، الذي بارك إبراهيم وأدي له إبراهيم "العشر من كل شئ"، وتقول عنه التوراة "وكان (أي ملكي - صادق) كاهنا لله العلي" (راجع تكوين 14/18-20), ومن ذلك أيضا "يثرو" حمو موسى، الذي تسميه التوراة "كاهن مدين" (خروج 3/1).

ولحمي موسى عند أصحاب التوراة اسم ثان هو "حُباب" (وكأنه "الحُباب" عربيا فليس في أعلام بني إسرائيل من تسمي به)، وله أيضا اسم ثالث هو "رعوئيل"، ومعناها "راعي الله"، ويفسرونها في العبرية بمعنى "خليل الله". على أنك تستنبط من أسفار التوراة نفسها اسما رابعا لحمي موسى هو "دعوئيل" (بالدال لا بالراء) لأن أسفار التوراة تخلط بينه وبين "رعوئيل" (بالراء لا بالدال) في تسمية شخص بعينه، تسميه "إلياساف بن دعوئيل" (بالدال) في سفر العدد(1/14) ثم تسميه هو نفسه "الياساف بن رعوئيل"(بالراء) في الإصحاح التالي مباشرة من السفر (عدد2/14). وقد عالج علماء العبرية تفسير معنى اسم دعوئيل هذا (بالدال) فقالوا إنه من الجذر العربي "دعا"، فهو "داعي الله"، لأنه لا وجود في العبرية للجذر "دعا"، فتفهم أن "رعوئيل" عندهم تحرفت إلى "دعوئيل" لاشتباه رسم الدال بالراء في الخط العبري كما هما في الخط العربي، أو أن "دعوئيل" العربية هي التي تحرفت عليهم فصارت " رعوئيل" وهو الراجح.

(قد تفهم من (عدد 10/29) أن "حُباب" هذا هو ابن رعوئيل حمي موسى، وتقرأ لعلماء التوراة بعض يقول بل حباب حموه، وآخرون يقولون بل رعوئيل هو أبو حمي موسى. وصدق الحق إذ يقول في وصف القرآن: { وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا} (82) سورة النساء.)

كيفما كان الأمر، فسفر التكوين ينص على أن أهل مدين ("مديان" في عبرية التوراة) عرب من العرب. تستخلص هذا من رواية سفر التكوين لقصة يوسف حين أئتمر به إخوته فباعوه "للإسماعيليين بعشرين من الفضة. فأتوا به إلى مصر" (تكوين 37/28)، فتفهم من هذا أن الإسماعيليين هم الذين أتوا بيوسف إلى مصر. ولكنك تفاجأ في نهاية هذا الإصحاح السابع والثلاثين من سفر التكوين بأن الذين أتوا بيوسف إلى مصر وباعوه هناك "مديانيم"، أي رجال من أهل مدين: "وأما المديانيون فباعوه في مصر لفوطيفار خصي فرعون رئيس الشرط" (تكوين 37/36). وهو تناقض لا سبيل إلى حله إلا بأن تتعلل لسفر التكوين بأنه لا يفرق بين الإسماعيليين والمديانيين: كلا الفريقين عنده عرب من العرب.

(لم يشع إطلاق الإسماعيليين عند اليهود على العرب عامة إلا بعد موسى عليه السلام بقرون، وما كانوا ليسمونهم كذلك على عصر يعقوب ابن أخي إسماعيل والإسماعيليين آنذاك بنو عمومتهم الأقربون. وهذا يدلك بالنقد اللغوي وحده على أن سفر التكوين – أول أسفار التوراة-كتب بعد موسى بقرون. ومن دلائل هذا أيضا استخدام سفر التكوين عبارة "يهواه إلوهيم" اسما لله عزوجل. كانت "إل"و "إلوهيم" اسم الله على عصر إبراهيم وما تلاه، ولم تعرف "يهواه" في العبرية إلا منذ موسى. أراد الكاتب الجمع بين القديم والحديث تدليلا على قدم أخبار سفر التكوين. ولكنها أعضلت على المترجم العربي فقال "الرب الإله"، وليس بجيد لأن "يهواه" يعني الله فحسب، ولكنه اضطر إلى ذلك كراهة أن يقول "الله الإله". والأجود عندي أن يترجم العبارة إلى "الله " الجامعة لكل أوصاف الألوهية، وفيها الغناء.)

تخلص من هذا إلى أن "أهل مدين" عند اليهود عرب من العرب، كانوا على طريق القوافل من خليج العقبة في شمال غربي شيه الجزيرة إلى مصر، عبر سيناء، وتلك بالفعل كانت مساكنهم في جغرافية التوراة (راجع الخرائط الملونة، الكتاب المقدس، طبعة العيد المئوي (1883-1983)، دار الكتاب المقدس بمصر).

وإذا كان أهل مدين عربا من العرب، فأخوهم شعيب كذلك، لا معنى للقول بخلافه، فالرسول والمرسل إليهم واحد كما مر بك. وليس معنى هذا أن مدين وشعيبا كانوا بالضرورة يتحدثون بتلك العربية التي نزل بها القرآن، وإنما المعنى أنهم كانوا يتحدثون بتلك اللغة العربية في مرحلة ما من مراحل تطورها إلى العربية التي نزل بها القرآن بعد نحو ألفي سنة من مبعث شعيب عليه السلام رسولا إلى أهل مدين.

*******

ولأهل مدين في القرآن اسم آخر، هو"أصحاب الأيكة". قال عزوجل: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا} (85) سورة الأعراف، وقال أيضا: {كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} (178:176) سورة الشعراء، فتفهم أن مدين وأصحاب الأيكة واحد، لا لوحدة الرسول فحسب ولكن لأن شعيبا يأخذ على هؤلاء ما يأخذ على أولئك: يأخذ عليهم خسرانهم الكيل والميزان، وبخسهم الناس أشياءهم وعثوهم في الأرض مفسدين.
وقد ظن بعض المفسرين أن "مدين" قوم غير "أصحاب الأيكة"، بعث شعيب إلى الثانية بعد ما فرغ من الأولي. ظنوا هذا لأن القرآن فيما رأوا فرق بين عذاب أصحاب مدين، الذين أهلكوا بالصيحة والرجفة: {وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مَّنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ} (94) سورة هود، {فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ} (91) سورة الأعراف، وبين عذاب أصحاب الأيكة الذين كانوا شعيبا، {فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} (189) سورة الشعراء، والظلة غير الصيحة والرجفة (راجع ما رواه القرطبي في تفسيره للآيات 176-189 من سورة الشعراء). وليس بين يديك حديث يحسم الأمر، ولكنها أقوال الرواة: رووا أن الظلة سحابة احتموا بها من الحر الشديد فوجدوا لها بردا ونسيما، وما اجتمعوا تحتها حتى انقلبت عليهم نارا أحرقتهم، أو أنهم احتموا بأيكتهم فأضرمها الله عليهم، كالمحتمي من الرمضاء بالنار. وليس هذا كله بلازم، فالصيحة ايضا غير الرجفة، فبأيهما كان مهلك أهل مدين؟

الصواب أن يقال إن الصيحة هي صيحة جبريل عليه السلام، إيذان بإيقاع العذاب، وأن الرجفة هي أثر الصيحة، وتقول أيضا وما يمنع أن يجتمع على أهل مدين عذاب الرجفة وعذاب الظلة: ركضوا إلى البرية كما يركض الفار من الزلزال حين أحسوا الرجفة، يحتمون بأيكتهم، فأضرمها الله عليهم نارا إذ لا عاصم من أمر الله إذا جاء. وتقول أخيرا وما يمنع في اللغة أن تكون "الظلة"، هي فحسب غاشية العذاب الذي حل بهم ("أظله" بمعنى غشيه ولزمه) فأظلهم، لا ملجأ لهم منه؟ نقول هذا ولا نخوض في غيب الله، فالله عزوجل بغيبة أعلم.

********

أما الذي ألجأ مفسري القرآن إلى القول بأن شعيبا أخا مدين هو نفسه "الشيخ الكبير" الذي حل عليه موسى في مدين فزوجه إحدى ابنتيه على أن يأجره ثماني حجج أو عشرا (راجع الآيات 22- 28 من سورة القصص)، أي كاهن مدين في سفر الخروج، "يثرو" أو "حُباب" أو "رعوئيل" (وربما "دعوئيل" أيضا على ما مر بك)، فلأن شعيبا ما كان ليوجد إلا في الفترة ما بين لوط إلى موسى بنص القرآن وما كان ليوجد إلا في مدين هذه التي لجأ إليها موسى، وما كان يثرو هذا ليكون هو نفسه شعيبا إلا إذا كان مبعثه قد سبق نزول موسى ضيفا عليه، أي قبل مبعث موسى. تجد هذا الترتيب بيناً في قوله عزوجل: {وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ * وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} (44:42) سورة الحـج. يثرو إذن - إن كان هو نفسه شعيبا - استضاف موسى وقد فرق الله بينه وبين الذين ظلموا من قومه بعد مهلكهم: {الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَانُواْ هُمُ الْخَاسِرِينَ * فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ} (93:92) سورة الأعراف. ربما قلت ولماذا لا يكون شعيب قبل موسى بقرنين أو ثلاثة، والمسافة بين لوط وموسي أربعة قرون، وقد نزل موسى في ضيافة رجل صالح من بقية الناجين مع شعيب، فما كان لموسي عليه السلام الذي صنعه الله على عينه ليصهر إلى رجل من عبدة الأوثان في مدين؟ لا بأس بهذا بالطبع، ولا بأس أيضا بعكسه الذي قاله جمهور مفسري القرآن، والذي نرجحه نحن أيضا، وهو أن شعيبا كان هو نفسه صهر موسى عليهما السلام، لأن سفر الخروج يحدثك عن رجل ذي منصب في قومه، "كاهن مدين"، والكاهن والنبي واحد في لغة التوراة حين تتحدث عن أنبياء من خارج بني إبراهيم كما مر بك، دليلك في هذا من سفر الخروج نفسه أن الشهرة التي شهر بها حمو موسى في التوراة توحي بطبيعة هذا المنصب: راعي الله (رعوئيل) وربما داعي الله (دعوئيل)، وأيضا "يثرو" نفسها ومعناها الثرى دو الثروة والكثرة والنماء، المشتقة من الجذر العبري "يثر" وهو مقلوب الجذر العربي ثرا/يثرو، وثري/يثرى وكان شعيب ذا غنى، بعث في أحساب قومه، كما تجد في القرآن على لسان من كذبوه: {قَالُواْ يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ} (91) سورة هود، خشوا رهط شعيب وإن لم يكونوا على دينه لمكانتهم، كما وقع لمحمد صلي الله عليه وسلم في قومه. لقي موسى إذن شعيباً وقد تمادت السن بشعيب في بقية من قومه: {وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} (23) سورة القصص. ربما قلت فما بال أولئك "الرعاء" من قوم شعيب والمفروض على هذا القول أنهم سلالة من الذين آمنوا معه، وقد استهانوا بابنتيه فلا تسقيان {حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء} (23) سورة القصص ؟ لا عليك. هذا فهم متعجل لمنطوق تلك الآية: ما كان لنبي أن يسخر قومه في خدمته، وما كان ليقوى وهو شيخ كبير على سقيا غنمه، فأرسل ابنتيه بغنيماته، وما كان لابنتيه أن تزاحما الرعاء حياءً، وإنما يسقي الرجال أولا ثم تسقي النساء، فوقفتا تذودان غنيماتهما عن الماء حتى يصدر الرعاء فتسقيا، وجاء موسى رجلا يسقى مع الرجال، فأراحهما من عناء الانتظار. وربما استظهرت من القرآن تفسيراً لمعني شهرتي حمي موسى، رعوئيل ودعوئيل، أي "راعي الله"، "داعي الله"، الأولى في قوله عزوجل: { لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} (23) سورة القصص، والثانية في قوله عزوجل: {فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا} (25) سورة القصص، دون أن يتقدمه ذكر لاسم حمي موسى. وربما لمست في هذه الأخيرة أن حما موسى كان ذا مال يجزي به صنيع من أحسن إلى ابنتيه، وكان كريماً عزيز النفس لا يقبل خدمة بغير أجر.

أما لماذا لم تذكر التوراة اسم "شعيب" في جملة أسماء حمي موسى وهي أربعة كما مربك، فلأن العبرية ليس فيها الجذر"شعب" العربي،ولا تفقه له معني، وربما خشي الكاتب اشتباهه بــ "شئيب" العبري ومعناها "ناضح البئر".وربما أيضا لأن شعيبا شهر في مهاجره بشهرته الدالة على منصبه "راعي الله" (رعوئيل) ولم يشهر باسمه في قومه. وأما لماذا لم ينص القرآن على أن شعيباً هو حمو موسى، فهذا على الراجح عندي لأن القرآن لا يؤصل الأنساب بين الأنبياء المبعوثين كل إلى قومه، كما فعل في موسى وهارون المبعوثين كليهما إلى فرعون وملئه، فقد ذكر لوطاً ولم ينص على أنه ابن أخي إبراهيم كما تنص التوراة، وما ذاك إلا لأن رسالة لوطٍ كانت بمعزل عن رسالة إبراهيم، كما كانت رسالة شعيب غير رسالة موسى وهارون. نقول هذا ولا نقطع فيه بيقين، فليس من مقاصد هذا الكتاب تأصيل الأنساب كما مربك. وليس في القرآن ما يقطع بهذا أو ذاك، والله عزوجل بغيبه سبحانه هو الأعلم.

*********

أما "شعيب"- وقد جاء الاسم على أصله في القرآن عربيا لا يحتاج إلى تفسير لخلو التوراة من النص عليه كما مر بك من منهجنا في هذا الكتاب - فهي إما تصغير "أشعب" أي الواسع ما بين المنكبين، وإما تصغير "شعب" ومن معانيها في معجمك العربي: مجري الماء تحت الأرض، وليس هذا المعني الأخير بعيدا عن معاني "شئيب" العبري، أي "ناضح البئر" . "شعيب" إذن عربية، تخرج عن مقاصد هذا الكتاب.

وليست "مدين" كذلك لثبوت العلمية لها في التوراة بلفظ " مديان"، فجاءت في القرآن "مدين" على التعريب.

********

أما علماء التوراة فهم ينسبون "مديان" إلى واحد من أبناء إبراهيم (من زوجته - أو جاريته – قطوره، فلا زوجات عند أصحاب التوراة لإبراهيم إلا سارة جدة يعقوب صاحب الوعد وغيرها جوار وسرار)، كدأب التوراة في إقطاع بني إبراهيم أرض فلسطين وسكانها بصكوك نسب صحيح أو مفتعل، وكأنما كانت فلسطين أرضا فضاء حين وفد إليها إبراهيم وبنوه، فعمروها بقبائل من نسل إبراهيم، كما قالوا أن عيسو أخا يعقوب شهر باسم "إدوم" (أي الأحمر)، واستنبطوا من هذا أن عيسو هو "أبو الأدوميين" جميعا، صاحب الأرض وسكانها. وغير هذا كثير في سفر التكوين، فلا تلتفت إليه. الصحيح أن الأدوميين والمديانيين وغيرهم من قبائل فلسطين وما حولهما أسبق وجودا على الأرض من إبراهيم وبنيه. دليلك في هذا من أسفار التوراة ذاتها، بل ومن سفر التكوين بالذات: "واجتاز رجال مديانيون تجار، فسحبوا يوسف واصعدوه من البئر وباعوا يوسف للإسماعيليين بعشرين من الفضة فأتوا بيوسف إلى مصر" (تكوين 37/82)، "أما المديانيون فباعوه في مصر لفوطيفار خصي فرعون رئيس الشرط" (تكوين 73/36). إقرأ هذا وتساءل معي: كيفي تهيأ لمديان بن إبراهيم هذا - وهو عم يعقوب أبي يوسف - أن يلد وحده، في جبل واحد - أو إن تشددت معي - في جيلين اثنين، قوافل مديانية من التجار تغدو وتروح ما بين مصر وفلسطين؟ لن أقول لك كيف هان عليهم يوسف، وإسحاق عمهم جده، فقد هان يوسف على إخوته، ولا أستطرد إلى الخلط بين الإسماعيليين والمديانيين، فقد سبق لنا القول فيه.

نحن لا نفسر "مديان" البلدة والقبيلة تأصيلا على اسم "مديان" بن إبراهيم هذا الذي يشتقونه من العبري "دان/يدين" بمعنى خاصمه وقاضاه، فهو المخاصم الجدل، فلا صلة بين مديان بن إبراهيم هذا وبين مديان البلدة والقبيلة كما رأيت.

وإنما نحن نفسره بالعبرية - الآرامية "دان/يدون"، ومعناه في عبرية التوراة وإلي الآن في العبرية المعاصرة: حل ونزل وثوى وأقام وسكن (انظر معنى "دان/يدون" العبري المعجم العبري" هملون هحداش لتناخ" ، وانظر أيضا في المعجم الثنائي " عبري- فرنسي"،وهو , He-Larousse breu-Francais، وفيه أن دان/يدون العبري يكافئ Habiter الفرنسي. ليس هو دان/يدين بمعنى juger الفرنسي ومشتقاتها).

من هذه في العبرية - الآرامية "مدينا" (المدينة في العربية)، أي البلدة التي يثوى بها ويقام. وهي على وزن الفاعل المؤنث (عبريا وآراميا) من أدين/يدين، المشتقة من دان/ يدون العبري – الآرامي، بمعنى التي تثوي بها وتثويك.
ومن هذه أيضا- الذي يعنينا هنا- جاءت "مديان" العبرية - الآرامية، على "مفعال"، واسم المكان هو"المثوى" و "المقام".

وهذا هو نفسه التفسير القرآني لمعني "مدين" في القرآن تجده في قوله عزوجل: {وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} (45) سورة القصص، على الجناس المعنوي، "أي ما كنت مادناً في مدين" ، و"مدن" العربي يعني أتي المدينة.

فصل القرآن في اشتقاق "مديان"، فأخذها من دان/يدون العبري - الآرامي، مخالفا بذلك مفسري عبرية التوراة الذين يشتقونها من "دان/يدين" على معنى الخصومة والمداينة والشكس والجدل، رغبة في نحلها "مديان" بن إبراهيم من جاريته قطورة، على ما مر بك، وهو بعيد، فأخطأوا و أصاب القرآن.

سبحان العليم الخبير.


... يتبع

الجمعة، 18 مايو، 2007

الآباء الأولين

السلام عليكم

اليوم نتحدث عن الآباء الأولين (آدم – إدريس – نوح) على اعتبار أن إدريس أسبق من نوح في ترتيب الأنبياء وهذا ما يوضحه مؤلف كتاب "من إعجاز القرآن في أعجمي القرآن" والله عز وجل أعلى وأعلم....

مع تحياتي


من إعجاز القرآن في أعجمي القرآن
العلم الأعجمي في القرآن مفسراً القرآن
المؤلف/رؤوف أبو سعدة
******

الآباء الأوليــن
****

(1)
آد م

من دلائل قدم العربية على العبرية، أن اسم "آدم" أبي البشر (وينطق في العبرية "أدام" بألف ممدودة بعد الدال)، ليس له جذر في العبرية يشتق منه إلا الجذر العبري "أدم" أي "إحمر" بمعني كان أحمر اللون. و"أدوم" في العبرية يعني "الأحمر"، ومنه كما يقول علماء العبرية لفظ "دام" أي "الدم"، فلا تدري هل اشتق "آدم" من الدم أم اشتق "الدم" من آدم. وفي العبرية أيضا "أدما" بمعني الأرض، أي التربة، ومنه ما جاء في سفر التكوين: "ويصر يهوا إلوهيم إت – ها أدام عفر من ها أدما وبيح بأباو نشمت حاييم" وهي في الترجمة العربية" وجبل الرب الإله آدم ترابا من الأرض ونفخ في أنفه نسمة حياة"(تكوين 2/7). والأرض هنا يعني التربة، أي قشرة الأرض، يعني أديمها الظاهر منها، لا الأرض نفسها وهي في العبرية "هاآرص". ولا سبيل لك إلي اشتقاق "أدما" هذه – إن أردتها عبرية- إلا من الجذر العبري "أدم"، أي "إحمر"، يعني كان أحمر اللون، فهي "الحمراء"، وكأن "آدم" يعني "الأحمر" المجبول من "الحمراء". ولو قابلت هذا بمكافئه العربي لقلت إن "آدم" يعني "الأغبر" المجبول من "الغبراء"(وهو الاسم الذي يطلقه العرب على أديم الأرض)، وكأن الحمرة هي اللون الغالب على تربة الأرض عند العبرانيين فسميت به. ولا يصح هذا بالطبع، وإنما الصحيح هو أن العبرية لم تشتق "أدما" من الجذر العبري "أدم"، وإنما نقلتها نقلا عن العربية ("الأدمة")، اسما جامدا لا اشتقاق له عندها.

أما "أدم" العربي، فهو جذر غزير المعاني، ليس فيه من الحمرة شئ. من معانيه الامتزاج والخلط والإيلاف: من ذلك "الائتدام" أي المزواجة بين أنواع الطعام كأكل الأرز باللحم، والخبز بالخضر. و"الإدام" هو المضاف من الطعام إلي بعضه ليستمرأ. و"آدم" بين الزوجين يعني آلف بينهما وأصلح. و"أدم الصانع الجلد" يعني أصلحه بنزع الزائد من "أدمته"، و"الأدمة" هي باطن الجلد تحت البشرة اللصيق باللحم "المخالط" له. و"أدمة الأرض" ما يلي وجهها، أي غلافها، ومنه"الأديم" بمعني الجلد، وأديم الأرض يعني "جلدها"، وهو "التربة". و"أدم يأدم"، وأيضا "أدم يأدم" فهو "أدم" (نسبة إلي "الأدمة" أي "التربة") يعني من كانت بشرته في لونها، أي الشديد السمرة. و"آدمته الشمس" يعني لوحت لونه، أي صيرته إلي السمرة.
وهكذا تري أن "أدما" العبرية بمعني الأرض والتربة، ليست بعبرية، وإنما هي دخيلة على تلك اللغة، استعارتها رأسا من العربية.

وتستطيع أن ترتب على هذا مباشرة أن العبرية ورثت أيضا اسم "آدم" عن هذه العربية نفسها، أعني العربية الأولى - عربية آدم - ذلك الاسم الذي سماه الله به في الجنة، وهبط به إلي الأرض، فصار له علما بين زوجه وبنيه وحفدته وذراريه. دليلك في هذا أن سفر التكوين ينص تنصيصا على أنه لا يشتق "آدم" من لون بشرته عبريا، أي الحمرة، ولكنه يشتقه من الأرض التي أخذ منها وإليها يعود، أي من "الأدمة" (وهي عربية لا عبرية كما مر بك):"عاد شوبخا إل-ها أدما، كي ممنا لقحتا، كي – عفر أت، وإل – عفر تشوب" أي "حتي تعود إلي الأرض التي أخذت منها لأنك تراب وإلي التراب تعود" (تكوين 3/19).
آدم من الأدمة في التوراة، ليس من الحمرة، وهو كذلك في العربية، كما سترى، بل هو أولى.

*****

أما مفسرو القرآن (راجع تفسير القرطبي للآية 31 من سورة البفرة) فهموه على أنه مشتق من أدمة الأرض وأديمها، وهو وجهها، فسمي بما خلق منه. وقال بعضهم إنه مشتق من الأدمة (بضم الهمزة) وهي السمرة.
وزعم بعضهم أن الأدمة هي البياض، وأن آدم كان أبيض. وليس هذا وذاك بشئ، لأن الأدمة نفسها مشتقة من الأديم، أي من لون الأدمة، وهي إلي السمرة أقرب، ثم إنه لا مدخل للون آدم في تسميته: ليكن آدم أسمر أو أبيض أو ما شئت من أبشار البشر إن صح في لونه عن الصادق المصدوق حديث، ولكنه قبل كل شئ منسوب إلي هذه الأدمة التي جبل منها أيا كان لونها وأيا كان لونه.
وقد عقب القرطبي رحمه الله على أقوال المفسرين في هذا بقوله: والصحيح أنه مشتق من أديم الأرض.
وهذا هو"التفسير القرآني" لمعني"آدم"، كما سترى.

******

ورد آدم في القرآن منفردا - أي ليس مضافا إليه بنوه كما في "بني آدم"، "إبني آدم" - 18 مرة، منها أربع على النداء من الله عزوجل في الملأ الأعلي، ومنها واحدة خاطبه بها إبليس بغريه بالأكل من الشجرة، والباقي في الحديث عن قصة آدم في الملأ الأعلي، إلا اثنين: {إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ} (33) سورة آل عمران، {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ } (58) سورة مريم.
ليس في هذا كله من تفسير معني آدم شئ إلا قوله عزوجل: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ} (59) سورة آل عمران.
ولكنك تجد هذا المعني فصيحا بينا في مثل قوله عزوجل: { إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ} (71) سورة ص. في هذه - وغيرها من مثلها في القرآن كثير- الكفاية كل الكفاية في تفسير معني"آدم": أما الطين فقد علمته، وأما "البشر" فمن البشرة، وهي وجه "الأديم"، و"بشر" الأديم يعني قشره.
"آدم" عربية كما تري، تخرج عن مقاصد هذا الكتاب الذي نكتب، ولكن القرآن فصل في وجه اشتقاقها: إنها من "الأدمة و"الأديم"، لا من "البياض" و"السمرة".

ويخرج عن مقاصد هذا الكتاب أيضا تفسير اسم "حواء"، زوج"آدم" في الجنة، لأنها لم تذكر بالاسم في القرآن.
ولكنا وعدناك فيما سبق بتفسير هذا الاسم مع "آدم". وقلنا لك أيضا فيما سبق إن القرآن - حين لا ينص على اسم علم - يلم بمعناه أحيانا في ثنايا الآيات، فيصوره لك حتي لتكاد تسميه به، وإذا هو نفسه اسم العلم المعني في التوراة، و "حواء" من هذا كما ستري.

*****

يشتق علماء العبرية اسم "حواء" من الجذر العبري"حوا"، ويقولون إنه من "الحياة"، أي أن "حواء" يعني"الحياة". وهم يفسرون الجذر العبري"حوا" على هذا المعني قسرا، رغم أن لفظ الحياة في العبرية هو "حاييم"، المشتق من جذر عبري آخر هو "حيا" بالياء، المطابق لنظيره العربي بنفس المعني. ولكنهم يقولون لك إن "حوا"(وهو اسم "حواء" في العبرية غير مهموز) يعني"الحياة" في اسم"حواء" فقط، لا يجوز استخدامه بهذا المعني في غيرها، بل تستخدم "حاييم" على أصلها. وقد"اضطر" علماء العبرية إلي هذا اتباعا لسفر التكوين الذي ينص تنصيصا على أن "حواء" من الحياة. وقد مر بك هذا في موضعه. ولا تستطيع أن تقول إن كاتب سفر التكوين تورط في هذا التفسير مدفوعا بتغيير طرأ في زمنه على معني الجذر "حواء"... لو صح هذا لما جاز لعلماء العبرية حظر استخدام "حوا" بمعني الحياة في غير اسم "حواء".
إنما تستطيع أن تقول إن كاتب سفر التكوين تورط في هذا فألزم به من جاءوا بعده، دليلك في هذا من العبرية المعاصرة التي تستخدم الفعل "حوا" بمعني عاش، أي عاش حدثاً ما أو تجربة ما، بمعنى "شهد"، ولكنها لا تستخدمه قط بمعني "حيا". أي إن "عاش" و"حيا" ليسا سواء.
عاش بمعني شهد يسهل اشتقاقه من أصل معنى الجذر العبري"حوا"، وهو يطابق "حوي" العربي. وقد تابع مفسرو القرآن أهل التوراة في تفسيرهم اسم "حواء" بالحياة، لا تجد لهم في تفسيره قولا يغايره (راجع تفسير القرطبي للآية 35 من سورة البقرة).

****

أما الفعل "حوى" في العربية فأصل معناه التجمع والاستدارة والتقبض، ومنه "الحية" لأنها "تتحوى" أي تستدير على نفسها، ومنه أيضا "حواه" بمعني استولي عليه وملكه، وكأنه "استدار عليه"، ومنه كذلك "الحواء" أي المكان الذي يحوي الشئ، ويجمع على "أحوية"، و"الأحوية" يعني البيوت التي تحوي الناس، والباقي الآن منها في معناه البيوت من الوبر مجتمعة على ماء. والحواءة من الرجال يعني اللازم بيته.

وقد رجع "علماء العبرية" إلي هذه المعاني حين أرادوا تأصيل معني الجذر العبري"حوا"- بعيدا عن اسم "حواء" بالطبع الذي لا يملكون له تعديلا- عندما تصدوا للفظ العبري "حووت"(علي جمع التأنيث العبري من "حوا" بمعني " القرية" - الذي لا يستقيم معناه بالإصرار على أن الفعل "حوا" العبري يعني "حيا")، فتبينوا أن "حووت" العبري يعني بالضبط "الأحوية" العربي وانتهوا إلي أن "حوا" العبري يأخذ من "حوى" العربي معني التجمع والاجتماع.
وقال آخرون من علماء العبرية هؤلاء إنه لا داعي لأخذ "حوا" العبري من "حوى" العربي، لأنه إذا كان "حوا" العبري يعني "حيا" كما يريد سفر التكوين، فإن معني "الحياة" Living يفيد معنى "السكنى" و" الإقامة" أيضا. ومهما قلت في تأثر هذا القائل بلسانه الأوروبي، فهو في أعماقه يريد أن يوفق بين ما قاله سفر التكوين في معنى "حواء" بأنها من "الحياة"، وبين تلك "الأحوية" (حووت العبرية)، أي تلك "القرى" الماثلة أمامه، ليس فيها من اشتقاقات "الحياة" شئ إلا إن أخذت"الحياة" بمعنى "المعيشة"، وهو بعيد عما أراده سفر التكوين بقوله إن حواء هي واهبة الحياة(أم كل حي).

أيما صح هذا أوذاك، فأنت لابد منته إلي أن"الفعل حوا" العبري أصل معناه من التجمع والانضمام والسكني والتوطن والإقامة، لا شأن لك بما آل إليه معناه عند كاتب سفر التكوين، فأم البشر"حواء" ليست فقط أقدم من مولد هذا الكتاب ولكنها أقدم بقرون لا يعلم عدتها إلا الله من مولد تلك اللغة العبرية نفسها.
والذي لا شك عندي فيه أن "حواء" عرفت بهذا الاسم في الملأ الأعلي، وإنه قد تكلم به معها آدم الذي علم الأسماء كلها، وأنها هبطت بهذا الاسم إلي الأرض مع آدم، فصار لها علما في أجيال بنيها، يتوارثونه جيلا بعد جيل، حتى آل إلي ما صار إليه في سفر التكوين، لا على النحت من العبرية ذاتها، وإنما على النقل من "العربية الأولى"، عربية آدم وحواء، شأنه شأن اسم "آدم" سواء بسواء.

والذي لاشك عندي فيه أيضا - ولا خلاف فيه مع سفر التكوين - أن دلالة الاسم على مسماه قد روعيت في تسمية "حواء" كما روعيت من قبل في تسمية "آدم"... أما آدم فقد سمي بما خلق منه وأما حواء فقد سميت بما خلقت له.
وقد أصاب سفر التكوين في آدم، ولم يصب في حواء، التي تعلل في تسميتها بمعني الحياة (لأنها أم كل حي):"ودعا آدم اسم امرأته حواء لأنها أم كل حي" (تكوين3/20)، أي أنها سميت بما خلقت له وهو "الإنجاب"، أي ولادة الأحياء.
ولم يصب الكاتب في حواء من وجهين: الأول لغوي بحث، لأنه لا يصح اشتقاق الحياة من الجذر العبري "حوا" إلا بافتعال شديد كما مر بك. والثاني بيولوجي بحت: لا يصح أن يقال إن المرآة هي "واهبة الحياة"، فبالذكر والأنثى معا يكون النسل، لا نسل إلا باجتماعهما معا. وفي الكون كائنات "وحيدة الجنس" تتناسل لا حاجة بها إلي ذكر أو أنثي، ولو شاء الله لآدم أن يكون من هذه الكائنات لفعل. وسفر التكوين نفسه ينص على سبب إيجاد "حواء" أنثي... "وقال الرب الإله ليس جيدا أن يكون آدم وحده. فأصنع له معيناً نظيره" (تكوين 2/18)، أي أن يكون لآدم زوج. بل وراء جعل النسل من ذكر وأنثي هدف أجل منه، وهو إلزام شطري الخلق بالعيش في جماعة من نوعها. تجد هذا في الأحياء كافة حتى الحشرة. وفي إطالة أمد طفولة النوع الإنساني - وهي في الإنسان من دون كافة الأنواع أطولها أمدا- إلزام الأبوين بالإيلاف والتضام، و"التحوي" عمرهما كله لرعاية هذا النسل وإعالته وتنشئته، فتكون "الأسرة". وفي المخالفة بين نسل الأسرة والأسرة - عددا ونوعا - إلزام الأسر بالتزاوج فيما بينها، فتنشأ بالنسب والصهر شعوب وقبائل، يتعارفون على أصول وقيم يتبارون في السبق إليها. ولا يتحقق هذا إلا بالخلق من ذكر وأنثي. وتجد هذا كله في قوله عز وجل: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (13) سورة الحجرات.
و"جعلناكم" في هذه الآية على التقرير والتفسير معا، أي خلقناكم من ذكر وأنثي لنجعلكم شعوبا وقبائل.
وقد شاءت حكمته عز وجل أن يجعل المرآة للرجل "سكنا"، مستقراً له ومقاما. إنها الزوج والإلف والسكن. وهذا هو ما خلقت له "حواء" فسميت به، لا "ولادة الأحياء" كما تجد في سفر التكوين، فما كان لآدم وحواء وهما في الجنة التفكير في الإنجاب والتناسل.

ليست "ولادة الأحياء" هي العلة من التسمية وإنما العلة هي أنها "الحواء" لآدم، السكينة والسكني.
والقرآن لا ينص على اسم "حواء"، فلا يسميها ما سماها به آدم، إن صح ما قاله سفر التكوين من أن آدم هو الذي سمى، وإنما القرآن يسميها "زوج آدم"، أي إلفه: {وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} (35) سورة البقرة.

ولكن القرآن يفسر اسم "حواء" بما فسرناه به نحن فيصوره أبلغ تصوير في قوله عز وجل: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} (189) سورة الأعراف، {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا} (21) سورة الروم، {وَهُوَ الَّذِيَ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ} (98) سورة الأنعام.


(2)
إدريس

ليس في التوراة والإنجيل اسم "إدريس"، وإنما ذكر إدريس عليه السلام في القرآن وحده في زمرة من ذكرهم القرآن من النبيين والصديقين.

وقد وردت "إدريس" في القرآن مرتين فحسب: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا * وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا} (57:56) سورة مريم، {وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ } (85) سورة الأنبياء.
وقد اختلف مفسرو القرآن في "إدريس" (راجع تفسير القرطبي للآية 56 من سورة مريم)، أعجمي اسمه أم عربي، سبق نوحا أم كان من ذرية نوح. والمشهور عند الرواة أن اسمه في العبرية "أخنوخ"، وأنه أول نبي من ذرية آدم سابق على نوح. ومنهم من أصر على أن "إدريس" لفظ أعجمي لأنه ممنوع من الصرف في القرآن لغير علة إلا العجمة، دون أن يذكروا من أي لغة أعجمية هو، كدأبهم حين يعضل الاشتقاق عليهم. والكثرة على أنه من "درس" العربية فهو "الدارس" من المدارسة والتدارس على المبالغة، الكثير العلم. وليس في "إدريس"حديث صحيح يفصل في المسألة، إلا ماجاء في صحيح مسلم من حديث يفصل في المسألة، إلا ما جاء في صحيح مسلم من حديث الإسراء قوله صلي الله عليه وسلم: "لما عرج بي أتيت على إدريس في السماء الرابعة"، تفسيرا لقوله عزوجل في شأن إدريس: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا} (57) سورة مريم، وهذا لا يفصل في الترتيب التاريخي لإدريس عليه السلام بين الأنبياء صلوات الله عليهم.

راجع أيضا قوله عزوجل في سورة مريم يصف الأنبياء المذكورين في السورة وآخرهم إدريس: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا} (58) سورة مريم. ولئن كان الخلق كلهم من ذرية آدم، فالتفصيل في الآية يفيد أن من النبيين في السورة من ليس من ذرية إبراهيم ويعقوب (إسرائيل)، وليس من المحمولين في الفلك مع نوح، لا تصح نسبتهم إليه لأنهم قبله، فهم من ذرية آدم. والأنبياء المذكورون في سورة مريم كلها هم بترتيب ورودهم فيها: زكريا- يحيي- عيسي- إبراهيم – إسحاق- يعقوب- موسي- هارون- إسماعيل- إدريس، ليس فيهم من تشك في نسبته إلي إبراهيم، وإبراهيم من ذرية المحمولين مع نوح، إلا إدريس، فهو المعني إذن، على الراجح عندي، بهذا الإفراد والتنصيص على النبيين من ذرية آدم.

علي أن منشأ القول بأن إدريس في القرآن هو "أخنوخ" في التوراة يرد بالقطع إلي يهود من أهل الكتاب عرفوا أن "إدريس" في العربية تكافئ "أخنوخ" في العبرية، وربطوا بين ما جاء في القرآن عن إدريس: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا} (57) سورة مريم، وبين ما جاء في سفر التكوين في شأن أخنوخ، أبي متوشالح، أبي لامك، أبي نوح:"وعاش أخنوخ خمسا وستين سنة وولد متوشالح. وسار أخنوخ مع الله بعد ما ولد متوشالح ثلاث مائة سنة وولد بنين وبنات. فكانت كل أيام أخنوخ ثلاث مائة وخمسا وستين سنة. وسار أخنوخ مع الله ولم يوجد لأن الله أخذه" (تكوين 5/21-24). اللفظ العبري "أخنوخ" يفيد بذاته بالدارس الإدريس، و"سيرته مع الله "تفيد" الصديقية" التي في قوله عزوجل: { إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا} (56) سورة مريم، وعبارة "ولم يوجد لأن الله أخذه" تجد صداها في قوله تبارك وتعالي: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا} (57) سورة مريم. ولم يقع هذا في القرآن في شأن أي نبي على ارتفاع مكانتهم إلا في إدريس، وهذا يدلك على أنه ارتفاع على الموضع حقيقة لا مجازاً.
لهذا كله فنحن مع القائلين بأن أخنوخ في التوراة هو نبي الله إدريس عليه السلام. والله عز وجل بغيبه أعلم.

********

أما المستشرقون المنكرون الوحي على القرآن فلم يقولوا بهذا، ولم يلتفتوا إلي وحدة المعني في "إدريس" و"أخنوخ" وإنما ذهبوا يلتمسون لاسم"إدريس" نظيرا أعجمياً في أقاصيص أهل الكتاب، فلما أعياهم البحث رأي بعضهم أن أقرب الأسماء إليه "أندرياس" اليوناني، وهذا عبث لا يليق بنا الالتفات إليه، ناهيك عن مناقشته والإفاضة فيه.

********

أما أن "أخنوخ" – لغة – هي "إدريس" فقد علمت أن "الإدريس" هو الدارس الفاه الحاذق. وأما "أخنوخ" فأصلها العبري "حنوك"، التي تنطق كافها خاء، على ما مر بك من قواعد النطق في العبرية التي تنطق الكاف خاءً إذا تحرك أو اعتل ما قبلها، فهي عندهم"حنوخ" عربها العرب إلي "أخنوخ". وأما معنى "حنوك" العبرية هذه فهي على المفعولية من الفعل العبري "حنك" على معنى "حنكة" العربي، أي فقهه وثقفه وعلمه، فهو المحنك المحنوك.

وقد جاءت "إدريس" في القرآن على الترجمة لاغير، تحاشيا لثقل "أخنوخ" التي شهر بها هذا الاسم العلم قبل القرآن.
وأما لماذا كانت "إدريس" ممنوعة من الصرف في القرآن، فهذا من إعجاز القرآن الذي لم يفطن إليه الزمخشري وغيره (راجع تفسير القرطبي للآيتين 56و57 من سورة مريم) الذين لم يستطيعوا الجمع بين عربية هذا الاسم في لفظه، وبين عجمته في أصله: القرآن - يمنع "إدريس" من الصرف - يدلك على أصله الأعجمي، وكأنه يوصيك بأن تتلمسه في "أخنوخ" لا في نبي مجهول من بني اسماعيل عليه السلام.


(3)
نوح

لقد شهر نوح عليه السلام بأنه آدم الثاني، لأن الخلق كلهم بعد الطوفات ينسبون إليه: قال عزوجل في نوح {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ} (77) سورة الصافات، وهذا من مجاز المجمل، والصحيح أنهم ذريته وذرية من آمن معه وركب الفلك: {ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ} (3) سورة الإسراء.

والذي بين آدم ونوح عليهما السلام قرون لا يعلم عدتها إلا الله، والذي بين نوح وإبراهيم عليهما السلام كذلك. تستطيع بالحساب التقريبي أن تضع إبراهيم عليه السلام بين أعلام القرن الثامن عشر قبل الميلاد أو التاسع عشر لا تزيد: أنجنب إبراهيم وقد ناهز المائة عام ابنه الثاني إسحاق، وأنجب إسحاق بدوره ابنيه التوأمين "عيسو"، "يعقوب" وهو "إسرائيل" أبو يوسف الذي وطأ لبني إسرائيل في مصر فمكثوا بها كما تقول التوراة أربعمائة وثلاثين سنة (خروج 12/40)، وكان خروجهم على الراجح عندي - كما مر بك - أواخر عصر "رمسيس الثاني" الذي كان مهلكه حوالي 1225 ق م. تستطيع بالتقريب إذن (1225+430=1655) أن تضع يعقوب بين أعلام القرن السابع عشر قبل الميلاد وأن تضع جده إبراهيم عليهما السلام بين أعلام القرن التاسع عشر. ولكن ليس لديك من معالم التاريخ ما تستدل به على عصر نوح، إلا أن تستظهر من علم الآثار تاريخا تقريبيا لعصر الطوفان، وليس بين يديك من هذا شئ. ناهيك بأن تحدد تاريخا تقريبيا لمهبط آدم وحواء إلي هذه الأرض، فتقدر الفترة ما بين آدم ونوح، والحفريات تنبئك بالعثور على عظام بشرية في طبقات يرجع تاريخها إلي ما بين مائة ومائتي ألف عام.

ولكن سفر التكوين - كدأبه في النص على المحالات - يتورط فيحصر الفترة ما بين آدم إلى نوح في تسعة آباء، هي على النسب الصاعد: نوح- لامك – متوشالح- أخنوخ- يارد – مهللئيل – قينان – أنوش- شيث- آدم، ولا يكتفي بهذا بل يحدد لكك منهم تاريخ مولده وتاريخ وفاته، فتستخلص منه (راجع الإصحاح الخامس من سفر التكوين)، أن آدم توفي سنة 930 ب خ ( ب خ = بدء الخليفة)، وأن نوحا ولد سنة 1056 ب خ، وأن الطوفان - الذي حدث ونوح عمره ستمائة سنة - كان سنة 1656 ب خ. ولعلك تعلم أن التقويم اليهودي يبدأ ببدء الخليقة، وان بدء الخليقة هذا - القائم على حسابات سفر التكوين- يناهز عام 3761 قبل الميلاد، وهذا يعني أن المصريين على الأقل - الذين كان لهم وجود في مصر منذ حوالي 4200 قبل الميلاد كما يقول علماء الآثار والحضارات - ولدوا قبل بدء الخليقة لا قبل مهبط آدم فحسب. ويعني أيضا أن الطوفان الذي حدث على هذا التقدير عام 2105 قبل الميلاد، حدث بعد بناء بابل (2800 ق .م) بنحو سبعة قرون ويعني أيضا أن نوحا - الذي عاش ثلاثمائة وخمسين عاما بعد الطوفان - مات سنة 1755 ق م، أي أواسط القرن الثامن عشر قبل الميلاد، فكان من معاصري إبراهيم!

هذا كله يقطع الصلة ما بين سفر التكوين والعلم، وما بين سفر التكوين والوحي الصادق، فلا تلتفت إليه. ولكن هذا الذي تورط فيه سفر التكوين فألزم نفسه ما لا يلزمه، لم يسئ إلي أسفار التوراة فحسب، ولكنه نال من "جدية الوحي" بعامة، وزعزع هيبة الدين في صدور الذين نشئوا على أن التوراة والإنجيل معا "كتاب مقدس"، الذين لا يرون في غير التوراة والإنجيل وحياً منزلاً، فلم يبحثوا عن الحق في غيرهما ، والحق منهم قريب، في القرآن المصدق "المهيمن".

علي أن موسي عليه السلام- صاحب التوراة- لم يتورط فيما تورط فيه سفر التكوين، بل فوض العلم بالقرون الأولي إلي الخلاق العليم. جهل فرعون ما كان من شأن تلك القرون- والمصريون على عصره أوفر أهل زمانهم علماً وحضارة- فسأل موسي أن ينبئه بأنبائهم: {قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى * قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى * قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى} (52:49) سورة طـه.

والقرآن يباعد ما بين نوح وإبراهيم: {وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا * وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا} (38:37) سورة الفرقان.

والقرآن يباعد أيضا ما بين آدم ونوح. تستظهر هذا من قوله عز وجل: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ * فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ} (24) سورة المؤمنون. قد مضت القرون إذن من بعد آدم إلي نوح حتى أنسوا ما نزل به آدم. ولو صح ما قاله سفر التكوين كما مر بك لكان ما بين وفاة آدم (930 ب خ) ومولد نوح (1056 ب خ) مائة وستة وعشرين عاما لا تزيد، ولكاد آدم نفسه يرد على هؤلاء المعاندين المكذبين، أو لرد عليهم "أنوش"، بن "شيث"، بن "آدم" الذي ما مات حتى ناهز نوح الرابعة والثمانين، (راجع هذه "الحسابات" على الإصحاح الخامس من سفر التكوين).

لا يعارض القرآن التوراة إلا ويصح القرآن. ولا يعارض القرآن علوم "العصر" إلا ويصح القرآن. ولا "يتفق" العلم مع القرآن إلا وقد سبق القرآن العلم ومهد الطريق.

********

"نوح" في القرآن هي تعريب "نوح" في التوراة، التي تنطق في العبرية لا مداً بالواو وإنما مدا بالضم بعده فتح (نو- وح)، ومن هنا كتابتها بالإنجليزية Noah. وهي في العبرية من الفعل العبري ناح/ينوح، مشتقة على المصدر أو اسم الفعل، فهي "نوح" (نُو- وح).

أما المعاني هذا الفعل في العبرية فهي: البقيا والتلبث - الدعة والسكون - الكف والتوقف - الراحة والاسترواح والتنعم. وهو في العبرية والآرامية سواء. علي أنك تستطيع أن ترد هذه المعاني جميعا إلي معني الفعل الرئيسي، وهو البقيا والتلبث. والمعني الرئيسي للفعل هو أقدم معانيه، أي أسبقها وجودا.

وهو نوح على عبرية التوراة - وهو قديم جد بعيد - يجعلك تؤثر أخذ معني اسمه من المعني الرئيسي لهذا الفعل "ناح/ ينوح" العبري- الآرامي، أعني تأخذه من البقيا والتلبث، غير ملتفت إلي عبارة في سفر التكوين يحاول بها الكاتب تفسير هذا الاسم بمعني العزاء والراحة: "ودعا اسمه نوحا. قائلا هذا يعزينا عن عملنا وتعب أيدينا من قبل الأرض التي لعنها الرب "(تكوين 5/29). تأخذه من البقيا والتلبث، ولا تأخذه من العزاء والراحة، لا حبا في مخالفة كاتب سفر التكوين، وإنما تفعله انحيازا للتأصيل اللغوي العلمي لمعني هذا الجذر العبري - الآرامي "ناح"/ ينوح".

ففد مر بك أن ما كان في العربية أصلا بالخاء (المنقوطة) يرد في العبرية والآرامية فورا إلي الحاء(غير المنقوطة). وما كان في العربية أصلا بالحاء (غير المنقوطة)، يظل في العبرية والآرامية على أصله بالحاء. مثال ذلك "خلق"، العربي يصبح في العبرية والآرامية "حلق" بينما " جلح/يجلح" العربي يظل في العبرية – الآرامية بالحاء " جلح/ يجلح".

"ناح" العبري إذن هو إما "ناح" العربي نفسه، من "النواح"، كما ظن بعض مفسري القرآن، ولم يوفقوا فيه، فليس في "ناح" العبري من معاني "النواح" شئ كما مر بك، وإما هو"ناخ" العربي بخاء منقوطة، من الإناخة والتنوخ، أي التلبث والبقيا، وهو الصحيح، لأن هذا هو المعني الرئيسي للفعل العبري "ناح/ ينوح".

ليس مسموعا في العربية ناخ ينوخ، ولكنك تأخذه من أناخ/ ينيخ بنفس معناه: أناخ بالمكان ، أقام، وأناخ به البلاء، حل به ولزمه، ومنه أناخ الجمل يعني أبركه، والمناخ، محل الإقامة ، والنوخة مثله.

"نوح" إذن من النوخة والإناخة، فهو النائخ المتنوخ، أي اللابث لا يريم. صار له علماً لطول مكثه في قومه (ألف سنة إلا خمسين عاما كما في التوراة وفي القرآن) وطول ملاحاتهم له.

وهذا هو التفسير القرآني لمعني "نوح"، فسره بالمرادف في مثل قوله عزوجل: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا} (14) سورة العنكبوت، {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللّهِ فَعَلَى اللّهِ تَوَكَّلْتُ} (71) سورة يونس، {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ} (77) سورة الصافات.

صحح القرآن معني"نوح" لمفسري القرآن الذين تكلموا فيه، وصححه أيضا لكاتب سفر التكوين كما مر بك. وسبحان العليم الخبير.

******

(4)
الجودي

الجودي هو اسم مرسي سفينة نوح في القرآن. وردت في القرآن مرة واحدة في قوله عزوجل: {وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} (44) سورة هود.
ولم يتعرض مفسرو القرآن (راجع تفسير القرطبي للآية 44 من سورة هود) لتفسير معنى "الجودي"، مكتفين بأنه اسم جبل في الموصل شمالي العراق، القريبة من حدودها مع تركيا، ومن مقاطعة "أرمينية" في تركيا على حدودها المشتركة مع إيران.

والمعروف عند أهل الكتاب من "سفر التكوين" (تكوين 8/4) أن مرسى سفينة نوح هو "أراراط": "واستقر الفلك في الشهر السابع في اليوم، عشر من الشهر على جبال أراراط".
وإذا علمت أن "أراراط" في عبرية التوراة يعني "أرمينية" نفسها (راجع "أراراط" في المعجم العبري "هملون هحداش لتناخ")، فقد علمت أن سفر التكوين لم يسم جبلاً بعينه لمرسي نوح، وإنما قال ببساطة إن السفينة رست على "جبال أرمينية".

ولكن الناس تناسوا هذا أو أنسوه، فوهموا أن ثمة جبلاً بعينه اسمه "أراراط" رست عليه السفينة، وأن رحالة عثروا في قمته على حطام رجحوا أنه حطام "الفلك المشحون"، رغم أن الفلك لم يتحطم على قمة الجبل، بل رست السفينة بسلام: {قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ} (48) سورة هود.
ولكن التسمية ثبتت وانتهي الأمر. تجدها في المعاجم الأوربية علما على جبل بعينه في أرمينية شرقي تركيا (راجع مادة Ararat في Webster's). قرب حدود أرمينية المشتركة مع إيران، يبلغ ارتفاع إحدى قمتيه حوالي 5128 مترا.

من هنا طنطن مستشرقون عدوا بغير علم. قال القرآن "الجودي" وقالت التوراة "أراراط". ولكن التوراة لم تقل "أراراط" كما مر بك، وإنما قالت (جبل من جبال "أراراط")، أي في أرمينية، لم تسمه، وسماه القرآن.
أما ذلك "الجودي" الذي في الموصل على ما ذكره مفسرو القرآن، فليس هو بالضرورة الجودي المعني في القرآن، بل الراجح عندي أنه جبل تسمي بهذا الاسم بعد نزول القرآن.
لا خلاف إذن بين التوراة والقرآن في تسمية مرسي نوح، لا لأنهما تطابقا، وإنما لأن التوراة عممت، وخصص القرآن.

وقد مر بك أن الأعلام الموحي بها في القرآن على غير سابقة في التوراة والإنجيل تجئ في القرآن "عربية" على أصلها . أما معني "الجودي" في العربية فلك أن تفسره بأنه المنسوب إلي الجود، أي "ذو الجود" وجاد المطر يعني كثر، والجود بفتح الجيم يعني المطر الغزير الذي لا مطر فوقه. وأنت تعلم أن الجبال العالية التي تذوب ثلوجها في الربيع تفيض منها المياه سيولا وأنهارا ومنها جبال"أرمينية" منابع الفرات.

ولكنك إن تمعنت في مراحل بدء الطوفان وانحساره ورسو الفلك، وقارنت بين ما ذكره سفر التكوين من ذلك وبين ما قاله القرآن، تجد أن سفر التكوين ينبئك أن السفينة رست على جبال"أراراط" في السابع عشر من الشهر السابع لبدء الطوفان،"وكانت المياه تنقص متواليا إلي الشهر العاشر. وفي العاشر في أول الشهر ظهرت رؤوس الجبال" (تكوين 8/4-5). فتفهم أن السفينة رست قبل نحو 73 يوما من ظهور رؤوس الجبال، فعلي أي الجبال رست إذن إن لم تكن قد رست على أعلاها. بل وعلي أمعنها ارتفاعا، الذي يصل ارتفاع إحدى قمتيه كما تقول المعاجم إلي 5128 م؟ وهذا غير منطقي لأنه بالغ المشقة على نوح والذين معه، شبابا وشيوخا ونساء وأطفالا، الذين سيهبطون إلي السهول من هذا الارتفاع الشامخ.

أما القرآن فيقول لك إن الماء"غيض أولا"، ثم استوت السفينة، استوت بعد أن غيض الماء تماما حتى استوت السفينة على "قاع" من الأرض، هبط إليه نوح والذين معه بسلام. (هود 44).
كان بسم الله مجراها ومرساها ، أي كان بسم الله حملها على سفح الماء، وكان باسمه عز وجل أيضا إهباطها إلي اسفح من الأرض، شاطئ نهر أو ناحية جبل.

والعرب يسمون شاطئ النهر وناحية الجبل، "الجد"، "الجدة" (ومنه اسم الميناء المعروف "جدة" بالمملكة العربية السعودية).
أفيكون "الجودي" أصله"الجدي" المنسوب إلي "الجد"، فهو المرسى، استعيض عن تشديد داله بمد حركة جيمه؟
إن صح ذلك - وهو غير بعيد - كان معنى "استوت على الجودي"، والله بغيبه أعلم، أن السفينة رست على مرساها، لا أكثر ولا أقل، دون تحديد لموقع.


... يتبع