الجمعة، 15 يونيو، 2007

آل إبراهيم

السلام عليكم...

"آل إبراهيم"... "لوط" ابن أخي إبراهيم و"إسماعيل" ابنه البكري و"إسحاق" الابن الأصغر هيا بنا نتابع كتاب "من إعجاز القرآن في أعجمي القرآن" ونقرأ كيف فسر القرآن الكريم أسماء هؤلاء الأنبياء.

مع تحياتي


من إعجاز القرآن في أعجمي القرآن
العلم الأعجمي في القرآن مفسراً القرآن
المؤلف/رؤوف أبو سعدة
******

آل إبراهيم
******

(1)
لوط

لوط في التوراة ابن أخ لإبراهيم هو هاران، وإبراهيم (وهاران) ابنا آزر(أو تارح كما تقول التوراة). و"لوط" في القرآن هي نفسها "لوط" في التوراة، لا فرق بينهما في الكتابة، ولا فرق أيضا بينهما في النطق إلا أن لفظة "لوط" العبرية - الآرامية ينطق فيها المد لا بالواو، وإنما بالضم، مثلها مثل "يوم" العربية العامية، أو bought الإنجليزية.

أما "لوط" العبرية فهي من الحجاب والخفاء والستر، تشتقها من الجذر العبري "لآط / لوط"، وقرينه العربي "لط"، وأيضا "لاط/ يلوط/ لوطاً" ، بمعني ستره وأخفاه، "لوط" العبرية إذن مصدر بمعني الحجب والستر، وأيضا اسم بمعني حجاب.

إن نطقت "لوط" العبرية مداً بالواو، مثل لوط في القرآن، فهي على زنة اسم المفعول في العبرية، والمعنى محجوب أو مستور، وإن نطقتها مداً بالضم (مثل "يوم" العربية العامية) كما في التوراة، فهي على زنة المصدر في العبرية، والمعني ستر وحجاب. من ذلك في العبرية المعاصرة قولهم عن الشئ غيبه الضباب: "لوط بعرافل" أي "ليط بضباب"، و"عرافل" عبرياً يعني الضباب.

********

في العبرية أيضا "لوط" بنفس نطق اسم نبي الله لوط في التوراة، ومعناها في العبرية "لاذن"، ذلك الصمغ "الراتينجي" الذي يعلك أو يستعمل عطراً أو دواء، صاغته العبرية على الراجح من معنى اللزوق والعلوق الذي بقي في "لط" و "لآط" العربيين ، وضاع من الجذر العبري"لاط/لوط".

وفي السريانية كذلك "لوط" أخري معناها "فستق" وبعيد أن يكون اسم "لوط" منه، لأن اللغة السريانية لم تولد إلا بعد لوط بقرون وقرون. على أن علماء العبرية لا يفسرون اسم "لوط" باللاذن أو الفستق، وإنما يفسرونه بالستر والحجاب، فهو حجاب أو محجوب، وبهذا المعني نفسه فسره القرآن.

وغير بعيد أن لوطاً عليه السلام لم يكن هذا اسمه، وإنما شهر به عشية البطشة الكبري بالقرية التي كانت تعمل الخبائث، رمزاً لآية طمس أعينهم عنه، وخروجه من بينهم بقطع من الليل، في "ساتر" الله عز وجل.

*********

أما مفسرو القرآن (راجع تفسير القرطبي للآية 80 من سورة الأعراف) فقد قال الكثرة بعجمة هذا الاسم، ولم يتصدوا لتفسيره.ولكن منهم (الفراء) الذي حاول تفسيره من العربية، إلا أنه أخطأ معنى الستر والخفاء الذي في "لاط" العربي، وتعلق بمعني اللصوق والعلوق (وهو الأشهر في "لط", "لآط" العربيين) فقال إنه من قولك "هذا أليط بقلبي" يعني ألصق بقلبي، أي أحب إلي. وهو لم يفطن إلي معنى الخفاء والاستتار في هذا الجذر العربي لأنه بادئ بدء لم يقسه على قرينه العبري، فأخطأ ولم يصب.

لم يكن بين يدي مفسري القرآن وقتئذ ذلك المنهج الذي هدانا الله إليه بفضل منه ونعمه: تفسير العلم الأعجمي في القرآن بالقرآن. فالحمد لله الذي هدانا لهذا. وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.

*******

فسر القرآن اسم "لوط" عليه السلام بأدوات ثلاث: فسره بالتعريب، وفسره بالمقابلة، وفسره أيضا بالسياق العام، أي بالتصوير:
فسره بالتعريب، لأن "لوط" نفسها تفهم عربيا على أنها اسم فعل بمعني مفعول، من لاط / يلوط / لوطاً، كما تقول مثلا "جعل" بضم فسكون وتعني "مجعول"، من جعل/ يجعل / جعلاً. فهو المستور المحجوب، أي "الذي ليط". وهو تعريب وليس ترجمة ، لأن "لوط" بضم اللام لم تسمع من العرب. ولكنه تعريب مفسر، إن تمعنت.

وفسره بالمقابلة، أي بالضد من معناه كما مر بك، في مثل قوله عز وجل على لسان لوط: {قَالَ إِنَّ هَؤُلاء ضَيْفِي فَلاَ تَفْضَحُونِ} (68) سورة الحجر، وفضحة يعني هتك ستره. وأيضا في قوله عز وجل على لسان لوط يزجر قومه: {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ} (54) سورة النمل، أي أتأتون الفاحشة علانية لا تستترون؛ وكان الكفرة الفجرة يتلاوطون علنا، لا يستتر بعضهم من بعض، كما أخبر الله عز وجل على لسان لوط في خطاب قومه: { وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ} (29) سورة العنكبوت.

وفسره أيضا بالسياق العام أو الجو العام الذي توحي به إليك الآيات التي تصور لك لوطاً وهو " يراود" عن ضيفه ولا يملك ما يدافع به إلا أن يفتدي ببناته فلا يقبل منه، ويهمون به ليبطشوا به إلا أن يخلي بينهم وبين ضيفه هؤلاء ليفعلوا بهم ما أرادوا، ويجزع لوط أشد الجزع وقد غلب على ضيفه فيتوجع {قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ} (80) سورة هود ، ولكن ضيفه يهونون عليه {قَالُواْ يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُواْ إِلَيْكَ } (81) سورة هود، ولكن الملائكة المكرمين لا يدافعون عن لوط، ولا يبطشون بالكفرة الفجرة ، فلم تحن بعد ساعتهم، بل يضربون بينه وبينهم بحجاب، فتغشي الذين ظلموا الظلمة { فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ } (37) سورة القمر فيحتجب منهم لوط كما تحتجب الملائكة ، ويضرب الليل بأستاره على القرية المجرمة ، ويمضي لوط في ساتر الليل متبعاً ما أمر به { فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ} (81) سورة هود، لينجو بسحر { إِلَّا آلَ لُوطٍ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ نِعْمَةً مِّنْ عِندِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ} (35- 34) سورة القمر، ولا ينجلي الليل عن القرية إلا وقد صبحهم عذاب مستقر {وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ} (38) سورة القمر، وهلك الظلمة ردما وعميانا {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ}(72 - 74) سورة الحجر.

هذا الحجاب المضروب على لوط في إفلاته من بطش الذين كفروا، وفي فراره من القرية الظالم أهلها، حجاب باطنه من قبله الرحمة، وظاهره من ورائه العذاب ، ولذلك قيل له {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ } (65) سورة الحجر، أي النجاة أمامك، وكل ما وراءك هالك ، فاجعلهم وراءك ، ولا تلتفت.

هذا الجو العام، الذي توحيه الآيات ، سمة يتفرد بها القصص القرآني من دون كل قصص الحدث المروي في القرآن لا يسرد عليك كما يسرد الخير ولكنه - على خلاف ما تجد في التوراة والإنجيل - يبعث لك من غياهب التاريخ حيا نابضا مشخصا، وإذا أنت في قلب الحدث، تسمع وتري، وقد طويت المسافات واستدار الزمن .

*******

(2)
إسماعيل

"إسماعيل" في القرآن هي تعريب "يشمعيل" العبرية في التوراة.
وهي في العبرية على المزجية من (يشمع + إيل)، ومعناها الحرفي "يسمع الله".
وقد مر بك أن العبرية تستخدم المضارع وتريد اسم الفاعل منه، فيكون معنى هذا الاسم "الله سميع"، أو "سميع هو الله".

وسفر التكوين لا يحدثك بشئ عن مناسبة هذه التسمية، لأن غاية همه بنو إبراهيم عبر إسحاق، لا يهتم لشي من أمر إسماعيل، إلا شذرات تجئ عبر السياق. ولكنك تجد مناسبة هذه التسمية في القرآن.
فقد مر بك أن إبراهيم عليه السلام، حين انقطع ما بينه وبين أبيه وقومه، خرج مهاجرا إلي ربه يدعوه: {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ } (100) سورة الصافات، فاستجاب له عز وجل بالبشرى {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ} (101) سورة الصافات، أي بإسماعيل، لا يصح أن تقول بإسحاق، لأن إبراهيم دعا بها لحظة خرج مهاجرا إلي ربه لا يصحبه إلا زوجه سارة وابن أخيه لوط، دعا بها وهو بعد "فتي يقال له إبراهيم" (راجع الآية 60 من سورة الأنبياء)، عقيم الزوج لم يولد له بعد إسماعيل، بل لم يلتق بعد بهاجر أمه، التي أهداها إليه ملك مصر بعد سنوات من الطواف والترحال، كما تقرأ في سفر التكوين.

بشر الله عز وجل إبراهيم بهذا الغلام الحليم ولم يستجب له من فوره، وإنما أرجأ الاستجابة إلي أجل مسمى عنده، يبتلي صبر إبراهيم. كان مقدوراً لإسماعيل بكر إبراهيم ألا يجئ من زوجه سارة الآرامية ابنة عمه، وإنما من هاجر المصرية، لينبت في واد أصم غير ذي زرع عند بيت الله المحرم، كي تقام فيه الصلاة: { رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ} (37) سورة إبراهيم، ولو كانت سارة أم اسماعيل لما ارتضت فراقه، إلا أن تصحب ابنها في مهاجره فتفارق إبراهيم. ولكنه كان ابن ضرتها ، فشجعت ولم تمانع، بل كانت هي التي أوحت وألحت، في رواية سفر التكوين.

صدق الله إبراهيم وعده ببكره إسماعيل وقد ناهز إبراهيم ستاً وثمانين، لم يعد بعد "فتي يقال له إبراهيم"، وإنما ولد له إسماعيل وقد بلغ به الكبر، كما تجد في قوله الله عز وجل على لسان إبراهيم: {الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء} (39) سورة إبراهيم.

ويتذكر إبراهيم يوم ولد له إسماعيل دعوة منه سبقت، يوم خرج مهاجرا إلي ربه وحيدا إلا من زوجه وابن أخيه، يسأل ربه النسل الصالح الذي يعنيه على أمر الله، ويذكر ايضا بشرى الله إياه يومئذ "بغلام حليم"، أرجأها الله إلي أجل مسمي عنده وقد نيف إبراهيم على الثمانين، فيعلم فوق علم أن الله عز وجل - مهما طال الأجل - لا يخلف وعده رسله، وكأنه قال بالعبرية، يمجد بها الله: يشمع إيل؛ أي سميع هو الله؛ فسمي بها إسماعيل (يشمع + إيل).

***********

أما مفسرو القرآن (راجع تفسير القرطبي للآية 125 من سورة البقرة) وقد أجمعوا على عجمة "إسماعيل"، فلم يفتهم معنى "السمع" ومعني "الله" في (اسمع + إيل) ولكنهم فهموها بصيغة الطلب على الدعاء، فقالوا إن معنى هذا الاسم هو "اسمع يا ألله" أو "اللهم فاسمع".

ولا يصح هذا من وجهين: الأول لمخالفته معنى "يشمع إيل" العبرية، التي تفيد حدوث السمع لا طلبه. والثاني لأن الذي يستمع الله دعاءه فيستجيب، لا يقول: اللهم فاسمع، وإنما يقول: قد سمعت يا ألله.

وهذه هي آفة كل تفسير لاسم علم بغير لغة صاحبه.
أما إن أردت ترجمة "إسماعيل" إلي العربية ترجمة تصح بها العلمية، فالأقرب إلي الصواب أن تقول "سمع الله"، على التقرير، لا على الدعاء، كما يتسمى الناس الآن بــ "جاد الله"، "جاد الحق"، وأشباههما.

**********

ولا ينقضي القول في "إسماعيل"- قبل حسم ذلك الإشكال الذي افتعله جمهرة، من المفسرين (راجع تفسير القرطبي للآيات 101 وما بعدها من سورة الصافات) قول الشخص الذي كان به "البلاء المبين" في القرآن: إسماعيل أم إسحاق؟

تهيب هؤلاء المفسرون تكذيب التوراة في قولها إن "الذبيح" كان إسحاق بالاسم ، لا إسماعيل، فلم يروا بأساً من متابعة التوراة على هذا القول، لاسيما والقرآن لا ينص على الذبيح بالاسم، ووازنوا بين تكذيب التوراة بغير صريح القرآن وبين رد أحاديث من مثل قوله صلي الله عليه وسلم: "أنا ابن الذبيحين" (إشارة إلي أبيه عبد الله بن عبد المطلب وجده الأكبر إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام)، فردوا تلك الأحاديث.

والراجح عندي أن هؤلاء المفسرين "سمعوا" من أحبار يهود أن التوراة تنص على إسحاق ولا تنص على إسماعيل، ولكنهم لم "يقرأوا" تفاصيل ذلك في سفر التكونين نفسه، على ما مر بك في سياق تفسيرنا لاسم إبراهيم عليه السلام، وإلا لخلصوا كما خلصنا نحن من تحليل كلام الكاتب نفسه في الإصحاحات الخامس عشر والسابع عشر والثاني والعشرين إلي أن البلاء المبين ما كان ليصح إلا بإسماعيل، وحيد إبراهيم قبل عام من مولد إسحاق، ولجزموا - كما جزمنا نحن - بأن "إسحاق" هاهنا مقحمة على هذا السفر، مدسوسة من الكاتب أو الناسخ "ذي المصلحة"، وأن تكذيب التوراة في "إسحاق" ليس تكذيباً لله عز وجل فيما أنزل من التوراة، وإنما هو تكذيب لهذا الكاتب أو الناسخ.

والذي ينبغي التنبيه إليه أن التوراة - شأنها شأن الأناجيل التي بين يديك - ليست كلها باعتراف الكتبة أنفسهم كلاماً من الله عز وجل على رسله وأنبيائه، يتحصن بحجية الشئ الموحى به، وإما يتخللها الكثير- بل الأكثر- من كلام الكاتب و الناسخ، يصح حين يصح، كما تصح أحاديث الرواة، لا أكثر ولا أقل ، لا يرد به حديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا يتأول به قرآن.

والذي ينبغي التنبيه إليه أيضا أن المسلم - المأمور بتصديق التوراة والإنجيل بمقتضي قوله عز وجل في وصف المتقين {والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} (4) سورة البقرة - إنما هو مأمور بتصديق ما أنزل الله فيهما فحسب، الذي صدقه القرآن، لا ما زاد فيهما الكاتب والناسخ.

ويترتب على هذا مباشرة أن مقولات سفر التكوين الذي بين يديك لا ترد فحسب بصريح القرآن، وإنما ترد أيضا بالنقد التحليلي المباشر، على ما مر بك من القول في صحة "حساباته" أو من وصفه "جنة آدم" التي بعدن "شرقاً" أو تفسيره معنى "بابل" بالبلبلة، الخ... لو التزمت تصديق هذا الكاتب في كل مقولاته، فأوجبت على نفسك تصديقه في أن "البلاء المبين" كان بإسحاق لا بإسماعيل، لوجب عليك أيضا تصديقه في شناعات لا تصح في "نص مقدس"، من مثل زني ابنتي لوط بأبيهما على ما مر بك، أو من مثل انخلاع حق فخذ يعقوب (تكوين 32/26) وهو "يصارع" الله عز وجل، في محاولة بائسة لتفسير معنى شهرة "إسرائيل"،وتعليل تحريم بني إسرائيل أكل "عرق النسا" الذي على حق الفخذ.

أما القرآن لم ينص صراحة على أن "البلاء المبين" كان بإسماعيل، لا بإسحاق، فهذه زلة لا يصح أن يقع فيها مفسر للقرآن جدير بهذا الاسم. يكفيك أن تتلو الآيات من 99 إلي 112 من سورة الصافات، كي تعلم أن إبراهيم عليه السلام بشر غداة خروجه مهاجرا إلي ربه بغلام حليم، وأن هذا الغلام نفسه بلغ معه السعي، فكان به "البلاء المبين"، وأن الله عز وجل عقب على اجتياز إبراهيم هذا الاختبار الفذ بأن بشر إبراهيم بغلام آخر يولد له، هو إسحاق: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ} (112) سورة الصافات، فكان إسحاق بعض "جزاء المحسنين" الذي جازي به الله بر إبراهيم، ولم يكن هو بداهة الذي كان به البلاء المبين، وإنما كان البلاء المبين بإسماعيل.

(ربما أحرجت هذه الآية المفسرين الذين قالوا إن الذبيح هو إسحاق، فتمحك بعضهم بتأويلها على أنها بشري بالنبوة لإسحاق الذبيح، ولا يصح هذا من لغوي حاذق، لأن البشري في الآية تتعدي بالياء، فهي واقعة بإسحاق لا بالنبوة. وإنما النبوة والصلاح في الآية وصفان للابن المبشر به).

ونحن نضيف إلي هذا دليلا آخر من القرآن، وردت "غلام حليم" مرة واحدة في القرآن ( الصافات: 101) وصف بها الله عز وجل الغلام الذي كان به البلاء المبين، لم يخص بها غيره من أبناء إبراهيم، ووردت "غلام عليم" في القرآن مرتين، يخص بها إسحاق بالنص: {قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ} (53) سورة الحجر، {فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ} (28) سورة الذاريات، والمعني في الآيتين هو إسحاق بلا خلاف، أفلا تدلك هذه المغايرة بين "عليم" و"حليم" على أن البلاء المبين لم يكن بالغلام "العليم" (إسحاق)، وإنما كان بالآخر، الغلام "الحليم" الذي في سورة الصافات، فهو إذن "إسماعيل"؟

كذلك وردت "صادق الوعد" مرة واحدة في القرآن، خص بها الله عز وجل إسماعيل وحده دون غيره من النبين والمرسلين: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا} (54) سورة مريم. إلا تجد في هذا إشارة بليغة إلي صدق إسماعيل وعده أبه بالصبر على الذبح إذعاناً لأمر الله حين شاوره إبراهيم في رؤياه {قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} (102) سورة الصافات، حتي "تله للجبين"، فأي صبر كان؛
كان الذبيح إسماعيل، لا محل للقول بخلافه، ولا مجال للتردد فيه متابعة لقول أهل الكتاب.

وإذا كان الذبيح هو إسماعيل - إحقاقا للحق لا غير- فليس معنى هذا أن إسحاق أدني منزلة في سلم الأنبياء من إسماعيل، صلوات الله وسلامه على جميع رسله وأنبيائه، بل الكل في كرامة الأنبياء عند الله سواء، وهو أعلم ببلاء أنبيائه حسبك قوله عز وجل في الأنبياء من ذرية إبراهيم، وفيهم إسماعيل وإسحاق {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} (90) سورة الأنعام

********

أما التفسير القرآني لاسم "إسماعيل"، وهو "يشمعيل" عبرياً، ومعناه كما علمت "سمع الله" أو "سميع هو الله"، فأنت تجد هذا التفسير في قوله عز وجل على لسان إبراهيم: {الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء} (39) سورة إبراهيم.

وتجده في قوله عز وجل على لسان إبراهيم أيضا: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (127) سورة البقرة.

*******

(3)
إسحاق


إسحاق (وترسم اسحق في المصحف) هو الابن الثاني لنبي الله إبراهيم عليهما السلام، رزق به من زوجه سارة وقد ناهزت التسعين، عجوزاً عقيماً قد أيأستها السنون، وإبراهيم يومئذ قد بلغ المائة، فكان إنجابهما إسحاق في تلك السن آية من آيات رحمة الله بإبراهيم وأهل بيت إبراهيم: {قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ} (72) سورة هود.

وإسحاق عليه السلام سمته الملائكة، لم تسمه أمه ولم يسمه أبوه كما يقول سفر التكوين. بل سمت الملائكة أيضا "يعقوب" بن إسحاق، ولم يولد بعد إسحاق. تجد هذا في قوله عزوجل: {وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَقَ يَعْقُوبَ} (71) سورة هود

******

وقد قالت الكثرة من مفسري القرآن (راجع تفسير القرطبي للآية 133 وما بعدها من سورة البقرة) بعجمة "إسحاق" ولم يتصدوا لتفسيره. إلا من شذ فحسبه من العربية، يشتقه من الجذر العربي "سحق" بمعنى بعد أشد البعد. وليس هذا بشئ لأنه يفسر الاسم بغير لغة صاحبه، فلا تلتفت إليه.

*******

"إسحاق" في القرآن هي تعريب "يصحاق" في التوراة. وهي صغية المضارعة في المفرد الغائب من الجذر العبري "صحق"، وقرينه في العربية الجذر العربي "ضحك". و"يصحاق" العبري إذن يعني "يضحك"، لا يراد منه الفعل، وإنما يراد منه الفاعل، ومن ثم معنى "اسحاق"، وهو "يصحاق" عبريا، الضاحك أو الضحوك، وقد سمى العرب بمعناه على المبالغة فقالوا "الضحاك".

والتسمية بالفعل المضارع يراد منه اسم الفاعل، شديدة الشيوع في العبرية كما مر بك في موضعه: رأيت هذا في "يشمعيل" (إسماعيل)، وتراه الان في "يصحاق"، أي إسحاق. وستجده كثيرا فيما يلي من أعلام التوراة.
علي أن لهذا نظائر بقيت في العربية كما مر بك، تجدها في أمثال "يزيد" وغيرها من أعلام الأشخاص والمواضع. والأصل في هذا كما مر بك أن الفعل المضارع يفيد الحال كما يفيد الاستقبال، أي "يضحك" وسيظل، فهو "ضاحك" و "ضحوك".

*******

أما التفسير القرآني لهذا الاسم العلم، فأنت تجده في قوله عزوجل: {وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ} (71) سورة هود، أي ضحكت سارة وهي قائمة تخدم ضيف إبراهيم من الملائكة عجبا وحياء وهي تسمع من الملائكة بشري لإبراهيم بمولود يولد منها، وهي في تلك السن عجوز عقيم. وكأن ضحكها كان مناسبة يصاغ منها اسم المولود المبشر فقيل لها أضحكت؟ بشراك إذن "بالذي يضحك"، وهي "يصحاق"، اسم نبي الله إسحاق عليه السلام.

********

وربما قلت فلماذا جاءت "إسحاق" في القرآن بالسين، ولم تجئ على أصلها بالصاد "إصحاق"؟
قال هذا بالفعل بعض المستشرقين، مماحكة، كدأبهم في معارضة القرآن.
ولكنك تندهش إذ تعلم أن "يصحاق" هذه تجئ في عبرية التوراة بالسين كما تجئ بالصاد، والصاد أغلب، وأن "سحق" و"صحق" في المعجم العبري صنوان. وفي اللغة العربية تتعاقب السين والصاد مثل "السراط" و"الصراط" وقد قرئ بهما.

ولعلك تدرك معي أن تتابع الصاد والحاء والقاف في "يصحاق" قعقعة تنبو عنها موسيقي القرآن، لذا فقد عرب القرآن "إسحاق" عن "يسحاق" ولم يعربها عن "يصحاق" عالماً أنه لم يبعد، لوجود كلا الرسمين في عبرية التوراة.

لا يشاد القرآن أحد إلا غلبه القرآن، وسبحان العليم الخبير.


... يتبع


http://e3gaz1.blogspot.com/

الأحد، 3 يونيو، 2007

أبو العلاء... إمام الناس

السلام عليكم

"أبو العلاء"... "إمام الناس" أو نبي الله وخليله سيدنا إبراهيم عليه السلام... هذا هو موضوع هذا المقال من كتاب "من إعجاز القرآن في أعجمي القرآن".... ولا ينسى الكاتب الحديث عن اسم أبي إبراهيم وإعجاز القرآن في مخالفته للتوراة في هذا الاسم. ومن المواضيع الجديرة بالاهتمام في هذا المقال مقارعة أهل التوراة بالدليل القاطع من التوراة نفسها في شخص الابن الذبيح... هل هو إسماعيل أم إسحاق كما يدعون؟!

مع تحياتي



من إعجاز القرآن في أعجمي القرآن
العلم الأعجمي في القرآن مفسراً القرآن
المؤلف/رؤوف أبو سعدة
******

أبو العلاء... إمام الناس
******

تقول التوراة أن "أبرام" كان اسم إبراهيم الذي سماه به أبوه. أما "إبراهيم" فهو اسم سماه الله به. وتنص التوراة أيضا على اسم أبي إبراهيم، فتسميه "تارح" (أو "تيرح" بإمالة الألف مع فتح الراء في الحالتين)، خلافاً للقرآن الذي يسميه "آزر" بالنص في الصريح في قوله عز وجل: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ} (74) سورة الأنعام.

وقد حار مفسرو القرآن في "آزر" (انظر تفسير القرطبي للآية 74 من سورة الأنعام) لمخالفتها الصريحة لما هو معلوم عند أهل الكتاب من التوراة. وطنطن بها المستشرقون - كما مر بك - الذين وهموا أن "آزر" من أفدح أخطاء القرآن في اقتباسه من التوراة.

ونقول نحن: وما كان أغني القرآن عنها، على علمه المحيط بدقائق المكتوب في التوراة؛ وهل ينتقص شيئاً من جلال القرآن أن يسكت عن اسم أبى إبراهيم فلا يسميه؟ قد تناول القرآن جدال إبراهيم أباه في أكثر من آية فلم يسمه، فلماذا النص على اسم أبى إبراهيم في هذه الآية وحدها من سورة الأنعام؟ أفقد جهل القرآن اسم أبى إبراهيم في التوراة؟ فلماذا يزج بنفسه في المزالق فيخترع من عنده اسما لأبى إبراهيم، غير عابئ بما يسمعه من أهل الكتاب في مكة ويثرب ونجران؟ وإذا كان محمداً (صلي الله عليه وسلم) يفتري القرآن من عنده كما يدعون، فلماذا لم يستوثق من رجال كورقة بن نوفل عم زوجه خديجة وقد كان كما يقول أصحاب السير من حنفاء إحدى الملتين، يقرآ من الكتاب العبراني ما شاء له الله أن يقرآ؟ ولماذا لم يصححه له أمثال الحبر اليهودي ابن سلام وقد أسلم في المدينة لهذا النبي الذي "يخطئ" في اسم أبى إبراهيم؟ أفلم ير ابن سلام في هذه وحدها دليلا كافيا على "كذب" هذا النبي؟
ولماذا لم "يسقط" المسلمون من بعد النبي "آزر" هذه من القرآن، تنقية للقرآن من خطأ لا تجوز المماحكة فيه؟

تستخلص من هذا أن القرآن أعظم وأجل من أن يفتري من دون الله عز وجل، وتستخلص منه أيضا أن القرآن عند الذين آمنوا به أعظم وأجل من أن يكذب بالتوراة ، أو أن يصحح بما في التوراة، وتستخلص منه كذلك أن القرآن في المصحف الذي بين يديك قد عصمه الله سبحانه من التغيير والتبديل، ولو بقصد "التصويب" و"الاستدراك"، فهو إلي قيام الساعة محفوظ بحفظ الله عز وجل على الحرف الذي نزل به. وتستخلص منه أخيراً أن القرآن - وكان أيسر عليه استبقاء "تارح" في القرآن على أصلها في التوراة - إنما أراد عامدا متعمداً تحدي المتقولين عليه أصحاب دعوي النقل والاقتباس، فجابههم بما ينقض دعواهم. والقرآن هاهنا يريد المخالفة لذاتها، لا يريد منها تأصيل منهج أو إثبات عقيدة، وإنما يأتي بها للدلالة على إعجازه فحسب.
نعم، "آزر" في القرآن من دلائل إعجازه، كما سنري بإذن الله على التو معاً.

(1)
آزر

وردت "آزر" مرة واحدة في القرآن (الأنعام:74) اسما لأبي إبراهيم، وهو في التوراة "تارح". وقد توقف فيها مفسرو القرآن كما مر بك لما يعلمونه من مخاالفتها الصريحة لاسم أبى إبراهيم في التوراة، وعالج بعضهم التصدي لها محاولين التوفيق بين " آزر" و"تارح" بإسقاط أحد طرفي التناقض: منهم من قال أن "آزر" في القرآن ليس هو أبا إبراهيم، بل عمه. وقال الآخرون إن "تارح" كان له إسمان، أحدهما "آزر": وهو ضعيف، لأنه لا دليل عليه من القرآن أو الحديث، ولا مقنع به لأصحاب التوراة الذين لا يعلمون لأبى إبراهيم اسماً آخر، أو شهرة شهر بها. وتصدى لآزر أيضا باحثون كبار، كان منهم في هذا العصر الأستاذ عباس العقاد رحمه الله، في كتابه "إبراهيم: أبو الأنبياء"، الذي قال ما معناه أن "آزر" ليست تعريبا لـ "تارح" وإنما هي تصويب قرآني لنطق "تارح" على أصلها في لغة صاحبها ومنها الهمزة والحاء، وتبادل بين التاء والثاء والشين والزاي، وكأنها كانت ترسم "ثارة" أو "زارة" ونطقها العبرانيون "تارح"، الخ. وليس هذا بقوي، رغم ضخامة الجهد ونبل القصد، وأقرب ما يرد به على هذا أن العبرانيين لم يقرأوا اسم أبي جدهم إبراهيم في صحيفة أو نقش، وإنما سمعوه من إبراهيم شفاهة، وهم قد سمعوها "تارح"، ولم يسمعوها "آزر" ويرد عليه أيضا بأن القرآن لم يصوب للتوراة نطق علم أقدم من "تارح" وهو "نوح"، وكان حقه أن يأتي بها على "نوخ" الخاء المنقوطة كما مر بك، وإنما القرآن يلتزم العلمية التي ثبتت في الكتب السابقة، فيأتي بها على ما هي عليه، عدا ما يقتضيه التعريب فحسب، إلا أن يأتي القرآن بالعلم التوراتي أو الإنجيلي مترجما، كما مر بك في "إدريس" وكما ستري في "ذي الكفل".

أفتكون " آزر" في القرآن ترجمة لــ "تارح" في التوراة؟

نعم . ولكن هذا يقتضي أولا تأصيل لفظة "تارح" في اللسان العبراني، معناه واشتقاقه، أو معناه واشتقاقه في اللسان الآرامي، لغة إبراهيم "الآرامي"، الوافد على فلسطين (إرص كنعان) من حاران في شمالي سورية (إرص آرام) كما يقول سفر التكوين.

***********

لا يعرف علماء التوراة لاسم أبي إبراهيم "تارح" (أو "تيرح" بإمالة الألف) معني أو اشتقاقا، لا من العبرية ولا من الآرامية، لعدم وجود الجذر السامي "ترح" في أي منهما، أو على الأقل عدم وجوده فيما هو معروف لنا اليوم من جذور العبرية والآرامية. وأيضا لأنه لا يستقيم على أوزان هاتين اللغتين افتراض زيادة التاء في تارح اسم أبي إبراهيم في التوراة على نحو زيادتها في "ترواح" العربية بمعني الرواح، أخذا من الجذر العبري "أرح"، مقلوب الجذر العربي راح/يروح بمعني رحل، إذن لقالوا "آرح" وهو بالفعل من أعلام التوراة، ومعناه "الرحالة" الكثير التجوال. ربما جاز لك أن تقترح على علماء العبرية في تفسير معني "تارح" أنه مشتق من "يارح" العبري بمعني "قمر" (ومن هذه "يرح" العبري بمعني شهر قمري)، زيدت فيها التاء فأصبحت "تيرح" (علي نطق "تارح" اسم أبي إبراهيم ممالة الألف)، على نحو ما زيدت التاء في "يمن" العبري فقيل "تيمان" بمعني الجنوب عبرياً، ويرد على هذا بأن العبرانيين حين اشتقوا من القمر اسماً علما قالوا " يروح" وقالوا "يرح" ولم يقولوا البتة "تارح" أو "تيرح".

علي أنه لم يقل بهذا أو ذاك من علماء العبرية أحد، بل قد آثروا جميعا السكوت عن تفسير معني اسم أبي إبراهيم، على ولوعهم بتفسير الأسماء الأعلام، بل واختراع المناسبة التي اختير الاسم من أجلها، توضيحا لمعناه. وهم قد توقفوا في "تارح" - على الراجح عندي - خشية مزالق الزلل فيما لم يتضح لهم وجه الصواب فيه. ونحن نحترم لعلماء التوراة هذا السكوت، احترامنا لمفسري القرآن الذين توقفوا عن تفسير "آزر". لأننا نصدق القرآن في "آزر"، تصديقنا للتوارة في "تارح".في التوراة أيضا (عدد 33/27-28) "تارح" أخرى، هي نفسها رسما ونطقا، توقف أيضا علماء التوراة عن تفسير معناها. وليست هي في سفر العدد اسما لأبي إبراهيم، وإنما هي فيه اسم موضع في صحراء سيناء نزله موسي مع بني اسرائيل أيام تطوافهم في التيه. وليست هذه عبرية بالضرورة، بل عربية ، لغة القوافل التي كانت تجوب سيناء إلي مصر.لعلها من الترواح والراحة على معني المستراح يحط فيه الرحال. وقد فسرها بهذا المعني نفسه معجم ويستر "WEBSTER'S DICTIONARY" فقال Station، يعني "المحط"، غير جازم، لأنه يعقبها بعلامة استفهام. وهذا يليق باسم موضع، لا سيما في تيه سيناء، ولكنه لا يليق اسما لرجل، ولو أن المعجم المذكور يخلط بين الاسمين في غير ضرورة.

ونحن لا نقسر علماء التوراة على تفسير لاسم أبي إبراهيم "تارح" من العبرية والآرامية: لو كان في العبرية أو الآرامية شئ يعين على هذا التفسير لسبقونا إليه.
ولكننا نقول كما يقول سفر التكوين (تكوين 11/27-23) إن أبا إبراهيم "تارح" لم يكن رجلا عبرانيا أو آراميا، ولكنه كان رجلا "بابليا"، ولد في بلدة "أور الكلدانيين" على سافلة نهر الفرات، إلي الجنوب الشرقي من بابل في العراق، ولم يرتحل منها إلي "حاران" في شمالي سورية (إرص آرام) إلا وقد نيف عمره على مائة عام. ومن هنا تستطيع أن تقول إن تارح هذا كان ينطق اسمه، الذي سمعه منه بنوه، على مقتضي مخارج ألفاظ اللغة البابلية، لا العبرية ولا الآرامية.

*******

يقول علماء اللغات السامية إن البابليين - وهم بالقطع ساميون من عرب شبه الجزيرة - غلبوا الشومريين على أرضهم في جنوبي العراق حوالي مطلع القرن الثلاثين قبل الميلاد، فنقلوا عنهم "الخط المسماري" الذي ابتدعه الشومريون من قبل. ولأن اللغة الشومرية - بالقطع أيضا - لغة سامية، فقد خلا الخط المسماري من حروف لا تحتاج إليها تلك اللغة على أصول مخارج ألفاظها من حروف التضخيم كالطاء والظاء والضاد وبعض حروف الحلق، وتحتاج إليها اللغات السامية - ومنها البابلية - كي تفرق مثلا بين "ظهر" و "زهر"، وبين "عاد" و"آد"، على نحو ما تراه الآن من فوارق بين الخط اللاتيني والخط العربي. وكان موقف البابليين من هذا أنهم اصطنعوا الخط المسماري على علاته، دون أن يضيفوا إلى حروف "الأبجدية المسمارية" ما ينقصها من الحروف التي تحتاج إليها اللغة البابلية السامية.

وقد كان لاستخدام البابليين الخط المسماري في الكتابة، إلي جانب اختلاطهم بالشومريين الذين لم يقضوا عليهم تماما، أثر فادح في تشويه الطابع السامي النقي لمخارج ألفاظ أولئك الأعراب الذين جاءوا من جنوبي شبه الجزيرة فتوطنوا في بابل، ومن هذا المزيج وذاك الامتزاج ولدت اللغة البابلية، التي وإن بقيت سامية بجذورها ومادتها وتراكيبها فقد ضاعت منها بعض "الأصوات" التي تختص بها اللغات السامية، وأمها العربية، فتهملها، أو تنطقها محرفة.

وإذا علمنت أن تارح أبا إبراهيم ولد في أورالكدانيين ببابل حوالي مطلع القرن العشرين قبل الميلاد حسبما تستخلص من حسابات سفر التكوين - بعد انقضاء حوالي ألف سنة على توطن أسلافه الساميين في بابل - فقد علمت يقينا أن لغة تارح هذا وآبائه كانت هي بالقطع تلك اللغة السامية البابلية التي تاثرت بمخارج ألفاظ الشومريين على مدي ألف سنة سبقت، فهي لا تجد حرجا على سبيل المثال في وضع "التاء" موضع "الطاء" نطقا وكتابة.

من هنا تقول إن تارح - اسم أبي إبراهيم في التوراة - إما هو على أصله بالتاء، فيكن مشتقا من الجذر السامي "ترح" (الذي يفيد في العربية الهم والحزن، وأيضا قلة الخير)، وإما أن يكون أصله بطاء تحورت في البابلية إلي تاء، فيكون مشتقا من الجذر السامي "طرح" (علي تفاوت في معني "طرح" بين العربية وأخواتها الساميات): إن صدقت التوراة في "تارح" تصديقك القرآن في "آزر" فلا سبيل أمامك لتفسير معني "تارح" إلا بأحد هذين الفرضين لا ثالث لهما.

وقد كان الأضبط – والأثبت - التماس معني "تارح" البابلية هذه في المعجم البابلي نفسه، ولكن المعجم البابلي للأسف معجم أبتر، يقتصر على مفردات قلائل اقتنصها اللغويون بعد لأي من حطام نقوش لذلك الخط المسماري الذي حدثتك عنه، ليس من بينها "تارح" أو "طارح". وقد مر بك أن اللغويين يستعينون في فهم بوائد الساميات بالرجوع إلي معجم اللغة العربية، أم الساميات جميعا.ومر بك أيضا أن اللغويين حين يريدون تأصيل معني جذر مماتٍ في لغة سامية ما، يستعينون بمعني هذا الجذر في أخواتها وبنات عمومتها.

ولأن القرآن - أصل كل تأصيل للمعجم العربي - لم يعتمد "تارح" (لا بالتاء ولا بالطاء) اسماً لأبي إبراهيم، وإنما أتي به على الترجمة "آزر"، تفاديا لنقله عن أصل معناه في لغة صاحبه إن هو أتى به على أصله معربا - على ما مر بك من منهجنا في هذا الكتاب - فهذا يعني أن "تارح" و"طارح" كلتيهما ليستا من "ترح" و "طرح" العربيين، وإنما هما أو إحداهما من لغة سامية أقرب إلي البابلية تاريخاً وحضارة.

والآرامية والعبرية هما الأقرب إلي البابلية تاريخا وحضارة. والآرامية والعبرية كلتاهما تخلوان من الجذر السامي "ترح": ليس فيهما إلا "طرح" بالطاء، لا بالتاء.
ومن ثم فلا مفر لك من التماس "تارح" في "طارح"، والتماس معني "طارح" هذه في العبرية - الآرامية، لا في لغتنا العربية. "تارح" إذن - أو بالأحرى "طارح" - اسم أبي إبراهيم في التوراة، هو من العلم الأعجمي الذي فسره القرآن بالترجمة، فجاء به على "آزر". فإلي أي مدي أصاب القرآن، وسفه خصومة؟

*******

وزر، يزر، وزرا فهو وازر (راجع في معجمك العربي مادة "وزر") يعني حمل ما يقل ظهره، ومنه في القرآن: {لاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} (15) سورة الإسراء
أي لا تحمل نفس عن نفس شيئا، بل كل نفس بما كسبت رهينة. ومنه "الوزر"، أي الحمل الثقيل، كما في قوله عز وجل: { حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} (4) سورة محمد، أي أثقالها من سلاح وعتاد. واستعمل الوزر مجازاً بمعني الذنب، لأنه يثقل ظهر صاحبه يوم القيامة، كما في قوله عز وجل: {مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا} (100) سورة طـه.

وقد سقط من المعجم العبري - الآرامي الجذر السامي "وزر". إلا في لفظ واحد هو "وزار" التي وردت اسما علماً في الأصل العبراني لأسفار التوراة على مجازها العربي بمعني "موزور" أي راكب الوزر(راجع الترجمة العربية لسفر الأمثال 21/8)، لم ترد في التوراة إلا في هذا الموضع، وبقيت في العبرية المعاصرة بمعنى الخاطئ الآثم، يفسرها علماء العبرية بردها إلي الجذر العربي "وزر".

أما "الوزر" على أصل معناه في العربية، أي الحمل الثقيل، فهو في العبرية - الآرامية "طورح"، أخذاً من الجذر العبري - الآرامي "طرح"، أي حمل ما يثقل ظهره، فهو المقابل العبري - الآرامي للجذر العربي "وزر". ولا تستعمل عبرية التوراة من الجذر "طرح" إلا "طورح" بمعني الحمل الثقيل، أي الوزر، وإلا صيغة "هفعيل"(وهي صيغة "أفعل" العربية المتعدية بالهمزة) فتقول" هطريح" بمعني "أوزره"، أي حمله ما يثقل ظهره.

"طارح" إذن (أي "تارح" كما مر بك)، إن اشتققتها من الجذر العبري - الآرامي "طرح"، معناها "الوازر" على التطابق، لا على المجاز بمعني الموزور راكب الوزر، وإنما على الأصل بمعني الحمول المحمل.
أما لماذا ترجم القرآن اسم أبي إبراهيم إلي "آزر"، ولم يترجمه إلي "وازر" فهذا من دقيق القرآن كما سترى.

**********

"الأزر" عربيا ليس أصل معناها "القوة" كما وهمت بعض المعاجم (منها "المعجم الوسيط" الذي سكت عن تعريف "الأزر" بأنه "الظهر"، وعرف "الأزر" بأنه "القوة"، مستدلا بالقرآن {اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي} (31) سورة طـه، وهي على الضد من قوله)، وإنما أصل معناها "الظهر". والظهر يكنى به عن القوة، لا العكس. والإزار منه، لأنه يشد به على الظهر، أي على "الأزر". وأزر الزرع بمعني التف فقوي بعضه بعضا، يعني "تظاهر"، فكان بعضه لبعض "ظهيراً". وآزره مثله. ومنه أيضا "أزره" بمعني دعمه وقواه، أي كان له ظهراً، وآزره يعني كان له ظهيرا مظاهرا. وأزره أيضا يعني ألبسه الإزار، وأزر هو ، بكسر الزاي، فهو "آزر" (بفتح الزاي كاسم أبي إبراهيم في القرآن) يعني لبس الإزار، ومنه "حصان آزر" يعني حصان أبيض العجز ومقاديمه غير بيض، وكان بياض عجزه على خلاف مقاديمه" إزار" ائتزر به.

أما أن "الأزر" معناه "الظهر"، لا القوة، فهذا يتضح لك من قوله عز وجل على لسان موسي: {وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي} (31:29) سورة طـه، والمعني "أشدد به ظهري"، لا "أشدد به قوتي" كما وقع في بعض التفاسير، وكما وقع في المعجم الوسيط استشهادا على معني "الآزر" بأنه القوة. وليس بشئ: القوة تشدد ولا "تُشَد" الثلاثي المجرد غير المضعف، حين يتعدي بذاته كما في الآيات التي تلوت توا. يقع على المادي ولايقع على المعنوي، ويكون بمعني الربط والإيثاق والإحكام: تقول شد الإسار، وشد العقدة، وشد العضد، وشد الرحال، وشد المئزر، وشد "الأزر"، أي الظهر، لا معني للقول بخلافه.

وقد فسر القرطبي رحمه الله "الأزر" بمعني "الظهر" في تفسيره للآية 31 من سورة طه، فارجع إليه.
والوزر من "الأزر" قريب، لا في مادته فحسب، ولكن لأن "الوزر" بمعني الحمل الثقيل لايكون إلا على "الظهر"، أي على "الأزر". تجد هذا فصيحاً بيناً في قوله عز وجل، يسلي بها نبيه: {وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ} (3:2) سورة الشرح، بل لا يمكن لك تفسير قول العرب "وزر إليه" بمعني لجأ واعتصم، ومنه "الوزر" بفتح الواو والزاي في قوله عز وجل: {كَلَّا لَا وَزَرَ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ} (12:11) سورة القيامة، إلا أن تقول إن "الوزر" لغة في "الأزر" بمعني الظهر يركن إليه، أبدلت فيه الواو من الهمزة، وهو كثير الوقوع في كلام العرب، من مثل (أزف/ وزف) و (أكد / وكد) وغيره كثير. كما تجده في قوله صلي الله عليه وسلم لبعض تلك النسوة: " ارجعن مأزورات غير مأجورات"؛ وكانه يريد "موزورات" فهمز، أو كأن "وزر" و "أزر" سيان، أو كأن "المأزور" هو " المحمول على أزره" ، أي على ظهره، كما تقول "مكبود" ، "مبطون" ، "معيون" فيمن اعتل كبده وبطنه وعينه. والقياس من هذا – وإن لم يسمع من العرب- أن تقول "أزره" بمعني "أوقر أزره" (أي ظهره).

و"أزر" ( اسم أبي إبراهيم في القرآن) يعني موقر الظهر مثقله: إنها نفسها "الوازر" حامل الوزر، على أصلها لا مجازها، أي الحمول المحمل. وهو نفس معني "طارح" العبرية - الآرامية. وقد عدل القرآن عن "وازر" إلى "آزر" دفعا لشبهة فهمها بمعني الآثم الخاطئ (وهي "وزار" العبري كما مر بك)، وليست "طارح" أو "تارح" كذلك . وعدل أيضا عن استبقائها معربة على أصلها العبري - الآرامي "تارح" أو طارح"، لأن "تارح" تشتبه في العربية بمعني" المحزون" الترح، و "طارح" تشتبه في العربية بمعني "الطريح" المنبوذ، وليست أيضا "تارح" أو "طارح" في العبرية - الآرامية كذلك، على ما مر بك من منهجنا في تفسير أسباب عدول القرآن عن تعريب العلم الأعجمي إلي ترجمته.

أما اشتقاق "طارح" (تارح في التوراة) من الجذر العبري "طرح" بمعني" حمل" ما يوقر ظهره، فهو عندي على الوزن "فعال" - وهو وزن في العبرية والآرامية يدل على الفاعل يكثر منه الفعل - فكان حقه أن يكون"طراح". ولكن الذي يجب أن تعلمه، وعلمه القرآن من قبل، أن هاتي اللغتين لا تجيزان تشديد الراء، وتستعيضان عن تشديد الراء بمد حركة ما قبلها ، فتؤول "طراح" إلي "طارح" (تارح في التوراة)، كما قالوا في "حراش" (أي الحراث) "حارش" ، يعني الحارث الذي يمتهمن الحراثة.

********

لا سبيل أمامك إلي تفسير "تارح" البابلية (اسم أبي إبراهيم في التوراة) إلا بردها إلي "طارح" العبرية - الآرامية، أبدل البابليون من طائها تاء. ولا ترجمة إلي العربية لهذا الاسم البابلي أدق من "آزر" التي في القرآن، بمعني "الوازر" على أصلها، لا مجازها.

ولا حرج على القرآن صاحب اللغة - على نحو ما رأيت في "صراط" و"قسطاس" - أن يشتق من الجذر العربي الأصيل مادة لم تسمع قبله من العرب، لاسيما في ترجمة الأسماء الأعلام كما مر بك في "إدريس"، بل في هذا إشارة إلي "عجمة" صاحب الاسم العلم.

قد أصاب القرآن إذن في "آزر"، وسفه خصومه. فهل رغمت أنوف؟

جهل خصوم القرآن معني اسم أبيهم "تارح"، وما زالوا يجهلونه، وعلمه القرآن. فأي إعجاز وأي علم؛
كان أولي بالذين طعنوا على القرآن في "آزر" أن يتعلموا منه، ولكنهم لم يفعلوا، وصدق الحق سبحانه إذ يقول في تقريعهم: {هَاأَنتُمْ هَؤُلاء حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} (66) سورة آل عمران.


(2)
إبراهيم


"إبراهيم" في القرآن هي تعريب "أبراهام" في التوراة.
ويقول سفر التكوين إن إيراهيم كان اسمه "أبرام" (المشتقة على المزجية من آب+رام بمعني"ابو العلاء") وظل اسمه كذلك حتى كان ابن تسع وتسعين سنة فسماه الله "أبراهام" (إبراهيم في القرآن).
وعلماء التوراة يشتقون "أبراهام" هذه على المزجية من (آب+راب+هام)، حذفت الباء التي في "راب" للمزجية استثقالا، وخفف المد الذي في "آب" للمزجية أيضا، فأصبحت (أب+را+هام)، أي "أبراهام".
أما معني "أبراهام" هذه عند علماء التوراة فهم يرون أن "راب" ها هنا يعني "كثير" وأن"هام" يعني "جمهور". ومن ثم فهذا الاسم يعني عندهم (أب+كثير+جمهور)، يريدون "أبو جمهور كثير".
وقد تورط علماء التوراة في هذا التفسير اتباعا لسفر التكوين (تكوين 17/5) الذي أراد أن يكون معني"أبراهام" أباً لجمهور من الأمم (آب - هامون - جوييم)، نبوءة من الله عز وجل لإبراهيم بكثرة النسل. فألزم بها سفر التكوين علماء التوراة من بعده.

ولكنك تستدرك على علماء التوراة هؤلاء متسلحا بنحو اللغة العبرية ذاتها ومعجمها، فتقول إن "راب" التي في آب+راب+هام (أب+كثير+جمهور) لا يصح عبريا أن تفهم في هذا الاسم على الصفة بمعني "كثير"، لأن المفرد (الأب) لا يوصف بالكثرة، فلا يجوز لك أن تقول "أب كثير". ولا يصح عبريا أيضا أن تكون "كثير" هذه صفة لما بعدها (الجمهور)، لأن الصفة لا تتقدم الموصوف، كما في العربية سواء بسواء. ولا يصح في عبرية التوراة كذلك - وإن صح في العربية - إعمال الصفة فيما بعدها، كأن تقول"أب كثير الجمهور". أقرب من هذا إلي الصواب أن تقول في "راب" العبرية هذه أنها صفة بمعنى"كبير" (وهو من معانيها في العبرية) تصف بها "الأب" على التوقير والتمجيد، فيكون المعني "أب كبير لجمهور". وليس هذا هو الذي يريده سفر التكوين، فهو يريد الكبر والكثرة للجمهور لا للأب، بدلالة تفسيره الاسم بقوله: "أب لجمهور من الأمم".

أما الشديد النكر، فهو أن "هام" العبرية هذه لا تعني البتة "جمهور" كما أراد سفر التكوين وتابعه عليها من بعده علماء التوراة، وإنما معناها في العبرية "الناس" (راجع المعجم العبري"هملون هحداش لتناخ" )، أخذا من ضمير الجماعة العبري"هيم" (بإمالة الألف) وهي "هم" العربية.

من هنا يتضح لك أن المعني الأقرب إلي الصواب عبريا في "أبراهام" هو فهمه بمعني "أب كبير للناس".
ولكنك تعلم من العبرية أيضا أن "راب" على الإسمية لا الصفة، تعني "الرئيس"، "السيد"، "المعلم"، "الإمام". ومنها "الرباني" على ما مر بك في تضاعيف هذا الكتاب.ومنها في العبرية المعاصرة قولهم على النداء توقيراً: موري وربي؛ أي معلمي وأستاذي؛ إنها إذن الأستاذ الإمام.

عندئذ تقطع غير ملتفت إلي تفسير سفر التكوين وعلماء التوراة، بأن "أبراهام" إنما تعني في لغة صاحب هذا الاسم العلم: إمام الناس. وهي عبريا "راب+هام"، لا تحتاج في أولها إلي "آب". ولكن بقيت "آب" مضافة غلي الاسم على الراجح عندي، دلالة على الانتقال بالاسم من (آب+رام) إلي (آب+ راب+ هام) على وجه الحشو المؤكد، لأن في "آب" من معني الإمامة بعض ما في "راب".

وهذا هو نفسه التفسير القرآني لمعني إبراهيم بالمرادف في قوله عز وجل: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} (124) سورة البقرة، ولم يفطن إليه مفسرو القرآن كما ستري.

*********

تكلم مفسرو القرآن (راجع تفسير القرطبي للآية 124 من سورة البقرة) في معني اسم إبراهيم. منهم من أنصف فاكتفي بالقول بعجمته (الماوردي)، ومنهم من تصدى لتفسيره (ابن عطية) فقال إن معناه من السريانية هو "الأب الرحيم"، مؤكداً أن "رهيم" في السريانية معناها "رحيم" في العربية، فتندهش كيف تورط فيها الرجل على جلال قدره وعلمه، وليس في السريانية بالطبع من هذا شئ، بل ولا في الآرامية والعبرية، ولا تدري أيضا أي شقي في نواحي العراق دسها عليه، إلا أن يكون "هنديا" تسربل في ثياب السريان، ينطق حاءهم هاء!

وعلل بعضهم سبب التسمية (السهيلي) بقوله في معرض التشابه القوى بين السريانية والعربية: (ألا تري أن "إبراهيم" تفسيره "الأب الرحيم"؟ لرحمته بالأطفال، ولذلك جعل هو وسارة زوجته كافلين لأطفال المؤمنين الذين يموتون صغارا إلي يوم القيامة. وهذا - فوق سماجته - ضعيف، تشم فيه من قريب رائحة النقل عن أهل الكتاب من الملتين، وعندهم أن "الأبرار" يذهبون إلي حضن إبراهيم وسارة.

بل ليس البر والرحمة هما أعظم مناقب إبراهيم عليه السلام، حتى يتكلف اشتقاق هذا الاسم منهما. وإنما كانت كبرى مناقبه عليه السلام، بشهادة الله عز وجل، أنه إبراهيم الذي وفي:{أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى *وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} (37:36) سورة النجم.

والطريف أن القرطبي رحمه الله تحمس للرؤيا الطويلة عن سمرة، وفيه أن النبي صلي الله عليه وسلم رأي في الروضة إبراهيم عليه السلام وحوله أولاد الناس.

وليس في هذا الحديث أيضا - وإن صح - ما يشهد لتفسير اسم إبراهيم بمعني الأب الرحيم، وإنما هذا هو ما أسميه "التفسير بالتخمين"، أو "التفسير بالفراسة": تسقط صورة في ذهنك على شخص صاحب الاسم العلم، ثم تستخلص من هذه الصورة التفسير الذي تريد، لا تكلف نفسك مؤونة تأصيل مبني الاسم ومعناه في لغة صاحبه.

شبيه بهذا التفسير بالتخمين أو التفسير بالفراسة، ما تقرؤه في بعض التفاسير، وأيضا في بعض المعاجم، التي تقول لك إن لفظة "أمة" حين يوصف بها إنسان، تعين "الرجل الجامع لخصال الخير" يستشهدون لها بقوله عز وجل: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً} (120) سورة النحل، وليس هذا من اللغة في شئ. وإنما الأمة هنا يعني الإمام.

********

شغل إبراهيم عليه السلام - وهو بعد صغير - بالنظر في النجوم، يطلب الحق المبين، فهداه الحق إلي الحق. انبرى وحده في قومه يدعو إلي الواحد، فابتلي بكفر أبيه آزر، ينحت الأصنام ويبيعها للناس، كالساخر بدعوته. لم يكن أبوه ردءاً له، وإنما كان حرباً عليه، يستغل سلطان الأبوة في إسكات الدعوة: {قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا} (46) سورة مريم،ولم يزد هذا إبراهيم بأبيه إلا براً: {قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا} (47) سورة مريم.

وكاد لأصنامهم في غفلة منهم، ليريهم على أعين الناس أن الإله الذي لا يدفع الضر عن نفسه، لا يدفع الضر عن غيره، أو يضره. لكنه بفعلته هذه لم يهتك ستر أصنامهم فحسب، وإنما هتك ستر كهنتها وسدنتها، الذين يعلمون من قبل أنها لا تضر ولا تنفع، ولكنهم يعللون بها المستضعفين ويسوسون الدهماء. هنا برح الخفاء ولم يعد يصح السكوت، فكان جزاؤه من أبيه وقومه أن يحرقوه بالنار، انتصارا لآلهتهم وكيلا يفتتن به الناس. أسلم إبراهيم أمره لله، فقد علم هو من قبل أن الله حسبه، وإذا النار على إبراهيم برد وسلام، فالنار لا تحرق مؤمنا، ناهيك بخليل الرحمن.

ولكن القلوب تعمي عن الآية الكبرى، فاعتزلهم وما يعبدون من دون الله، لم يؤمن له منهم إلا زوجه سارة وابن أخيه لوط، فخرج بهما مهاجرا إلي ربه، لا شيعة ولا أتباع ، يرجو رحمة ربه في نسل صالح يعينه على أمر الله: {وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ * رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ } (100:99) سورة الصافات، ولكن العزيز الرحيم يبتلي إبراهيم فيرجئ الاستجابة إلي وقتها المكتوب عنده، ويصبر إبراهيم حتى يأتي أمر الله، لا يضار الزوجة التي صبرت ووفت، حتى جاوز الثمانين، فيولد له من هاجر بكره إسماعيل وقد ناهز إبراهيم ستا وثمانين، كما تقرأ في سفر التكوين (تكوين 16/16)، وعززه القرآن بقوله عز وجل على لسان إبراهيم: {الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء} (39) سورة إبراهيم.

فهل انتهت "بلاءات" إبراهيم؟ كيف، وهو عز وجل يريد لإبراهيم أن يكون المثل الأعلى لاصطبار المؤمن وإذعانه لأمر الله؟

ما أقر الله عينه بإسماعيل حتى ابتلاه فيه، فأمره بفراقه فطيما تحمله أمه، ليضعه في واد غير ذي زرع، لا ماء فيه ولا طعام. ولكن إبراهيم يمضى لا يلتفت وراءه تاركا فلذة كبده عن أمر الله، لا ينفطر ولا يجزع، فقد علم هو من قبل أن الذي خلق وهدي هو الذي يطعم ويسقي: {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ } (79:78) سورة الشعراء. فأي طاعة، وأي إيمان!

لم يخلق الله إسماعيل ليؤنس أباه في شيخوخته، وإنما خلقه ليكون شجرة إيمان أصلها ثابت في الأرض وفرعها في السماء، ألقيت بذرتها في واد أصم، يراد له بعد نحو أربعة وعشرين قرنا حمل لواء الدعوة الخاتمة والبلاغ المبين. ويشب الغلام بعيداً عن أبيه، ويمتثل إبراهيم، أفهل انتهت "بلاءات" إبراهيم؟ كلا. ما أن يبلغ الغلام ثلاث عشرة سنة، وقد ناهز إبراهيم تسعا وتسعين، حتى يجئ "البلاء المبين": يؤمر إبراهيم بذبح ابنه بيده، ويا لهول ما يؤمر... لأهون عليه أن يذبح نفسه بيده ولا يري ابنه يشك بشوكة تدميه. ولكن الله هو الآمر، والمأمور هو إبراهيم الذي علمت، ويمتثل إبراهيم. أفيتأبى إسماعيل على أمر الله، يضاعف على أبيه المحنة فيستغيثه الأبوة ويناشده الرحمة؟ فما علمك بير إسماعيل أباه؟
كلا، بل يخفف عن أبيه البلاء، فيستحثه ويستنجزه: {قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} (102) سورة الصافات، لا يصطنع البطولة، وإنما يقدم المشيئة، مسلماً وجهه لله، فأي أب وأي ابن...

تهيأ الابن للذبح، وتهيأ الأب لإجراء السكين، فقيل له قف... قد أتممت... فلم ير إبراهيم في المنام إلا أنه "يذبح" ابنه، لا أنه "ذبحه" بالفعل. وهذا هو معني قوله عز وجل: {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} (105:103) سورة الصافات.

وإلي هنا تم بلاء إبراهيم: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ} (106) سورة الصافات. بلاء لم يمتحن به قط إيمان رجل من قبل ومن بعد.

أما "جزاء المحسنين"، فقوله عز وجل: {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ } (110:108) سورة الصافات، وأيضا بشراه بإسحاق يثني به إسماعيل: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ} (112) سورة الصافات، وبارك الله على إبراهيم وآله، فصارت جزءاً من "تشهد" المسلم في كل صلاة.

وكان حقه على الله عز وجل أن يقول فيه: {وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} (131:130) سورة البقرة، {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} (125) سورة النساء. وكان حق إبراهيم على الله عز وجل أن يستجيب دعوته في الملة الآخرة: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ} (128) سورة البقرة، فيكون إمام المذهب والطريقة، أي الملة: {مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ} (78) سورة الحـج.

كان إبراهيم المثل الأعلى للمسلم الحق، يسلم أمره كله لله. وكان إبراهيم المثل الأعلى للمؤمن الحق، تنهد الجبال ولا يتزعزع له إيمان. فكان حقه على الله عز وجل أن يقول فيه: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً} (120) سورة النحل.

قالت بعض التفاسير، كما قالت بعض المعاجم، إن لفظ "الأمة" هنا يعني "الرجل الجامع لخصال الخير"، وليس هذا من اللغة في شئ كما مر بك: لا يجوز للغوي الحاذق أن يشتق المعني بعيدا عن أصل المادة اللغوية، أي بعيدا عن المعني الرئيسي للجذر الثلاثي المشتق منه. ولا يجوز لغة التفسير بالحدس والفراسة، إن اصبت مرة فقد أخطأت مرات، بل يكون الجذر الثلاثي للمادة اللغوية هم إمامك. ليس في مادة الجذر العربي أ/م/م شيء يفيد الجمع بين خصال الخير، وإنما كل ما في العربية بألف وميم مضعفة أو مكررة يدور حول معني الأم التي ولدت، والأم بمعني المثابة، يثاب إليها، والأم يجتمع إليها صغارها، والأم يتبعها ولدها. والأمة في الآية اسم من هذا، إنه "القدوة" وزنا ومعنى.

********

كان جزاء إبراهيم الذي وفى - وقد اجتاز البلاء المبين - أن جعله الله عز وجل إماما للناس:
{وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} (124) سورة البقرة، وهذا هو المعني الدقيق لاسم إبراهيم (إمام الناس) الذي لا يصح في العبرية غيره كما مر بك، وتلك هي مناسبة الانتقال باسمه من "أبرام" إلي "أبراهام" يوم التمام، باجتياز "البلاء المبين".

ولكنك لا تقرأ في سفر التكوين شيئا يعلل لك سبب العدول باسم إبراهيم من "أبرام" إلي "أبراهام" وهو عندئذ ابن تسع وتسعين، دون أسباب أو مقدمات، إلا إرادة الوعد بكثرة النسل... "ولما كان أبرام ابن تسع وتسعين سنة ظهر الرب لأبرام وقال له أنا الله القدير. سر أمامي وكن كاملا فأجعل عهدي بيني وبينك وأكثرك كثيرا جدا".

فسقط أبرام على وجهه. وتكلم الله معه قائلا: أما أنا فهو ذا عهدي معك وتكون أبا لجمهور من الأمم. فلا يدعي اسمك بعد أبرام بل يكون اسمك إبراهيم (أبراهام في الأصل العبراني). لأني أجعلك أبا لجمهور من الأمم. وأثمرك كثيرا جدا وأجعلك أمما.وملوك منك يخرجون" (تكوين 17/1-6). أما العهد الذي يلتزم به إبراهيم لقاء وعد الله إياه بكثرة النسل فهو (عهد الختان): "وأما أنت فتحفظ عهدي. أنت ونسلك من بعدك في أجيالهم. هذا هو عهدي الذي تحفظونه بيني وبينكم وبين نسلك من بعدك. يختن منكم كل ذكر. فتختنون في لحم غرلتكم. فيكون علامة عهد بيني وبينكم" (تكوين 17/9-11)" فيكون عهدي في لحومكم عهدا أبديا. وأما الذكر الأغلف الذي لا يختن في لحم غرلته فتقطع تلك النفس من شعبها. إنه قد نكث عهدي" (تكوين 17/13-14).

في هذا اليوم أيضا، وفي مناسبة تعديل اسم أبرام إلي أبراهام، عدل الله كذلك كما يقول سفر التكوين، اسم زوجته من "ساراي" إلي "سارة": "وقال الله لإبراهيم ساراي امرأتك منها ابنا وأباركها فتكون أمما، وملوك شعوب منها يكونون"(تكوين 17/15-16). (حاول علماء التوراة المغايرة بين معني"ساراي" ومعني "سارة" ليبرروا تعديل التسمية، فقالوا غير جازمين أن الأولي من المساورة والمغالبة والثانية من السراوة والشرف. أما "سارة" فهي عبريا من الجذر "سرر" وكافئه العربي سرا / يسرو/ سرواة، فهي "سرية" بمعني "أميرة". وقد بقي من هذا في عربية المماليك في مصر المتأثرة برواسب آرامية لفظة "سارعسكر" أي أمير الجند)

في هذا اليوم أيضا كان البشرى الأولى لإبراهيم بابنه إسحاق. هذا يتفق مع القرآن الذي يجعل توقيت البشرى الأولى بإسحاق تعقيبا على اجتياز إبراهيم اختبار "البلاء المبين"، كما تجد في قوله عز وجل لحظة فداء إسماعيل: {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ * وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ} (112:107) سورة الصافات.

ولكن الكاتب يسقط عمدا من هذا السياق "اختبار الذبح"، لأنه يريد شرف هذا "البلاء المبين" لإسحاق، لا لإسماعيل، وإسحاق لم يولد بعد، فيرجئ الحديث عن هذا إلي أن يولد إسحاق. فيجئ الكلام مقطوعا عن سياقه، ولا تفهم وجه التناسب بين "عهد الختان" وبين "تكثير النسل"، ولا بين هذين وبين وجه الضرورة إلي تغيير اسم إبراهيم وهو ابن تسع وتسعين سنة من أبرام إلي أبراهام، إلا أن يكون معني "أبراهام" هو المنجاب المنسال، ذلك المعني الذي اضطر إليه الكاتب ، فألزمه به علماء التوارة من بعده على خلاف مع نحو اللغة العبرية ومعجمها.

********

كان إسماعيل يوم تبدل اسم إبراهيم من "أبرام" إلي "أبراهام"، ابن ثلاث عشرة سنة، كما يقول سفر التكوين (تكوين 17/25)، يصح به "القربان" في اختبار الذبح (هذا يقارب عبارة القرآن: {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ (102:101) سورة الصافات).

وكان جديرا بكاتب سفر التكوين الذي بين يديك أن يتخذ من اجتياز إبراهيم هذا الاختبار الفذ، مناسبة لتعديل اسمه من "أبرام" إلي "أبراهام"، أي من "أبي العلاء" إلي "إمام الناس" في الإسلام والإيمان، لحظة أثبت جدارته بهذا الوسام. ولكن كاتب سفر التكوين الذي بين يديك لا يهتم ولا يريده، لأنه يفوت على بني إبراهيم عبر إسحاق هذا الشرف، وإسحاق لم يولد بعد، فنقل "بطولة" اختبار الذبح من إسماعيل إلي إسحاق، كما كان يفعل بعض فراعنة مصر بنقوش أسلافهم: يرفعون اسم الفرعون صاحب النقش الذي يسجل أمجاده، ويضعون مكانه اسم الفرعون البطل "المزيف"، فيفضحهم علماء الآثار حين يكتشفون التدليس. هذا بالضبط هو ما فعله الكاتب. لأنك حين تقرآ له (تكوين 22/2) عبارة: "خذ ابنك وحيدك الذي تحبه...." تتوقع حتما أن تجئ بعدها مباشرة لفظة "إسماعيل"، ولكن الكاتب يضع مكانها بكل ثقة لفظة "إسحاق" ، يكررها في كل مواضع واقعة اختبار الذبح، غير عابئ بذاكرة القارئ الذي قص عليه من قبل أن "إسحاق" لم يكن قط ابنا "وحيداً" لإبراهيم، وإنما الذي كان ابنا "وحيداً" لإبراهيم، وظل كذلك حتى مولد "إسحاق" هو بكره "إسماعيل"، فتقطع بأن ثمة أحداً "ذا مصلحة" قد عبث بهذا النص "المقدس"، لأن اختبار الذبح بابن "وحيد" لا يمكن عقلا أن يقع وإسحاق يثني إسماعيل، بل لا يمكن عقلا أن يقع إلا قبل مولد إسحاق، فلا يكون إلا بإسماعيل صاحب لقب "الابن الوحيد" وحده، فتقطع بأن مكان الحديث عن واقعة اختبار الذبح هو هذا الإصحاح السابع عشر نفسه الذي تقرر فيه - جزاء لإبراهيم على اجتيازه هذا الاختبار الفذ - تعديل اسمه من "أبرام" إلي "أبراهام"، أرجأه الكاتب إلي الإصحاح الثاني والعشرين ريثما يولد إسحاق ويشب.

ولأن كاتب سفر التكوين يري محقا أن اجتياز إبراهيم البلاء المبين، أي اختبار الذبح، يستحق جزاء يكافئ بر إبراهيم، فقد عقب على واقعة اختبار الذبح (الذي كان بإسحاق كما يقول) بقوله على لسان الله عز وجل: "من أجل أنك فعلت هذا الأمر ولم تمسك ابنك وحيدك، أباركك مباركة وأكثر نسلك كنجوم السماء وكالرمل الذي على شاطئ البحر، ويرث نسلك باب أعدائه، ويتبارك في نسلك جميع أمم الأرض، من أجل أنك سمعت لقولي" (تكوين 22/16-18)، يجعل جزاء إبراهيم "كثرة النسل" كما مر بك، ويطنب في أمجاد هذا النسل "المبارك"، وكأنما المكافأة لنسل إبراهيم، لا لإبراهيم نفسه، ينزعها الكاتب عن إبراهيم ويخص بها نفسه وشعبه.

أما الذي يستوقف النظر، الذي فات الكاتب أن يتذكره، فهو ان إبراهيم عقب اختبار الذبح (الذي كان بإسحاق كما يقول) لم يكن في حاجة إلي "مكافأة" تكثير النسل، لأنه حصل على الوعد بها من قبل "مجانا"، منحها له الكاتب دون مناسبة، بل دون ابتلاء تطير له النفس شعاعا، حين أراد - وهو يمهد لتفسير اسم إبراهيم - النص على كثرة نسله، فقال في الإصحاح الخامس عشر: "فإذا كلام الرب إليه قائلا: لا يرثك هذا . بل الذي يخرج من أحشائك هو يرثك. ثم أخرجه إلي خارج وقال انظر إلي السماء وعد النجوم إن استطعت أن تعدها. وقال له هكذا يكون نسلك. فآمن بالرب فحسبه له براً" (تكوين 15/4-6) ـ أي قالها الرب لإبراهيم جازما قاطعاً لا تحتاج إلي مزيد تأكيد، فما الداعي للمكافأة بها على اجتياز "البلاء المبين"؟ ثم ينتقل الكاتب إلي الإصحاح السابع عشر، يوم كان إبراهيم ابن تسع وتسعين، يريد توقيت الاسم من "أبرام" غلي "أبراهام"- ولم يولد بعد إسحاق - على ما مر بك فيقول إن الرب تراءى لإبراهيم يكرر له العهد (أي العهد بتكثير النسل) فيقول له: "أما أنا فهو ذا عهدي وتكون أبا لجمهور من الأمم. فلا يدعي اسمك بعد أبرام، بل يكون اسمك إبراهيم (أبراهام في النص العبراني)، لأني أجعلك أبا لجمهور من الأمم، وأثمرك كثيرا وأجعلك أمما" (تكوين 17/4-6). أفلم يؤمن من قبل إبراهيم بالوعد الأول الذي في الإصحاح الخامس عشر، وحسب له ذلك براً، فلم التكرار ولم يحدث من إبراهيم شي ينم عن تشككه في ذلك الوعد؟ وما الذي فعله إبراهيم ها هنا حتى يكافأ عليه بالتلويح من جديد بوعد تكثير النسل، بل ما الذي يبرر علة تغيير الاسم من "أبرام" إلي "أبراهام" فجأة دون مناسبة ودون مقدمات وقد بلغ من الكبر عتيا"؟ أليس ها هنا موضع الحديث عن اختبار الذبح، فيكون تغيير الاسم مكافأة على اجتياز الاختبار؟ ولكن إسحاق لم يكن قد ولد بعد، والكاتب يريد أن يخصه هو من دون إسماعيل بهذا الشرف. ونسي الكاتب أنه في الإصحاح السابع عشر تنبأ لإبراهيم بأنه سيكون له من سارة زوجته ابن (أي إسحاق) منجاب كثير النسل: "وأباركها وأعطيك أيضا منها ابنا. أباركها فتكون أمماً وملوك شعوب منها يكونون" (تكوين 17/16)...
فكيف يصدق إبراهيم الرؤيا بذبح إسحاق صبيا يافعاً لم ينجب بعد؟

علي أن اقتطاع اختبار الذبح من الإصحاح السابع عشر (كيلا يكون بإسماعيل) ورده إلي الإصحاح الثاني والعشرين (كي يولد إسحاق ويشب)، يترك الكلام في الإصحاح السابع عشر قلقا، إذ لا معني لأن يقال لإبراهيم وهو في سن تسع وتسعين: لا يدعي اسمك بعد أبرام......، أي أن اسم "أبرام" لم يعد يليق بك. فلماذا؟ ما الذي حدث له أو منه في هذه السن كي ينبو عنه اسم "أبرام"؟ إنه بلا شك اجتياز اختبار الذبح، أي البلاء المبين الذي كان بإسماعيل ولم يكن بإسحاق الذي لم يولد بعد. ولكن الكاتب كما مر بك لا يريد ذلك، فماذا يفعل؟ تحايل على سد الثغرة فجعل لتكرمة إبراهيم باسمه الجديد مقابلا يلتزم به في نفسه وولده، وهو عهد الختان. ولكن الكاتب يعلم أن الختان من سنن الفطرة، هدى إليه إبراهيم كما هدى إليه المصريون من قبل. ويعلم أيضا أنه لا معني لربط الختان بكثرة النسل، فماذا يفعل؟ أفتعل للختان رمزاً غليظا، يخرج به عن أصله كقاعدة من قواعد النظافة الجسدية، ليصبح كالوسم، توسم به الماشية علامة على الانتماء والملكية: "أما الذكر الأغلف الذي لا يختن في غزلته فتقطع تلك النفس من شعبها. إنه نكث عهدي" (تكوين 17/14), وكان "بولس" - رسول الحواريين إلي أوربا - قد فطن من بعد إلي أن تعليق الدخول في حظيرة إبراهيم على هذا الشرط الغليظ- شرط الختان - كفيل بأن يقطع "نسل" إبراهيم لا أن يكثر نسله كما تقول النبوءة التي في سفر التكوين، فقال بعدم وجوبيته. فعدل عنه المسيحيون جميعا، إلا من ولدوا بأرض ورثت الختان فطرة، ولم ترثه ديانة (شأن المصري المسيحي، على سبيل المثال).

ولكن المعضلة لا تزال ماثلة أما م الكاتب: ها هو في الإصحاح الثاني والعشرين يوقع اختبار الذبح على إسحاق كما مر بك، فماذا بقي في جعبته من جائزة يكافئ بها بر إبراهيم حين اجتاز بنجاح لا نظير له هذا الاختبار الفذ؟ ليس في ذهنه إلا جائزة "تكثير النسل" يطنطن بها، لا يسأم ولا يمل، ناسيا أن إبراهيم يحمل على صدره هذا الوسام من قبل بمقتضي عهد الختان. ولكن الكاتب لا يعبأ بذاكرة قارئه كما مر بك، فحسبك الله ونعم الوكيل.

بل ليس في كثرة النسل كم تعلم مجد لأحد، حتى يجازي بها الله بر إبراهيم. فضلا عن أن هذه النبوءة لم تتحقق إن أردت نسل إبراهيم عبر إسحاق، كما قالها سفر التكوين بالنص، خطابا من الله عز وجل لإبراهيم:"بإسحق يدعى لك نسل" (تكوين 21/12).

ليست أبوة إبراهيم هي أبوة "الناسل"، وإنما هي أبوة "الإمامة". ولو فطن كاتب سفر التكوين - وفطن من بعده علماء التوراة - إلي هذا المعني الجليل في اسم إبراهيم عليه السلام، لعضوا عليه بالنواجذا. ولكن "ألهاهم التكاثر"، عقدة اليهود في كل عصر: أراد الكاتب مجده هو ومجد شعبه - إن كان في كثرة النسل مجد - ولم يطلب مجد إبراهيم، فأراد الأب المنجاب "الناسل"، ولم يرد الأب "الإمام".

قال المسيح عليه السلام في تقريع هؤلاء. ينص على أبوة الإمامة: "لو كنتم أولاد إبراهيم لكنتم تعملون أعمال إبراهيم. ولكنكم الآن تطلبون قتلي. ,و أنا إنسان قد كلمكم بالحق الذي سمعه من الله. هذا لم يعمله إبراهيم" (يوحنا 8/39-40). (ما فتئ المسيح، وكأنما يتنبأ بما سيكون من بعده، ينص على بشريته: إنسان يوحي إليه!)

وقالها القرآن أيضا فأوجز وأبلغ: {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ} (68) سورة آل عمران.

وليس بعد هذا شرف لإبراهيم عليه السلام، النبي الإمام، صلوات الله وسلامه على جميع رسله وأنبيائه، وعلي كل من تبعهم بإحسان.


... يتبع