الأحد، 22 أبريل، 2007

الاسم العلم في الكتب المقدسة

السلام عليكم

أرجو أن يكون موضوع كتاب "من إعجاز القرآن في أعجمي القرآن" قد أعجبكم. ولعل الشرح يطول بعض الشيء لكن العذر في تشعب الموضوعات وأهميتها في نفس الوقت....
عرضنا في المقال السابق سر تميز اللغة العربية عن غيرها من لغات الأرض في عصر نزول القرآن بل وحتى اليوم رغما عن أنف المستغربين!... أما اليوم فنركز على بعض النقاط الأخرى مثل:

1- الاسم العلم ودلالته.
2- هل لأسماء الأنبياء والرسل معنى... أم هي مجرد أسماء سميتموها لا تعبر عن شيء؟!
3- يتطرق بنا الحديث هذه المرة إلى الكتب المقدسة "التوراة" و"الإنجيل" ولماذا كتبت أغلب أصولهما باليونانية القديمة رغم أنها لم تكن سائدة عصر موسى وعيسى عليهما السلام!
4- هل كانت ترجمة الكتاب المقدس دقيقة دائما؟!
5- ما هو العلم الأعجمي وكيف تعامل معه القرآن الكريم؟!
6- ما سر الخلاف بين القرآن والكتب المقدسة الأخرى في تسمية بعض الأعلام؟!

مع تحياتي




من إعجاز القرآن في أعجمي القرآن
العلم الأعجمي في القرآن مفسراً القرآن
المؤلف/رؤوف أبو سعدة
******

الاسم العلم في الكتب المقدسة

(1)

الأعجم أصل معناها "الأعوج" ، من عجمه يعنى لواه، ومنه عجم عوده، أى ثناه، يختبر صلابته.واعتجم عليك الكلام، واعتجم عليك اللفظ، أي التوي، فلا يستقيم له معني عندك، كما لا تفهم أنت إلا كلام بني أمتك، إلا أن تتعلم لغة غير لغة أهلك. وصدق الحق سبحانه إذ يقول:
{وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم } (38) سورة الأنعام.
{ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ } (41) سورة النــور.
{ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ } (44) سورة الإسراء.

وسمي "الأجنبي" أعجميا، لأنه يتكلم لغة لا تفهمها. وأنت أيضا "أعجمي" عنده لأنك لا تفهم ما يقول، أو لأنك تقول ما لا يفهمه هو. واللفظ "الأعجمي" هو اللفظ بلغة أعجمية، لا تفهم معناه، إلا أن تتعلم تلك اللغة. وهو أعجمي أيضا لأنه يلتوي به لسانك. إنه في الغالب الأعم لفظ لا تستطيع النطق به علي أصل وضعه عند أصحابه: ربما ثقل عليك وزنه، وربما حوي أحرفا لا مقابل لها في أصوات لغتك، فتحتال علي نطقه قدر ما تستطيع، ولكنك لا تستطيع الاستمرار في المحاكاة والتقليد فتعود إلي سليقتك، وتنطقه محرفا، بعد أن تهذبه وتنقح فيه، حتي يستقيم لك نطقه علي وزن "عربي" بأصوات "عربية" : ربما أسقطت حرفا أو حركة، وربما زدت فيه أو أبدلت منه.

والأعجمي المنقح علي هذا النحو- أي المصبوب في قوالب العربية وأوزانها – يسميه اللغويون"الأعجمي المعرب". وفي هذه التسمية إشارة إلي أن الأعجمي المعرب يظل أعجميا أيضا بعد تعريبه، لا بحكم ما كان عليه. فقد استعرب لك، ولا بحكم دلالته علي مسماه، فقد استبان المسمي، ولا بصورته. فقد استقامت علي موازين العربية ومخارج أصواتها، وإنما هو يظل أعجميا بمادته، أي بجذره الأعجمي المشتق منه في لغة أصحابه، وهو جذر لا مفهوم له عندك. بل أنت تدرك من الأعجمي المعرب معناه في مجمله، ولا تدري مما نحت لفظه، أو تركب، كي يؤدي هذا المعنى.
خذ مثلا لفظة" سجيل"، ذلك الرجز الذي وقع علي أبرهة وجيشه :
{وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ. تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ.فَجَعَلَهُم ْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ} (3-5) سورة الفيل،
وعلى قوم لوط :
{فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ. مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ} (84:83) سورة هود . أنت في سجيل تقف عند المعنى العام. ولكنك لو أخذت برأي من قال إن سجيل معربة عن الفارسية "سكيل"، بمعني الطين المتحجر (سك= جاف، كيل = طين) لأدركت ماهية السجيل ومادته في أصل معناه.
ومن طرائف الأعجمي المعرب أنه يتعجم علي أصحابه الأصلاء حين ترد إليهم بضاعتهم" منكرة" متحورة : هب مثلا أنك ممن يرون أن "المقوقس" ، عظيم القبط، معربة عن اليونانية "مجستس" Megistos (ومعناها "الأعظم") . وهبك أيضا كلفت بترجمة رسالة النبى صلي الله عليه وسلم إلي ذلك اليونانى المتمصر، أفتترك في ترجمتك اليونانية لفظ المقوقس علي حاله أم ترده إلي أصله اليوناني "مجستس"؟ إن لم تفعل فلن يفهم عنك المقوقس ما تقول. وهبك كلفت بترجمة رد المقوقس علي النبي، أفتقول في ترجمتك العربية: من "مجستس" إلي محمد (صلي الله عليه وسلم) ؟ إن فعلت فلن يفقه قارئك العربي ما تريد. وقل مثل هذا في رسالته صلي الله عليه وسلم إلي عظيم الروم"هرقل"،وأصلها بالرومية هركليوس Heraclius ، امبراطور بيزنطة آنذاك، وإن كان المخاطب بها في واقع الأمر وإلي هرقل علي الشام.

استعرب الأعجمي إذن للعرب، فاستعجم علي أهله حين اهتجن. علي أن المستعرب يغدو عربيا بالتقادم، والأعجمي في اللغة يعدو بعد ذهاب لكنته أصيلا أو كالأصيل في مفرداتها، يخفي علي غير المتخصص أصل منبته، كما تري في لفظة"المهندس"، المأخوذة من الفارسية "هنداز"، بمعني القدر والحد، وكما رأيت من قبل في "سجيل" و"المقوقس" و "هرقل" وأمثالها: الأعجمي المعنوي، والأعجمي العلم. وهذا هو شأن أعجمي القرآن كله، معنويه وأعلامه.

والذي يستوقف النظر أن القرآن لم يسم أحدا من معاصريه: لم يسم كسري ولا قيصر أو غيرهما من العجم. وإنما الذي ورد في القرآن من أعلام عصره ثلاثة أسماء لا غير، كلها عربي: محمد صلي الله عليه وسلم، ومولاه زيد رضي الله عنه، والذي تب وتبت يداه أبو لهب.

كانت الأولى فيما نري - وقد وردت في القرآن خمس مرات إحداها بلفظ "أحمد"- تشريفا- للنبي، وكانت الثانية تنصيصا علي دخول زيد بن حارثة بزينب بنت جحش رضي الله عنهما وحلها من بعده للنبي تأكيدا لبطلان البنوة (راجع الآيات 37 إلي 40 من سورة الأحزاب)، وكانت سورة المسد حكما قاطعا بالتباب والخسران علي شخص بعينه، وعلي امرأته حمالة الحطب، وامتناع قبول التوبة منهما ، وأريد إعلان هذا الحكم لأبي لهب وقومه في هذه الدنيا، فكا لابد من تسميته بالإسم ، كيلا يختلف فيه أحد.


(2)

أما الذي نعينه بالاسم المعنوي - بعيدا عن مواضعات أهل النحو والصرف - فهو الاسم المشترك الدال بذاته علي معني ما يجتمع فيه كل أفراده لا يشذ منهم أحد، نكرة ما لم يعرف بالإضافة أو بالألف واللام، عام لا يتخصص إلا بالإضافة أو النعت، يقبل بطبيعته الإفراد والتثنية والجمع: إنه بالتحديد أسماء الأفعال، والصفات، وأسماء الجنس، أحيائه وجماده.

من ذلك أن لفظة "إنسان" تصدق علي كل فرد من بني آدم . أما إن عرفتها بالألف واللام فهي مطلق"الإنسان". وتستطيع أيضا تعريفها بالإضافة فتقول مثلا "إنسان العين"، تعني "بؤبؤها"، أعني صورة ذلك الإنسان التي يطل بها عليك محدثك كلما حدقت في عينيه، وهي صورتك أنت انعكست علي بلورية عيني أخيك. وتستطيع أيضا أن تثني وتجمع ، فتقول "إنسانان" وتقول "ناس" و "أناسي" . وقس علي ذلك أمثال الزهرة والسنبلة ، والنملة والهدهد، والصخر والحديد، والسندس والإبريسم والديباج، والأسد والقسورة ، والبحر والجبل، والشيخ والصبي، والغني والفقير، والصغير والكبير. وقس علي ذلك أيضا أسماء الأفعال من مثل "فلسفة"، التي تجمع علي فلسفات ، أو "تعب" التي تجمع علي أتعاب و متاعب. لكل من الألفاظ التي ذكرت ، وأشباها، كما تري ، معني محدد في ذهنك وذهن محدثك ، وإن تحدثت به إليه فإنما تريد هذا المعني بالذات ، ولا تريد "شخص" من اتصف به أو وقع عليه، فكل الجبال جبل، وكل الآساد أسد، وكل الأثرياء ثري، وكل ما كان من الجمال بوجه فهو جميل.
بل حتي إن خصصت فقلت : هذا الأسد ، فقد خصصت "أسدا" ما بالإشارة ، ولم تزد علي أن سميته باسمه "المشترك" بين سائر بني جنسه. وليس هكذا أمثال "زيد" أو "عمرو".
الاسم " المعنوي " ، يريد المعني ولا يريد الشخص.
الاسم " العلم "، علي النقيض من هذا كما ستري، يريد الشخص ولا يريد المعني.

****

يطلق الاسم "العلم" لا يراد منه معناه، وإنما يراد منه شخص المسمي ذاته، ناسبه الاسم أو تناقض معه.
خذ مثلا ذلك الصديق الذي لم ير قط عبوسا ، بل تلقاه دائما أبدا منفرج الأسارير متهلل الوجه، ولكنك لا تنفك تناديه بما سماه به أبوه، فتقول : يا عباس ؛ أو ذلك الشيخ الذي تمادي به العمر، وهو وليد. بل كم من عبلة عجفاء، وهيفاء ليست بهيفاء، أو خديجة لم يخدج بها .
ورب عمرو لم يعمر، أو زيد ولا زيد ثم ولا فضل. وليست "القاهرة" لمجرد اسمها وحده بالتي تقهر دائما الغزاة، وإنما سميت عاصمة مصر بهذا الاسم تيمنا فحسب.
الاسم هنا "علم" علي ذات صاحبه، والعلم من العلامة : إنه مجرد رمز ترمز به إلي شخص أو شعب أو بلدة أو موضع، يلخص في ذهنك كل ما "تعرفه" عن ذلك الشخص أو الشعب أو البلدة أو الموضع، تعلم هذا أو ذاك بتلك العلامة التي اصطلحت مع محدثك عليها كيلا تختلط عليكما الأشخاص والأماكن، مثلما يعلم الأب أبناءه بتلك الأسامي التي يطلقها عليهم، لا يريد من التسمية إلا هذا ، ولو سميت ابنك عمراً بزيد وسميت زيدا بعمرو، أو خالفوا في التسمية بين بغداد والقاهرة، لجاز . ولكنك متى سميت ، فقد خرج الأمر من يدك، لا تملك له تبديلا: لصقت التسمية بالمسمي وانتهى الأمر.
الاسم العلم إذن هو اسم "الذات" مجردة من الصفات، لا معني له- مهما كان أصل وضعه واشتقاقه- إلا تلك
الذات التي يدل عليها في ذهنك وذهن محدثك، لا تختلط بغيرها.
ربما ثنيت فقلت "العمران". ولكنك عندئذ تريد أبا بكر بن أبي قحافة وعمر ابن الخطاب رضي الله عنهما، ولا تريد أي أبي بكر وأي عمر".
بل ربما جمعت فقلت"المناذرة"، ولكنك تريد"آل المنذر" ملوك الحيرة ، لا كل "منذر". مع أن الاسم العلم يطلق علي كثيرين، أي يطلق نفس الاسم علي"ذوات" متعددة، متجاورة أو متباعدة في الزمان والمكان، وربما تكرر اسم جد لحفيد، بل في مصر "اسكندرية" وفي الولايات المتحدة صنوها، وفي قري مصر"باريس"غير "باريس" عاصمة فرنسا، إلا أنك حين تتحدث بالاسم العلم فإنما تتحدث عن واحد بعينه ، لا كل ما تسموا باسمه، تريد الشخص أو الموضع، ولا تريد "سميه". لهذا كان الاسم العلم"معرفة" بذاته، لا يتعرف بالإضافة إلي معرفة، ولا يتعرف بالألف واللام، وإنما يتعرف بالعلمية. ربما وقعت فيه الألف واللام،ولكن هذا مجرد حشو، كما في أمثال "القاهرة" أو "الحسن" ..، فأنت تعني في الأولى عصمة مصر، لا اسم الفاعل المؤنث من "القهر"، ولا تقصد من الثانية صفة "الحسن"، وإنما تريد الحسن بن علي رضي الله عنهما. وربما جازت الإضافة في الاسم العلم، كما في "نيل مصر"، ولكنك تريد ذلك " النهر" الذي في "مصر"، كما تقول "قاهرة المعز" ولا "قاهرة" في ذهنك وذهن محدثك إلا هي. ومن خصائص الاسم العلم أنه لا يوصف إلا علي الخير أو علي البدل، ولا يوصف علي النعت، لأن النعت يخصص، والاسم العلم متخصص بذات علميته"، لا يحتاج إلى مخصص. من ذلك قولك: "الله أكبر"، علي الخبر، تنزه ذات الله عز وجل عن المثيل والند، ولا تقول: "الله الأكبر"، علي النعت، لأن معني هذا أن ثمة آلهة الله أكبرهم، وهذا لغو لا يصح. أما الوصف علي البدل فمنه قوله عز وجل: الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. الرَّحْمنِ الرَّحِيم . مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ} سورة الفاتحة (1-3) أي الحمد لله الذي هو رب العالمين، الذي هو الرحمن، الذي هو الرحيم، الخ. فالله علم علي ذاته تباركت أسماؤه، وسائرها بدل منه. ينطبق هذا بتمامه علي قولك : زيد وفي، علي الخبر، تنبئ محدثك بصفة لمستها في "زيد"، ومثله قولك : زيد الوفي، علي البدل لا علي النعت، وكأنك قلت: زيد، هذا الوفي، ... الخ.
متي نعت فقد لقبت، علي البدل من المنعوت، تؤكد لمحدثك ذاتية زيد الذي تعنيه، كيلا يختلط" الأزياد" عليه ، كما في "محمد الفاتح" أو "الحسن البصري"، وكما في "الحسن بن علي" رضي الله عنهما. كل هذا علي البدل ، لا علي النعت.

علي أن للاسم العلم -فوق اختصاصه بالدلالة علي ذات صاحبه- معني ما، كان بالتأكيد وراء اختياره علما علي أو لمن تسمي به ثم جري من بعد في أسماء الناس، ربما لمعناه ، وربما لجرسه، وربما إعزازا لعزيز تسمي به، أو عظيم في أمتك ذي شأن. ربما جال بخاطرك هذا كله أو بعضه وأنت تختار اسما لمولود ولد لك، ولكنه يمحي تماما من ذهنك بعد ما اخترت وسميت، فلا يبقي لديك من معني الاسم إلا جرسه، وإلا دلالته في سمعك وسمع محدثك علي "ذات" المسمي، أي لا يبقى من الاسم إلا ذلك "الصوت" الذي تطلقه فيستجيب المنادي به ، وكأنك حين تقول: يا زيد ؛ لا تعني إلا " يا هذا" ، ولا أكثر ولا أقل.

وهذا يفسر لك لماذا تنبهم علي كثير من الناس – بل وعلي أصحابها أحيانا- معاني الأسماء الأعلام، إما لأنهم يطلقون الاسم و لا يتعمقون معناه، وإما لأن الاسم قديم موروث ، لا يستعلن بمعناه إلا للباحث العكوف المتخصص: كم من زينب لا تعرف ما الزينب (شجر حسن المنظر طيب الرائحة، راجع في معجمك العربي مادة "زنب") وكم من خديجة ولا تدري أنها من الخداج الخداج هو النقص، وأخدجت الحامل، ألقت بولدها قبل تمام أيامه، وإن كان تام الخلق، فهو خديج).

بل قد يكون الاسم من أصل أعجمي يفوت معناه علي صاحبه، بل وعلي أبيه الذي سماه به، لا يدري من أي لغة هو، وعلام يدل، لأنه لم يرد المعنى أصلا، وإنما أراد الجرس، أو أراد شخصا عزيزا أو بطلا، وربما أراد شخص نبي أو أراد ملكا، كما في جبرائيل وميخائيل (جبريل وميكال في القرآن) ، وكما في يونس ويوسف ونوح وإبراهيم، صلوات الله وسلامه علي ملائكته وأنبيائه، ثم تمضي القرون، وتتكرر التسمية في أجيال وأجيال، ويذوب المعني في الجرس فينسي ، ثم يندثر. وليس هذا وقفا علي العربية وحدها، ولكنه شائع ذائع في كل اللغات: كم فرنسية تعلم أن هنرييت معناها "ست الدار" ؟ وكم من جورج (جرجس في مصر) يعمل أن معناها "الحارث"؟ وكم من كلود (قلدس وأقلاديوس في مصر) يعتزي فخورا إلي قيصر تسمي به (كلاوديوس) ولا يدري أن معناها "الأعرج" أو "العرجي"؟ بل كم من مارك (مرقص في مصر) يدري أنها "المريخي" المزاج، أي الغضوب أو " الحربى" وأن مؤنثه مارسيل كذلك ؟ وكم من راشيل (راحيل العبرية) تعلم أن معني الاسم في العبرية هو "النعجة" أنثي الغنم ؟ ربما لو توقف الناس عند معني الاسم العلم لترددوا في التسمية، ولكنهم لا يتوقفون، إما لأن المعني لا يعنيهم ، وإما لأنهم جهلوه أو أنسوه.

وهذا يفسر لك أيضا لماذا لا تجوز ترجمة الاسم العلم إلى معناه في اللغة المنقول إليها، وإنما الجائز فقط هو "تعريبه"، أي تهذيبه علي مقتضي مخارج أصوات اللغة وأوزانها : يجوز لك تعريب "جيورجيوس" اليونانية" إلي "جرجس"، ولا يجوز لك ترجمتها إلي "الحارث" أو الفلاح. لا تجوز لك ترجمة الاسم العلم إلا إذا كنيت وأبهمت ، أو تظارفت، فقلت في معلقة "الحارث بن حلزة" : قالها جورج بن حلزة ؛ أو ناديت صديقك "رمسيس"(رع+ مسيس المصرية القديمة) بقولك: ابن الشمس ؛ أو أردت كمصري – مطلع هذا القرن- أن تخوض في "جورج الخامس" ملك انجلترا التي كانت تستعمر مصر آنذاك ، فقلت : الفلاح بن الفلاح؛ تكني وتبهم ، تخشي علي نفسك سلطانه وحوارييه، وعيونه وأعوانه.

وكما لا تجوز ترجمة الأعجمي العلم إلي معناه في اللغة المنقول إليها، لا يجوز أيضا الإبدال منه بمرادف من نفس اللغة في ذات معناه، كأن تنادي صاحبك زيدا بقولك : يا فضل ؛ ثق أن "زيدا" لن يسمع منك، وإن سمع فلن يستجيب، ذاتيته هي "زيد" لا "فضل"، وإن تطابق المعني. وهذا يفسر لك - وهو بيت القصيد في كل ما سبق- ضرورة احتواء القرآن هذا الشطر من اللفظ الأعجمي، أي الأعجمي العلم، وهو يحدث بأخبار من لا تشك قط في عجمته ويقص عليك نبأ القرون الأولي، منذ بدء الخلق بآدم. ناهيك بالملأ الأعلي، وناهيك بيأجوج ومأجوج، وهاروت وماروت، وإبليس وفرعون، وعاد وثمود ، وقوم لوط وأصحاب مدين. وإذا كان قد وجد من علماء القرآن من ينكر البتة احتواء القرآن لفظا أعجميا واحدا، ولو كان من الأعجمى المعرب أمثال سندس وسرادق واستبرق وقسورة، وبذلوا من الجهد، وأيضا من الافتعال الشديد الوعر فيما يحسبونه ذودا عن القرآن بإثبات أصالة هذا اللفظ أو ذاك في العربية ونفي عجمته، إذا كان هذا هو موقف بعض علماء القرآن من أعجمي القرآن، فهذا كله في باب الأعجمي،"المعنوي"، لا في بابا الأعجمي العلم، لأن العلم الأعجمي لا يصح فيه جدل. ونحن لا نبتغي جدال هذا الفريق من العلماء في موقفهم من الأعجمي المعنوي في القرآن، وإن ألممنا به في سياق ما نكتب، لأننا في المقام الأول لا نريد أن نخوض بك في جدل يذهب بحلاوة ما هدانا الله إليه بفضل منه ونعمة، وهو تفسير أعجمي القرآن بالقرآن، وثانيا لأنه يخالف المقصد الأساسي لهذا الكتاب، لأن تفسير القرآن لأعجميه المعنوي- إن وجد- ليس فيه علم ولا إعجاز، وقد عرفها العرب"معربة" قبل القرآن لا تحتاج إلي تفسير. وإنما الإعجاز كل الإعجاز أن تفسر في لغات شتي – بعضها دارس- علما أعجميا يفوت معناه علي صاحبه، ويجهله أبوه، ناهيك بأساليب القرآن في هذا التفسير ، كما ستري. ربما خالف القرآن مبدأ عدم جواز ترجمة العلم الأعجمي كما ذكرنا آنفا، أعني إسقاط الأصل الأعجمي جملة والإتيان به مترجما، علي نحو ما فعل القرآن في أمثال "إدريس" و "ذي الكفل"، مما نتناوله فيما يلي من فصول هذا الكتاب. ولكن هذه أيضا من إعجاز القرآن . وسيأتي.

(3)

يكثر في العبرية – كما في الآرامية- التسمية بالفعل المضارع مسندا إلي المفرد الغائب، لا يعنون منها الفعل. وإنما يقصدون منها اسم الفاعل، وكأن"يقول" بمعني "قائل" و"يسمع" بمعني "سامع". ومن هنا كثرة العلم العبراني
المبدوء بياء المضارعة، ومثال ذلك "يصحاق" . (اسحاق في القرآن) مضارع الفعل العبراني"صحق"(وهي ضحك العربية)، التي لا يقصد منها الفعل "يضحك"، وإنما يقصد منها اسم الفاعل من "ضحك" ، أي "الضاحك"، وهذا هو اسم نبي الله اسحاق بن إبراهيم عليهما السلام، وقد سمي العرب بمعناه علي المبالغة، فقالوا"الضاحك".

(الصاد السامية، كالصاد العربية،ينطقها يهود العراق صادا علي أصلها، وهو الصحيح.ودع عنك ما تسمعه في العبرية المعاصرة من مثل نطق هذه الصاد بالحرفين ت س، كما في "يتسحاق شامير". تلك "صاد" تحورت عند يهود الشتات بالنطق الجرماني للحرف Z (tset) قارن أيضا "إيزاك"Isaac الفرنسية بمعنى إسحاق.)

وللتسمية بالفعل المضارع نظير باق في العربية، تجده في أمثال "يزيد" و "يثرب" و "ينبع". والأصل في هذا أن الفعل المضارع يتضمن معني الاستمرار، فيصلح للحال كما يصلح للاستقبال، والتسمية به تسمية علي التيمن والتفاؤل، أي "يضحك" وسيظل، فهو ضاحك وضحوك.
وقس علي ذلك أمثال"يعقوب" ومعناها العاقب، و"يوسف" بمعني يزيد.

****

والذي يستوقف النظر هو سكوت"علماء بني إسرائيل" الذين عاصروا القرآن وعايشوا مفسريه إبان الدولتين الأموية والعباسية عن "تصويب" ما وقع فيه بعض هؤلاء المفسرين الذين تصدوا بغير علم ولا سند لتفسير معانى الأعلام الأعجمية في القرآن - خاصة أعلام أنبياء بني إسرائيل وكلها عبراني - بالعربية وحدها، فقالوا علي سبيل المثال إن إسحاق من "السحق" ، ويوسف من "الأسف". ويونس من "الإيناس"، في حين أن أبسط علم بالعبرية - ناهيك بيهودي من أهلها- يكفي كي تعرف أن يونس يعني "حمامة"، وأن يوسف يعني يزيد، وأن إسحاق يعني ضحوك، لا سحق ثم ولا انسحاق.

وربما بلغ بك العجب وقد علمت أن من علماء بني إسرائيل هؤلاء من أسلم علي عصر الرسول حقا وصدقا فحسن إسلامه، بل ومنهم من زكاه الحق تبارك وتعالي فقال فيه : { وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ } (10) سورة الأحقاف
كما قال عز وجل : {أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاء بَنِي إِسْرَائِيلَ} (197) سورة الشعراء
فكيف سكت أمثال هؤلاء عن هذا العبث، وهم من هم في العلم بالعبرية التي يتدارسون بها التوراة؟
يدفع هذا الاعتراض أن تفسير أسماء الأنبياء لم يثر علي عهده صلي الله عليه وسلم، ولم يؤثر عنه في المسألة حديث صحيح، وإذن فلم يكن بأمثال ابن سلام ومن في طبقته ورتبته حاجة إلي الرد أو إلي التصويب.
أما من جاءوا من بعدهم، من يهود أسلموا فحسن إسلامهم، أو يهود أسلموا تقية ولما يدخل الإسلام في قلوبهم، أو يهود ظلوا علي يهوديتهم، فهولاء وأولئك فرق : الفرقة الأولي مسلم حسن إسلامه فانقطعت صلته بتوراته وعبريته، والثانية يهودي أسلم علي دخل يريد أن يترك وشأنه لا يزن بريبة فيبرأ من توراته ومن عبريته، لا يسمع له في المسألة قول وإن علم، والثالثة يهودي في دار إسلام انقطعت صلته بالعبرية ولم تنقطع بالتوراة، ولكنه لا يعلم التوراة إلا "أماني" أي تلاوة فحسب، لا يفقه كثيرا مما يردده في صلواته وأذكاره، شان مسلم فلبيني لا يعرف من العربية إلا "الفاتحة" التي لقنها في طفولته ليقرأ بها في صلاته، أو شأن قبطي في مطلع القرن الرابع الهجري لا يفهم إلا العربية وحدها يقرأ في صلواته من إنجيله اليوناني، مثل هذا ينأي بنفسه عن مواطن الزلل فيحاذر الخوض فيما لم يعد له به علم.
أما الفرقة الرابعة، المعنية باللوم، أو المعنية بالتساؤل، فهم أحبار اليهود، ورؤساء الملة، المتضلعون من العبرية ومن التوراة، المتقنون العربية كأبنائها ومثقفيها. لما سكتوا؟
أفلم يكن من بينهم من يعلم أن يوسف ليست من الأسف وإنما هي بمعني "يزيد"؟ أو ليس تفسير اسم يوسف واردا بنصه العبراني علي لسان والدته "راحيل" حين وضعته: "وتقرأ إت- شمو يوسف ليمر يوسف يهوا لي بن أحير" (يعنى) ودعت اسمه يوسف قائلة يزيدني يهوا ابنا آخر، أي "سميته" يزيد ويزيدني الله ابنا آخر" ؟(تكوين 30/24) هل سكتوا يأسا أن يصدقهم أولئك المفسرون، وقد وصم القرآن آباءهم من قبل بالكذب علي التوراة؟
أم سكتوا ضنا بعلمهم أن يعينوا أولئك المفسرين علي تصويب أخطائهم ، أي سكتوا ضغناً علي الإسلام وأهله أن يمنعوا من اللغو في قرآنهم؟
أم لم تكن لمفسري القرآن وأصحاب السير صلة بأحبار يهود؟
كيف ، وقد نقلوا عنهم ما نقلوه من "اسرائيليات" واضحة الزيف، ليس أقلها ما يروي عن "كعب الأحبار" من قوله في سورة" آل عمران" : اسمها في التوراة طيبة؛ فلا تدري- وليس في التوراة من هذا شئ- أساءت طوية كعب فقالها تملقا وتدليسا، أم قالها تعالما بما لا يعلم؟
قل في هذا أو ذاك ما شئت ، فقد كان من هؤلاء الأحبار مخلص ليهوديته، باق علي وهمه، القرآن عنده مدسوس كله علي الله عز وجل، حبذا لو لغا فيه بعض أهله، ولكنه يئس من مناطحة القرآن بالتوراة أو لعله جبن، فانصرف إلي توراته لا يسمع منه قول في غيرها. وكان منهم أيضا الذي كاد للقرآن وأهله، بكتمان ما علمه الله، أو بالتزييف علي التوراة، آمنا ألا يفضحه مسلم يجهل العبرية ويصدف عن مطالعة التوراة. وكان من هؤلاء الأحبار أيضا- لانشك في هذا – أولئك الذين وصفهم الحق تبارك وتعالي بقوله: "لا يعلمون الكتاب إلا أماني".
أما الذي يجب أن تعلمه أنت وتطمئن إليه، فهو أن التوراة في عصر تصنيف تفاسير القرآن، بل وإلي عصر جد متأخر، لم تحظ ببحث لغوي نقدي تحليلي جدير بهذا الوصف، وأن الذين ضربوا بسهم موفور في هذا البحث كانوا – علي عكس ما قد تظن – مسيحيين مؤمنين أو ملحدين يرون جميعا أن التوراة جزء لا يتجزأ من كتابهم المقدس،علي خلاف ما بينهم في التفسير بالهوي أو بالعقيدة. ولكن القرآن سبق ففصل. ليس "يوسف" من الأسف ، وليس بالضرورة "يزيد".

القرآن يدلك علي معنى آخر لاسم هذا النبي الكريم ، الذي ائتمر به أخوته فكان "ضيف" الله في "الجب"، وكادت له النسوة والتي هو في بيتها فكان "ضيف" الله في "السجن".وشاء عز وجل –بيوسف- أن يوطئ لبني إسرائيل في مصر كي يخرج من بينهم- وليس شئ علي الله بعزيز- من ينشأ في بلاط طاغوت علا في الأرض، يتخذه ولدا ليكون له من بعد عدواً وحزنا: يلتقط موسي من اليم ليدسه موسي في ظلمات اليم الأعظم، بعد أن أقام الله عليه الحجة: ما كان لرسالة موسي عليه السلام أن تولد في قصر فرعون لو لم يأت الله بيوسف من قبل "ضيفا"علي مصر عند ملك يستخلصه لنفسه فيقيمه علي خزائن الأرض ، ويستأذن يوسف الملك فيأذن له في الإتيان بأهله إلي مصر جميعا، ليتم الدور المقدور لهذا النبى الكريم:" ايواء" بني إسرائيل أو "حضانتهم" في مصر إلي حين، فتنة لفرعون سيأتي حينه، وارصادا له بنبي مصري ، من ذرية إبراهيم الآرامي – العبراني، عبر إسحاق، كما سيحدث بعد نحو ألفي سنة أو أقل، بنبي عربي من ذرية إبراهيم أيضا، عبر إسماعيل، صلوات الله وسلامه علي رسله وأنبيائه، يهدم به الله الطواغيت أجمع، علي فارق في مدي ما بين الرسالتين عظيم. نعم ، كان يوسف عليه السلام"ضيف" الله في مصر، وكان عليه السلام أيضا لبني إسرائيل في مصر "الآوي" المضيف .
وتندهش إذ تعلم كما ستري أن اسم النبى يوسف عليه السلام الذي ينطق في العبرية بكسر السين، يعني أيضا ، بنفس النطق في العبرية ، "الآوي" المضيف.
فأي ‘إعجاز ، وأي علم...

****

علي أنك قد تلتمس العذر لأولئك المفسرين الذين اعتمدوا في تفسير أسماء أنبياء بني إسرائيل علي المعجم العربى وحده، فالتشابه القوي بين جذور اللغتين من نفس الفصيلة – أي بين العربية والعبرية علي ما مر بك- مليء بالاشتباه، إن تصب مرة فقد أخطأت مرات. لا يكفي أن تكون لفظة "عين" العربية هي نفسها "عين" العبرية – الآرامية، كي تقرر دون تثبت، ودون الرجوع إلي المعاجم العبرية - الآرامية، أن اسم زوج إبراهيم عليهما السلام "سارة" من السرور، أو أن اسم نبي الله "نوح" عليه السلام من النواح، أو أن اسم "يوسف" عليه السلام مشتق من الأسف علي نحو ما قال بعضهم، كما مر بك. نعم، قد أصابوا في أن "يعقوب" من العاقبة ، وهو صحيح، ولكن ما كل مرة تسلم الجرة كما يقول المثل.

وانا أيها القارئ العزيز- إن كنت لا تعرف عبرية التوراة أو يونانية الأناجيل بما فى هذه وتلك من أعلام آرامية بل ومصرية أحيانا- لا اريد لك ان يفوتك شئ من حلاوة هذا البحث: أريد منك أن تشترط علي توثيق ما أحدثك به ، فلا أكيل لك القول جزافا آمنا ألا تكشف زيفي، لأنك لا تعلم شيئا من أمر تلك اللغات التي ذكرت لك. ليس هذا من العلم في شئ، وإنما هو من التدليس، كمن قال لك إن "إبراهيم" تعني "الأب الرحيم" لمجرد أنه يري أن "رحيم" العربية تقابل "رهيم" في الآرامية، ولا تملك ان ترد عليه ، فهي كما قال، لأنك لا تدري ما الخطأ وما الصواب في لغة لا تفهمها، ولا علم لك بأن "رهيم" هذه لا وجود لها في الآرامية ، ولا في العبرية كذلك، وأن "الرحمة" في هذه وتلك جميعا، بالحاء لا بالهاء، كالعربية تماما. كان علي مثل هذا القائل أن يدلك علام استند في اشتقاق تلك اللفظة التي ابتدعها في الآرامية ، أو علي معجم آرامي وجد جذرها فيه، أو علي موضع في التوراة (أو ترجمتها العربية) يفسر معني "إبراهيم" بالأب الرحيم. مثل هذا القائل الذي لا يحترم عقلك لا يصح أن توليه ثقتك، بل عليك أن تكون منه دائما علي حذر في كل ما يقوله لك.

***

علي أن القرآن لا يكتفي بتفسير أعلامه الأعجمية – موضوعنا في هذا الكتاب- ولكنه يفسر أيضا اللفظ العربي الأصيل المجعول في حكم العلم من مثل "الملك" واحد الملائكة صلوات الله عليهم، أو من مثل "الشيطان" ، إبليس اللعين، مما تفاوت اللغويون العرب في تحديد أصل اشتقاقه في العربية، ومن ثم تفاوتوا في تأصيل معناه، لا يقطعون فيه بيقين، ولكن القرآن سبق فحسم الخلاف، وأصل المعني.

ومن ذلك ما تلاحظه من تردد المعجم العربي في اشتقاق لفظة "الملك" واحد الملائكة ، أو مطلق جنس الملائكة ، هل هو من "الملك" و "الملكوت" ، أم هو من "الإلاكة" و "الملأكة"؟ إن كانت الأولي فهو الملك المملوك، وإن كانت الثانية فهو الرسول المرسل.

أما "الملك" في القرآن فهي تسميه بالمصدر "مفعل" من الجذر لأك ومقلوبه ألك ، فهو "الملاك" علي المصدر، بمعنى الرسالة والرسول، سهلت فيها الهمزة فصارت"الملك" .وهي نفسها علي التطابق في الآرامية والعبرية، بل وفي الحبشية أيضا، ملاك، بإثبات الهمزة وتسهيلها ، وتنطق في الآرامية والعبرية بالخاء: "ملآخ" و" ملاخ" لتحرك ما قبل الكاف كما مر بك . وعبرية التوراة لا تفرق بين "ملآخ" بمعني "الملك" وبين"ملآخ" بمعني "الرسول" . وإنما هما فيها واحد، كما تجد في سفر حجاي : "ويمر حجاي ملآخ يهوا بملأخوت يهوا" ، أي: وقال حجاي رسول الله برسالة الله" (حجاي 13:1) فتفهم أن "ملآخ" و "ملأخوت" العبريتين بمعني الرسول والرسالة، لا "الملك" أو "الملكوت". الملك والرسول إذن واحد في أصل معناهما، ولكن عربية القرآن تخصص لفظ الملك لرسل الله من أهل السماء، تفرقة بينهم وبين رسل الله من أهل الأرض، صلوات الله وسلامه علي ملائكته وأنبيائه. ولعلك تلمس هنا الدقة البالغة لهذا القرآن من نصه في سورة الأحزاب علي "خاتم النبيين" ولا يقول "خاتم الرسل"، ليس فقط اكتفاء بدلالة العام علي الخاص كما مر بك ، وإنما وبالأخص لأن محمدا صلي الله عليه وسلم إنما ختمت به الرسل من أهل الأرض فحسب، ولا ختام لرسل الله من أهل السماء أي الملائكة صلوات الله عليهم، لأن الرسالة بهم في ملكوت السموات والأرض لا تنقطع.

أما أسلوب القرآن في النص علي أن "الملك" معناها " الرسول"، فهو التفسير بالترادف علي التجاور ، كما تجد في قوله عز وجل :
{قُل لَّوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلآئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاء مَلَكًا رَّسُولاً} (95) سورة الإسراء ، في مقابل قوله عز وجل : { قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً} (93) سورة الإسراء
وقس علي ذلك قوله عز وجل : {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ } (75) سورة الحـج.
وإبدال "الرسل" من الملائكة مطلقا، أي إثبات "الرسل" في موضع الملائكة، في مثل قوله عز وجل:
{ حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ} (61) سورة الأنعام، { قُلِ اللّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ } (21) سورة يونس ، {وَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى } (69) سورة هود،
{وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا } (77) سورة هود الخ ، والرسل في هذا كله تعني الملائكة بلا خلاف.

أما لفظة "الشيطان" علماً علي إبليس اللعين، فقد اختلف اللغويون والمفسرون في نونه هل هي زائدة فتكون "شيطان" علي وزن "فعلان" من شاط يشيط شيطاً أي احترق، حُكما علي الرجيم بمآله، أم هي أصيلة فتكون "شيطان" علي وزن "فيعال" من شطن يشطن شطونا، أي بعد فهو الخاسئ المبعد، أو شطنه شطنا أي ناوأه وخالفه في القصد والوجهة، فهو المناوئ المعاند.
أما "سطن" العبرية- الآرامية ، ومنها "ساطان"، أي "شيطان" العربية، فهي في العبرية- الآرامية بمعنى المناؤئ المخاصم، أي العدو. والعداوة في الوادي وجانبه، تقف فيه قبالة الواقف في "العدوة" الآخري.
ولأن "الشيطان" عند الجاهليين لم يكن علما علي إبليس اللعين، وإنما كان مرتبطا في ذهنهم الوثني بنقيض معناه اللغوي، فكان عندهم بمعني الموالي المعين علي الإتيان بالأمر العبقري أو الطريف المعجب، كما تجد في مثل"شيطان" الشعر وغيره ، فقد ورده القرآن إلي أصل معناه في اللغة، أي العدو المناوئ المخالف. (قارن في اللغات الأوربية الحديثة Demon و Diable الفرنسيتين، الأولي بالمعني الحميد، كشيطان الشعر وغيره، والثانية الشيطان نفسه.)

أما أسلوب القرآن في تفسير الشيطان بالعدو، فهو إيراد اللفظتين علي التجاور في أكثر من آية :
{وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} (168-208) سورة البقرة، {إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} (5) سورة يوسف، {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ} (50) سورة الكهف ، {قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ} (15) سورة القصص، {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا} (6) سورة فاطر، {أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} (60) سورة يــس، {وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} (62) سورة الزخرف. وغيره كثير.

لو التفت اللغويون والمفسرون إلي هذا التنصيص القرآني علي معنى"الملك" ومعني " الشيطان" لما ترددت فيهما المعاجم، ولما تخبط المتحذلقون المتفيهقون. ولكن ... لم يفطن إلي هذا من اللغويين والمفسرين أحد.
هذا الجناس المعنوي المفسر. إعجاز مقصود. كما فات هذا الإعجاز مفسري القرآن من أهله، فقد أعتجم أيضا علي أدعياء الاستشراق المتطفين علي مباحث اللغة, الذين وهموا أن القرآن- علي أصالة لفظي" الملك" و"الشيطان" في العربية- استعارهما رأسا من "التوراة" علي العلمية المجردة من المعني في "ملآخ" و"ساطان". ولكنك لا تستكثر شيئا علي مرضي الهوى والغرض.

(4)

أما لب هذا الوجه من إعجاز القرآن. فمداره أيضا علي "العلم" : القرآن يعلم علماء التوراة والإنجيل، أحبار الآرامية والعبرية علي عصر النبي صلي الله عليه وسلم وفي كل عصر، السابق واللاحق، والخائضين في أسرار اللغة المصرية القديمة منذ القرن الماضي فحسب، علم ما لم يعلموه، أو ترددوا فيه، جهلوه أو أنسوه. ولعلك تذكر أن كفار قريش وأهل الكتاب في يثرب ونجران، شأنهم شأن أدعياء الإستشراق في هذا العصر، اتهموا القرآن بالأخذ من الكتب السابقة، وبالنقل عن الأحبار والرهبان، من يهود ونصارى . قالوا حين يتفق القرآن مع التوراة والإنجيل: سمع فأدى، ما أحفظه وما أوعاه؛ وقالوا عكس هذا تماما حين يعارض القرآن كتبهم التي بين أيديهم : تشوشت في ذهنه الأمور، واختلطت الرؤي والأحلام، وتحرفت عليه الوقائع والمواقع والأعلام؛ فما "آزر" هذا الذي يسميه أبا لإبراهيم وهو "تارح" ؟ أليس قد تحرف عليه إسم " لعازر" خادم إبراهيم فظنه أباه؟ وما "طالوت" تلك التي يسمي بها "شاؤل" ملك بني إسرائيل ؟ وما "مريم" أخت موسي وهارون التي يخلط بينها وبين "مريم" أم عيسي؟ أين ذهبت حافظته؟ أين إتقانه؟ وما شأن ذلك السامري الذي صنع العجل من ذهب لبني إسرائيل في التيه؟ ألم يلقنه الأحبار أن الذي صنع العجل هارون؟ وما باله ينكر الصلب علي "عيسي" ويثبت تشريف الله إياه برفعه إليه؟ أغاية همه تبرئة الطبقة التي ينتسب إليها - الأنبياء بزعمه – من الدنية والنقيصة، كما فعل في "سليمان" الذي أسجدته زوجته الوثنية للصنم فسجد، وأبى عليه هو ذلك، فقال في "قرآنه": "وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا" ؟ إلي آخر ما قالوه ، فخبوا وأوضعوا.

ولعلك تذكر أيضا رد القرآن علي هؤلاء الخائنين أنفسهم : جادلهم في دعوي النقل بمحض عربية القرآن، الذي تحدى العرب أنفسهم أن يأتوا بمثله أو بسورةٍ من مثله، فكيف بعيي أعجمي يلقنه أياه؟

ولعلك تعلم أيضا أن التوراة والإنجيل لم يترجما إلي العربية إلا بعد قرون من نزول القرآن، فمن أين أوتي العلم بهما؟
ومن أين له العلم بالعبرية واليونانية وهو يلحن في أسماء الأعلام ويخلط بين خادم إبراهيم وأبيه؟ كيف يسمعها "لعازر" وتتحرف عليه إلي "آزر" ؟ أثمة عربي لا يحسن نطق العين، أم إنجليزي هو أو فرنسي، تتحرف عليه "لعازر" إلي "لازار" ؟

والقرآن لا يلتفت إلي هذا الهراء ، ولكنه صفع المكابر المتعنت المتعالم بالقاطعة الباترة من قوله عز وجل :
{ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} (66) سورة آل عمران.
وقد كان من بين الذي علمه الله ولم يعلموه ، "آزر" هذه نفسها التي يحاجون بها القرآن ، كما سترى.

*******

أما الذي لا يعلمه كثيرون ، فهو أن علماء الآرامية والعبرية الذين عابوا "آزر" علي القرآن ، لا يعرفون إلي اليوم معني" تارح" إسم أبي إبراهيم في التوراة، لا يهتدون إلي الجذر المشتق منه في الآرامية والعبرية ، ولا يتفقون علي معني "إسرائيل" شهرة يعقوب عليه السلام، ويسيئون فهم معني اسم "موسي" عليه السلام بإصرارهم علي تفسيره بالعبرية " موشيه" علي زنة الفاعل في العبرية من " مشا" (ومقابلها في العربية مسا / يمسو بمعني سل أي أخرج، ومنه مسا الناقة يعني أخرج الولد من بطنها ميتا) فيخطئون النحو العبري، لأن مرادهم من التسمية أنه " الممسو" ( من الماء، إشارة إلي إلتقاط آل فرعون إياه من اليم) لا "الماسى" ( والماسي هو فرعون وآله لا موسى) ، والتسمية بالفاعل علي قصد المفعول غير واردة في العبرية، فالتفسير مفتعل. وهم أيضا لا يقطعون برأي في معني "هارون" ( أهارون في العبرية) اسم أخي موسي عليهما السلام، هل هو من الخفة والنشاط (من الجذر "أرن" ) أم هو من العلو والاستكبار والنفج (من الجذر"يهر") إلي آخر ما نعرض له فيما يلي من فصول هذا الكتاب، استكشافا لمعني العلم العبراني في القرآن. والذي يجب أن تعرفه أيضا، وبالأخص، أن أقدم نسخة للتوراة التي بين يديك لم تكتب علي عصر موسي وخلفائه، ولم تكتب علي عصر داود وسليمان، وإنما كتبت "من الذاكرة" بعد هدم الهيكل وعودة اليهود من سبي بابل. وأيا ما قلت في أمانة الكاتب وحفظه وتقواه، فأنت لا تحيل عليه الخطأ في الحرف والكلمة : آية ذلك ما تجده في حواشى التوراة العبرانية تعليقا علي صحة النطق في بعض الكلمات بعبارة: "كثيف .......... : قري .. ، من مثل "(أي كُتبت كذا وتُقرآ كذا) . ومن ذلك أيضا التردد في هجاء بعض الأعلام، من مثل " يوسف" ، التي كتبت "يهوسف" مرة واحدة لم يعلق عليها أحد. والذي يجب أن تعرفه أيضا أن النص العبراني للتوراة التي بين يديك، والذي مر بك أنه مستنسخ من الذاكرة إثر عودة بني إسرائيل من سبي بابل بعد حوالي ثمانية قرون من وفاة موسي عليه السلام. ظل أيضا نصا غير معجم، أي غير مقيد بالشكل والنقط ، يلحن فيه قارئه، مثقفا وغير مثقف، لا سيما بعد تراجع العبرية علي الألسنة وحلول الآرامية محلها في ربوع فلسطين منذ القرن الثالث قبل الميلاد. وقد تصدى لتحقيق النص بالنقط والشكل والتعليق علي صحة النطق، في مدي ثمانية قرون، من القرن الثاني الميلادي إلي القرن العاشر، طائفة يدعون" يعلي ماسورا" أي "أهل الإثر" ، حفاظ المأثور المتلقن.

ولك أن تتصور ماذا يمكن أن يحدث لنص أعيدت كتابته من الذاكرة بعد وفاة موسي عليه السلام بحوالي ثمانية قرون، غير مضبوط بالشكل والنقط. وظل كذلك ، إلي القرن الثاني لميلاد المسيح، واستغرق" تحقيقه" بالشكل والنقط والتعقيب ثمانية قرون أخري فما اكتمل إلا في القرن العاشر الميلادي.
هذا وذاك يقوي لديك شبهة وقوع الإضافة والحذف في النص الذي بين يديك. أما الحذف، فهذا ما لا سبيل لك اليوم إلي إثباته. وأما الإضافة ، فإثباتها هين بين، تحفظ المسيحيون من قبل علي بعضها بالنسبة إلي أسفار برمتها سموها "أبو كريفا" أي المنحولة، وتستطيع أنت التحفظ علي كثير مما تضمنه صلب أسفار موسي الخمسة نفسها من سفاسف وشناعات لا يقبل ورودها في نص إلهي مقدس، ليس أشنعها زني بنتي لوط بأبيهما ليكون له منهما "نسل" كما مر بك. وهو يقوي لديك أيضا شبهة صرف النص في بعض مواضعه - بمجرد النقط والشكل – عن أصل معناه. وهو يقوي لديك أخيرا- وهنا بيت القصيد في مقاصد هذا الكتاب الذي نكتب – احتمال وقوع التحريف في نطق الأسماء الأعلام.

وتستطيع أن تقول الشئ نفسه – أو قريبا منه- في الأناجيل الأربعة المتدوالة، التي لم يخطها عيسي عليه السلام بيده، كما خط موسي عليه السلام بأزميله في الألواح، لولا أن أصحاب هذه الأناجيل لا ينسبونها ابتداء إليه، أي إلي عيسى عليه السلام: لم يملها عليهم، ولم يراجعوها عليه، وإنما هم ينسبونها إلي ذات أنفسهم، كتبوها من الذاكرة أيضا بعدما تمادت بهم السن، أو كتبها آخذون عنهم لم يروا المسيح ولم يسمعوا منه. وهؤلاء وأولئك لم يكتبوا ما نطق به المسيح بلغته (الآرامية – العبرية) وإنما ترجموا ما وعوه إلي لغة ليسوا من أهلها (اليونانية)، لا تستثني "لوقا" الطبيب اليوناني، لأنه بنى إنجليه علي ما سمعه منهم مترجما إلي اليونانية من قبل. وهذا يفسر لك بعض أخطائهم في الترجمة، سواء في ترجمة ما استشهدوا به من التوراة العبرية في الأناجيل اليونانية، أو في اختيار اللفظ اليوناني المناسب للمقابل العبري أو الآرامي هذا هين إثباته : ما عليك إلا أن تطابق اقتباسات الأناجيل من " العهد القديم" علي التوراة التي بين يديك. من ذلك ما تجد في سفر ملاخي من قوله : " ها أناذا أرسل ملاكي يهيئ الطريق أمامي" (ملاخي 3/1) المقتبسة في الأناجيل بعبارة: " ها أنا أرسل أمام وجهك ملاكي الذي يهيئ طريقك قدامك" (لوقا 7/27) مع تحفظنا علي ترجمة ملاخي في هذا النص إلي ملاكي العربية ، التي يعني بها المقتبس، يوحنا (أي يحيي عليه السلام ) نفسه، ويوحنا رسول أو نبي باتفاق لا ملك أو ملاك . علي أن الاقتباس ضعيف في أصله، لن ملاخي النبي كان يعني بها نفسه في النص التوراتي، لأن اسمه العبري هو نفسه نطقا وكتابة "ملاخي" التي تعني في العربية " ملاكي" أو "رسولى" ومثلها " انجلوس" Angelo's" اليونانية في الاقتباس الإنجيلي .

لقد ظنوا "باتر" ، Pater اليونانية (أي " الأب" الوالد لا غير) تصلح ترجمة للفظة "آب" العبرية – الآرامية حيثما وردت، علي ما بينهما في مجاز اللغات السامية ومنه معنى الفاطر المنشئ البارئ. وظنوا باسيليا Basileia اليونانية (وهي الملك والملكة) تصلح دائما أبداً لترجمة اللفظين العبريين الآراميين " ملخوت" و"ملاخوت" علي السواء، الأولي بمعني الملك والملكوت، والثانية بمعني الرسالة والرسول (علي ما مر بك في مقابلهما العربي) ، فيتجافي بك المنطق أن تفهم عبارة من مثل: "من يسمع كلمة الملكوت ولا يفهم، (متي 13/19)، إلا أن يكون أصلها: " من يسمع كلام الرسول"، أو مثل عبارة: "فصلوا أنتم هكذا: أبانا الذي في السموات؛ ؛ ليتقدس اسمك ؛ ليأت ملكوتك"؛ (متي 6/9 و 10) التي تقرؤها فيأخذك العجب: وهل ملكوت الله عز وجل إلا حاضر في كل آن؟ أليس قد قال عليه السلام في تلك الأناجيل نفسها: "ملكوت الله فيكم" (لوقا 17/21) يعني نفسه، أي الرسول والرسالة؟ إذن فما معني طلبهم في صلواتهم : " ليأت ملكوتك ؛" ؟ أليس الأرجح أن يكون معناها : " ليأت رسولك؛"؟ يعني محمداً صلي الله عليه وسلم ، الذي بشر به عيسي عليه السلام مصداقاً لما جاء في القرآن علي لسانه : { وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ } (6) سورة الصف. نعم ، قد استفاد من هذا – وغيره كثير- بطاركة يونانيو اللسان ذهبوا إلى "مجمع نيقية" عام 325م لإقرار ألوهية المسيح، علي نحو ما تعرف من عقيدة التثليث، أو " الثلاثة في واحد"، التي يدين بها المسيحيون إلى اليوم، ولكنه وضع مترجمي الأناجيل إلي مختلف اللغات، ومنها العربية بالطبع ناهيك بالمفسرين، في عسر شديد، من ذلك عبارة " وبعدما أسلم يوحنا جاء يسوع إلي الجليل يكرز ببشارة ملكوت الله" (مرقس 1/14) وأصل عبارة " يكرز ببشارة ملكوت" في إنجيل مرقس اليوناني Kerusson to euaggelion tou theou ومعناها بنفس ترتيبها اليوناني " مبشرا بإنجيل الله"، ليس فيها " ملكوت" ، وليس فيها أيضا "بشارة" : أضاف المترجم "ملكوت" من عنده ليمنع إضافة البشارة إلي الله ، وترجم euaggelion ( وتنطق إيفانجليون) إلي " بشارة" . أما " يكرز" في النص العربي فليست عربية ( و بمعني أدق ليست هي يكرز العربية بمعني يلجا ويعتصم) . وليست هي أيضا عبرية، بل ليست سامية ،وإنما هي آرامية منحولة عن الفارسية ، التي جاءت منها Kerusson اليونانية بمعني يعلن ويبشر (قارن herald الإنجليزية ) ، ولكن المترجم العربي اضطر إلي استعمال تلك اللفظة الآرامية المنحولة كراهية التكرار في النص العربي ، كأن يقول "يبشر ببشارة" وهو ممجوج.. العبارة إذن في النص اليوناني ليست "يكرز ببشارة ملكوت الله" وإنما هي ببساطة "يبشر بإنجيل الله" . ولكن إضافة الإنجيل إلي الله تسبب مشاكل لا تخفي، إذ ما هي تلك البشارة التي هي لله؟ إنها الإنجيل نفسه، أي "إيفانجليون" اليونانية ، التي يفسرونها بالخبر السار؟ أو البشارة ومن قال إن (angelion + eu) اليونانية تعني الخبار السار؟ أليس "أنجليون" angelion اليونانية معناها الرسالة والرسول مثلها مثل "ملآخوت" الآرامية – العبرية، ومنها " أنجلوس" angelos يعني الملك ، أي الرسول؟ إلا إذا ظننت أن اليونان يسمون الملك "المخبر"، وهذا غير صحيح بالطبع. ومن قال إن المقطع اليوناني (eu) يعني "السار" ؟ ليس له بالسرور أدنى صلة . وإنما معناها حين تكون بادئة في الكلمة، " المرضي المحمود"، كما في (eulegein) اليونانية ، بمعني حمده وأثني عليه. ولو ترجمت " إيفانجليون" اليونانية إلي العبرية (وأنت تعلم أن أنجليون تعني الرسالة) لقلت "ملآخوت حمد" . أفيكون المعني "رسالة أحمد" ؟ ربما.

ليس لديك الدليل في هذه أو في غيرها: ليس لديك النص الأصلي لأقوال المسيح عليه السلام بلغته ولغة قومه (العبرية – الآرامية). وإنما لديك ترجمة يونانية لعبارات ربما قالها عليه السلام، ولكنك لا تقطع بصحة الترجمة إلا أن تطابقها علي الأصل العبري- الآرامي، وهو غير موجود للأسف.

ومهما سلمت بأن رسل الله جميعا قادرون علي الحديث بكل لغة يلهمون الحديث بها، فأنت تحيل علي المسيح عليه السلام أن يتحدث مع المرسل إليهم وإلي أهله وعشيرته وحوارييه بلغة يونانية لا يفهمونها ، لا سيما حين يتحدث في صلب الرسالة والعقيدة. من ذلك حديثه علي السلام عن الذي يأتي بعده، الذي إن لم يذهب. لا يجئ . أعني "الفرقليط" Parakletos في الأناجيل اليونانية) غير الموجودة أصلا في لغة اليونان قبل عصر المسيح ، والتي حار في فهمها تراجمة الأناجيل إلي مختلف اللغات ، هل هي المعزي أم الناصر أم الشفيع أم المحامي. والأصوب أن يقال إنها عبرية آرامية ، تركت في إنجيل يوحنا اليوناني علي أصلها ، بعد تهذيبها إلي صورتها اليونانية Parakletos نحوا ونطقا : إنها إذن إسم مزجي مركب " فرق + ليط " (التي تنطق فاؤها البادئة في العبرية – الآرامية باء ثقيلة "P" كما مر بك) فهي " برقليط" آراميا وعبريا. الشق الأول "فرق" جذر آرامي- عبري بمعني حط عنه ووضع، أي حط عنه الذنب أو الخطئية (قارب "فرك" العربي بمعني حكة ليزيل عنه وسخاً علق به). والشق الثاني من الجذر العبري الآرامي "لاط / يلوط " بمعني ستره وحجبه وغطاه (قارن "لاط /يلوط"، لط/ يلط" العربيتين بمعني ستره وأخفاه) , أو هي بمعني لزق به وعلق (وهي " لط" العربية أيضا) كما يعلق الذنب وتعلق الخطيئة . الشق الأول "برق" ينطق "بارق" (بإطالة مد كسرة الراء) زنة الفاعل آراميا من "برق"، فهو الحاط الواضع الكاشف، والشق الثاني" لاط" ينطق " لايط" ( بإطالة مد كسرة الياء)، زنة الفاعل آراميا أيضا من "لاط". فهو في الأصل "بارق+لايط، يعني " كاشف الحجاب" أي " كاشف الغشاوة " (ولالكاشف من أسمائه صلي الله عليه وسلم)، أو هو " واضع الذنب والإصر"، ولكن المزجية أحالت النطق إلي " برقليط" (مداً بالكسر لا بالياء). يقوي هذا الفهم بشاهد من أهلها وجود "برقليط" هذه ( مداً بالياء لا بالكسر) في العبرية المعاصرة بمعني المحامي الذي يقف إلي جانبك يحاول " إساقط" التهمة عنك، والتهمة هي مظنة الخطأ و الذنب . " الفرقليط" إذن هو " واضع الإصر" أي محمد صلي الله عليه وسلم...
{ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ } (157) سورة الأعراف والإصر من معانيه "الذنب" كما تقرآ في تفسير القرطبي.

*******

انقطعت سلسلة السند إذن في التوراة وفي الإنجيل . ولكن الانقطاع في الإنجيل أفدح . لأن القائل في الإنجيل رواة يتحدثون غير اللغة. يزيد من فداحة هذا أن الإناجيل كثيرة، قاربت فيما يروي ثلاثمائة إنجيل تتفق وتختلف، اعتمدت منها الكنيسة بعد استقرار عقيدة التثليث تلك الأناجيل الأربعة التي بين يديك لا سبيل لك اليوم إلي ما كان في غيرها ، فقد حرمت وطوردت وأعدمت بل حتي ما ظهر منها بعد ذلك ، كالإنجيل المسمي " برنابا" المكتشف حوالي القرن الثامن عشر بلغةٍ إيطاليةٍ تسكانية، مهما اتفقت كمسلم مع الكاتب في مضمونه، لا تستطيع الارتفاع بنسبة ما جاء فيه يقينا إلي المسيح عليه السلام، لا لشئ إلا لكونه مكتوبا - علي الترجمة – بلغة غير لغته عليه السلام، شأنه شأن الأناجيل الأربعة المتداولة نفسها . لا أكثر ولا أقل!

وليس كذلك " القرآن" ، المقطوع من الخصم ومن الصديق علي السواء بنسبة تلاوته إلي محمد صلي الله عليه وسلم بنصه " العربي" الذي بين يديك الآن ، لا خلاف علي حرفه ولفظه ، المكتمل نزوله حوالي سنة 632م ، وتلاه صلي الله عليه وسلم الآية بعد الآية، والسورة بعد السورة ، علي الكاتبين من صحابته، يكتبون ويراجعون عليه ما كتبوا، والمجموع في المصحف الذي بين يديك مراجعا علي حفاظه وكتبته ولما ينفض عقدان علي وفاته صلي الله عليه وسلم . نعم لم يكن " المصحف الأم" مصحف عثمان ، مضبوطاً بالشكل والنقط ، ولكنه "مقروء" عليه هو نفسه صلي الله عليه وسلم بقراءة أقرها، كل ما عداها مردود. ولم يظل "مصحف عثمان" غير مقيد بالشكل والنقط حوالي 2200 سنة كما وقع لتوراة موسي عليه السلام ، وإنما ضبط بالشكل والنقط علي عهد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان ولما تنقض سبعون سنة علي وفاة النبي صلي الله عليه وسلم. وهو لم يضبط بالشكل والنقط علي عصر اضمحلال الفصحي وتراجعها علي الألسنة ، كما وقع لعبرية التوراة منذ القرن الثالث قبل الميلاد بعد حوالي ألف سنة من نزول التوراة، ولكنه ضبط بالشكل والنقط وعربية القرآن هي لغة الخاصة والعامة ، بل وهي مقياس عربية العرب.

نعم، يستطيع المكابر المعاند أن ينكر الوحي علي القرآن، شان كل كافر بوحي السماء، ولكنه لا يستطيع التسليم بالوحي لما بين يديه من الكتب السابقة وهو ينكر الوحي علي القرآن، لأن إنكار الوحي علي القرآن إبطال لدعوي الوحي كله: قد ضاعت أدلة الوحي الأول بضياع معجزات الأنبياء السابقين، وبقي القرآن – المعجزة بذاته – شاهدا أوحد علي معجزات كل من سبقوه.

وتستطيع أيضا – منصفاً غير متعنت – أن تدفع بانقطاع السند في التوراة والإنجيل اللذين بين يديك. وتستطيع أيضا- مصيبا غير مخطئ - أن تدفع بضياع الأصل الآرامي- العبري الذي ترجمت عنه أقوال المسيح عليه السلام في تلك الأناجيل اليونانية الأربعة. بل وفي إنجيل برنابا أيضا. ولكنك لا تستطيع أن تفعل هذا أو بعضه مع القرآن إلا وأنت موتور، غير مصيب: لا شك في حرف واحد من حروف القرآن... الأصل، واللغة، والسند... من هنا تفهم قوله عز وجل في وصف القرآن: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ } (48) سورة المائدة ، يعني القرآن يصدق "ما صدق" في التوراة والإنجيل، أي هو الشاهد لهما بالصواب حين الإصابة ، أما عند الاختلاف فالقرآن هو المصوب الفيصل البات، قوله الحق.

وتستطيع أن ترتب علي هذا أيضا أن القرآن لا يحاج بما في التوراة والإنجيل، ولكنهما هما اللذان يحاجان به عند الاختلاف. قال عز وجل : {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ } (46) سورة العنكبوت.

(5)

يجئ العلم الأعجمي في القرآن علي ثلاثة أنواع : علم الذات ، و علم الجنس ، وعلم الموضع...
أما " علم الذات" فهو أسماء الأشخاص، ملائكة وأنبياء وصديقين، وملوكاً وجبابرة وطواغيت ، وربما أضفت " إبليس" اللعين- هامة العصاة – إن سلمت بعجمة " إبليس" وسيأتي.
وأما " علم الجنس" فهو أسامي القبائل ، منها بائد كعاد وثمود، ومنها الذي غيبه الغيب كيأجوج ومأجوج، وأسامي الشعوب، ورد منها في القرآن " الروم". وربما أضفت أهل الملل علي النسب. اليهود، والنصاري، والصابئين، والمجوس. ولكنك تضيف حتما تحت " علم الجنس" أسامي كتب ثلاثة : التوراة والزبور والإنجيل، علي خلاف في عجمة الزبور.
أما " علم الموضع" فأسامي الأماكن والبلدان، أمثال مصر ومدين وإرم (ذات العماد). وربما جازت إضافة "فردوس" و "عدن" استقصاء لشبهة عجمتهما، وربما أيضا "جهنم" (المقول بأنها "جي – هنوم" العبرية).
وفي باب العلم علي الذات ، تندرج أسامي الملائكة رضوان الله عليهم، وقد سمي القرآن منهم خمسة : جبريل، ميكال، مالك ، هاروت ، ماروت ، ولا يعلم جنود ربك إلا هو.
وتندرج في باب العلم علي الذات أيضا أسامي الأنبياء والصديقين رضي الله عنهم ورضوا عنه، بدءا بآدم أبي البشر وانتهاء بعيسي المبشر بخاتم النبيين، صلوات الله وسلامه علي رسله وأنبيائه ، وهم : آدم ، ادريس ، نوح ، هود ، صالح ، شعيب، إبراهيم، لوط، إسماعيل، إسحاق، يعقوب، (وشهرته إسرائيل)، يوسف ، موسي، هارون، داود، سليمان، إلياس، اليسع، ذو الكفل، يونس ، أيوب، عزير، لقمان، زكريا، يحيي ، مريم، عيسي، فهؤلاء سبعة وعشرون شخصا علما، علي خلاف في نبوة بعض وصديقية بعض، وفي عجمة الاسم وعربيته، تزذاد إلي ثمانية وعشرين بإضافة "اسرائيل" شهرة يعقوب عليه السلام.
أما الملوك والجبابرة ، فمن أعجميها في القرآن اثنان: طالوت، ملك بني إسرائيل، (شاءول في التوراة). جالوت، جبار الفلسطينين، (وهو في التوراة جليات).
وأما المقبوحون في الدنيا والآخرة، الكفرة البغاة الطغاة، فقد سمي القرآن منهم أعلاماً أربعة : آزر، فرعون، هامان، قارون، وربما أضفت رأس الضلالة إبليس اللعين، استقصاء لعجمته، فيكون مجموعهم خمسة أعلام.

وأما العلم علي الجنس في أعجمي القرآن، فمن القبائل أربعة : عاد، ثمود، مدين، يأجوج، مأجوج، ومن الشعوب واحد : الروم. ومن الكتب ثلاثة : التوراة، الزبور، الإنجيل (وإن كانت الزبور عربية كما ستري) .وربما أضفت علي النسب أهل الملل الأربع : اليهود، النصاري، الصابئين، المجوس، فيكون مجموع هذا الصنف اثني عشر علما.
ولما نذكر في علم الجنس" سبأ" ، كما لم نذكر في علم الذات " تبع" ملوك اليمن ، لعربية هذين العلمين بلا خلاف.

أما علم الموضع، أي اسامي الأماكن والمواقع، والمنازل والقري والبلدان، فمن الأماكن والقري والبلدان أربعة: بابل، إرم ، مصر، سيناء. ومن المواقع واحد: الجودي (مرسي نوح). ومن المنازل ثلاثة : الفردوس ، عدن، جعلنا الله من أهلهما بمنه وفضله، و .... جهنم، أعاذنا الله منها . فيكون مجموع هذا الصنف ثمانية أعلام.

ويلاحظ أنه لم يرد في القرآن من أعلام النساء سوي اسم واحد، هو مريم أم عيسي عليهما السلام(لا أخت موسي وإن تشابه الإسمان)... ولكن القرآن أشار إلي نساء أخريات علي النسب إلي الابن أو الزوج، وهن خمس : ثلاث فضليات، أم موسي، امرأة فرعون، امرأة عمران (جد عيسي، وليس أبا موسي وإن تشابه الإسمان)، وثنتان من الحائنات ، امرأة نوح، امرأة لوط، وليس في المنسوب إليه علم جديد يضاف إلي ما ذكرناه سوي عمران جد المسيح صلوات الله عليه وعلي رسل الله أجمعين.

وهذا يرتفع بالعلم الأعجمي، أو المقول بعجمة أصله، الذي نعرض له في هذا الكتاب، إلي واحد وستين اسماً علما.

(6)

الأعلام الأعجمية المذكورة في القرآن ورد أغلبها علي أصل لفظه الأعجمي في أسفار اليهود والنصارى، أو –اختصارا- في التوراة والإنجيل.
وقد ضم المسيحيون أسفارهم إلي أسفار اليهود (علي خلاف بينهم في إنكار بعض وإضافة بعض) في مجلد واحد من جزأين هما " العهد القديم" (التوراة) و"العهد الجديد" (الإنجيل)، تحت اسم "الكتاب المقدس" (لذا خص القرآن أهل الملتين باسم "أهل الكتاب" لا يدخل فيه غيرهم)، سلموا لهما جميعا بالوحي من الله، ليس فقط لأن اللاحق يبني علي السابقة فحسب كما مر بك، وإنما أيضا وبالأخص إتباعا لقول المسيح عليه السلام في الأناجيل : ما جئت لأهدم الناموس (أي التوراة)، وإنما جئت لأكمل (أي بالإنجيل).
أما اليهود فهم بالطبع لا يسلمون بالوحي لكتابات"العهد الجديد"، وإلا لما بقوا علي يهوديتهم. وهم لا يسلمون بالوحي أيضا لأسفار أضافتها الكنائس المسيحية إلي أسفارهم المعتبرة عندهم (علي خلاف في هذا بين الكنائس المسيحية ومثاله سفر " يشوع بن سيراخ" الذي ينكره اليهود وتعتبره الكنيسة الكاثوليكية ، ولا تعتبره الكنيسة القبطية الأرثوذكسية).
وقد توقفت "النبوات" في بني إسرائيل قبل قرون من مولد عيسي عليه السلام. ومن هنا يفهم خلو أسفار التوراة من النص علي أعلام المسيحية الأربعة: زكريا، يحيي (يوحنا) ، مريم ، عيسي ، عليهم السلام. ولم تذكر أيضا عمران جد عيسى.

******

ويلاحظ أن أسفار "العهد القديم" (أي التوراة) مكتوبة كلها بالعبرية، ما عدا أجزاء قليلة كتبت بالآرامية رأسا أو متأثرة بها، منها عبارات في سفر التكوين نفسه، أول أسفار العهد القديم، ومنها بعض إصحاحات متفرقة في أسفار ثلاثة هي أسفار ارميا، ودانيال، وعزرا (عزير في القرآن). وإذا علمت أن عزرا، كاتب "شريعة الله" بعد سبي بابل - كان من أعلام القرن الخامس قبل الميلاد، فقد علمت مدي طغيان هذه الآرامية علي ألسنة الناس، حتي حلت تماما أو تكاد محل العبرية في ربوع فلسطين منذ ثلاثمائة سنة علي الأقل سبقت مولد المسيح، فكان بها جل كلامه عليه السلام.
ولكن أسفار "العهد الجديد" لم تكتب بالآرامية أو العبرية أو بمزيج من هذه وتلك، وإنما الموجود منها بين يديك الآن مكتوب كله- عدا بضع كلمات آرامية أو عبرية- بلغة "يونانية " متأخرة، تعرف باليونانية " الكنسية" ، لاصطناعها ألفاظاً وتراكيب لم تسمع في اليونانية قبل عصر المسيح. ومهما قيل من أن انجيل "متي" وبعض رسائل الحواريين والآخذين عنهم قد كان لها أصل عبراني ترجمت منه إلي تلك " الأصول" اليونانية التي بين يديك ، فهذا الأصل "العبراني" مفقود، لا سبيل لك إليه لتطابقها عليه : ليس لديك من " العهد الجديد" سوي هذه الأصول اليونانية التي بين يديك ، وترجمات منها مباشرة إلي مختلف اللغات.

***

ولئن كان موضوع " العهد الجديد" هو رسالة عيسى عليه السلام، آخر رسل الله إلي بني إسرائيل، فهو لا يسمي فقط أعلام المسيحية المذكورين في القرآن، ولكنه يتحدث أيضا بالتوراة فيذكر بعضا من أعلامها الذين سماهم القرآن. ولأن " العهد الجديد " يوناني اللسان، فهو حين يذكر أعلاما من التوراة يسميهم بالطبع علي اللفظ اليوناني ، لا اللفظ الآرامي- العبري. ومن هنا اختلاف نطق العلم " الانجيلي" عن سميه في التوراة.
من ذلك أن اليونان لا ينطقون الشين، فابدلوا كل شينات التوراة سينا. واليونان أيضا لا يستطيعون الحاء والعين. ويهمسون الهاء، فأهملوها جملة، إلا أن تكون الحاء والعين بادئتين، فتبدل منهما الهمزة، وفي اليونانية كذلك علامات " إعراب" ، منها إضافة السين للرفع وإضافة النون للنصب، فتظهران هذه أو تلك في نهاية الاسم العلم بحسب موقعه من "الإعراب" في الجملة، ويظنها من لا يعرف أصل الاسم جزءا منه: فعلوا هذا في أعلام التوراة وفي أعلام الإنجيل. من ذلك "يونا" (يونس في القرآن)... يونانيتها "يوناس" Ionas ( السين للرفع) وهي نفسها "يونان" التي قرؤها في الترجمات العربية للعهد الجديد، أخذوها بصورة الاسم منصوبا. من ذلك أيضا "يوحنا" (يحيي في القرآن): ذهبت حاؤه، وأضيفت سين الرفع فصار Ioannes أي "يؤنس". ناهيك بالاسم العلم الأكبر في المسيحية ، عيسى عليه السلام، وأصله العبري "يشوع" فصار "يسوس" في الرفع، و" يسون" في النصب، و "يسو" في غير ذلك.
رغم أن " مسيحي الشرق" ساميون يستطيعون نطق أعلام الإنجيل علي أصل لفظها العبري- الآرامي، فقد التزموا في حالات كثيرة الاقتراب من رسمها اليوناني في العهد الجديد، ضاربين صفحاً عن أصلها العبري- الآرامي، وإن خالف الرسم اليوناني أصل الاسم في التوراة. وما كان لك أن تتوقع غير هذا وهم يقرأون في صلواتهم من إنجيل يوناني، يحتاج فهمه وتدارسه إلي علم كاف بتلك اللغة.

وقد كانت اليونانية هي اللغة " الرسمية " للكنيسة طوال قرون المسيحية الأولي: بها كتبت مباحث اللاهوت، وبها دارت المناظرات واحتدم الجدل . أضف إلى هذا – بل قل قبل هذا – الرغبة في " التبرك" الناشئ عن التقديس، علي كتبة الإناجيل، وهو يرتب علي هذا أن الله هكذا تكلم، أو هكذا أوحي، بتلك الاعلام في لفظها اليوناني وبرسمها المكتوب في تلك الأناجيل اليونانية ، أو في أقل القليل أن الانجيلي، " كاتب الوحي" ، كتب ما كتب و " روح القدس" عليه، إنه إذن كلام مقدس لا بمصدره فحسب، وإنما بأصل لفظه أيضا في رسمه اليوناني الذي جري به قلم الكاتب. ولعلك تعلم أيضا أن أسفار" العهد القديم" ، أي أسفار التوراة ، قد كانت لها قبل عصر المسيح ترجمات إلي اليونانية أشهرها قاطبة الترجمة السبعينية، التي سبقت مولد المسيح بنحو ثلاثة قرون، موجهة إلي يهود الاسكندرية ومتهوديها، وإلي من "تأغرق" منهم في غيرها، الذين أنسوا عبرية التوراة. وقد تضمنت الترجمة بالطبع تحويل صورة العلم التوراتي عن أصله العبري- الآرامي إلي " صورة" يونانية ، جرت بالتأكيد علي ألسنة " متأغرقي" اليهود لا في أوربا فقط بل وفي مصر والشام أيضا.
وتستطيع أن تقول – مصيبا غير مخطئ – أن كتبة الأناجيل اليونانية استفادوا من هذا الرسم اليوناني" الجاهز" في الترجمة السبعينية فنسجوا علي منواله في " العهد الجديد". وتستطيع أن تقول أيضا إن كتبة الإنجيل حين اقتبسوا من التوراة نصوصاً يستشهدون بها في العهد الجديد. لم يرجعوا إلي أصل التوراة العبراني، وإنما رجعوا رأساً إلي تلك "السبعينية"، يستقون منها ترجمتهم اليونانية لما أرادوا اقتباسه من التوراة . وهذا يفسر لك سببا من أسباب عدم تطابق بعض تلك الاقتباسات مع أصلها في التوراة كما مر بك ، لأن في " السبعينية " أخطاء استدركت بعد عصر المسيح بقرون.

ولأنك – مسيحيا كنت أو مسلما – تحيل علي المسيح صلوات الله عليه أن يخطئ في الاقتباس من التوراة في عبارات نسبت الأناجيل اقتباسها إليه، فليس أمامك إلا التسليم بأن كتبة الأناجيل اليونانية كتبوا ما كتبوه بوحي من ذاكرة تسعف وتخون، أو رجعوا إلي الأصل العبراني ولكنهم لم يحسنوا الفهم أو الترجمة، أو تعجلوا فاستخدموا ترجمات يونانية جاهزة شاعت من قبل، أو أنهم كتبوا لجمهور يوناني اللسان، جادلوه بما يقرأ من ترجمات يونانية للتوراة في السبعينية أو في غيرها. وربما اشتطت بك الغلواء فقلت إن كتبة الأناجيل اليونانية الأربعة أو معظمهم، وبالذات لوقا ويوحنا، ما كانوا يتقنون العبرية شأنهم شأن يهود مصر والشام علي عصر المسيح، وما كانوا بالتالي يقرأون من توراة عبرية، بل من ترجمات لها. هذا وذاك أبرأ لدينك من أن تقول أصاب كتبة الأناجيل وأخطأ المسيح معاذ الله – ناهيك بروح القدس جبريل- صلوات الله وسلامه علي جميع ملائكته وأنبيائه.

(7)

يحدثك سفر التكوين – أول أسفار التوراة- عما كان من شأن آدم عليه السلام وزوجته في الملأ الأعلي، وعن الجنة التي " أزلهما الشيطان عنها" فأهبطوا إلي الأرض جميعاً . كما يحدثك عما كان من شأن "قاين" و "هبل" (قابيل وهابيل في المراجع الإسلامية) ابني آدم الأولين، ويسمي " شيث" ابنه الثالث وذريته إلي نوح وإبراهيم، ثم يمضي علي عمود النسب حريصا علي كل الحرص، لا يترك علما من أعلامه إلا ويصعد به إلي آدم أبي البشر. وقد ورث " العهد الجديد" هذا الحرص (راجع الإصحاح الأول من متي والإصحاح الثالث من لوقا)، تنصيصا علي موضع المسيح من عمود النسب الذي يصعد به إلي "آدم بن الله"...

(هكذا كتب لوقا في إنجليه : آدم بن الله؛ (لوقا 28:3) وقوفاً بعمود نسب المسيح عند آدم لا يتجاوزه إلي الله عزوجل، الذي لم يلد آدم بالطبع وإنما صنعه "بيديه" كما تنص التوراة. ومن قبل قال كتبة التوراة "أبناء الله" (تكوين: 1:6و4). وهذا كله لا يؤخذ علي أصله وإنما يؤخذ بمجازه المقصود منه في اللغات السامية ومنها الآرامية والعبرية، ولم يفطن إليه في " مجمع نيقية" بطاركة يونانيو الفكر واللسان : الأب مجاز علي الأصل والمنشأ، أي الله المبدع الفاطر البارئ ، والابن مجاز علي النسب إلي الصانع"الباني" مصداق هذا (راجع المعجم التحليلي العبري – الآرامي المذكور في حواشي هذا الكتاب) أن لفظة " بن" العبرية- الآرامية منحوتة علي المفعولية من جذر الفعل العبري- الآرامي " بنا" (وهي بني/ يبني العربية)، ولكنك لا تهدي من أحببت).

والذي يستوقف النظر- في مقاصد هذا الكتاب علي الأقل- أن الأعلام علي عمود النسب من آدم إلي نوح (وهم ليسوا عبرانيين بالقطع)، ناهيك بالملأ الأعلي، هي في التوراة أعلام عبرية – آرامية . والتوراة لا تقف عند إيراد الاسم عبرانيا آراميا، وإنما هي أحيانا كثيرة تفسره بالعبرية، لا علي الترجمة ، فالاسم الذي تفسره عبراني- آرامي في أصله، وإنما علي البيان، أي أنها تدلك علي مناسبة التسمية وسببها . بعض هذه التفاسير مقبول ، وبعضها مفتعل، من مثل: "ودعا آدم اسم امرأته حواء لأنها أم كل حي" (تكوين 20:3) وحواء كما تعلم ليست "أم كل حي" بإطلاق، وإنما هي أم كل حي من البشر فحسب، باستثناء "آدم" بالطبع.

والأكثر استيقافا للنظر- لاسيما في آدم والملائكة من مثل جبريل وميكال رضوان الله عليهم- أن القرآن يتابع التوراة علي تسمياتها هذه لهؤلاء الأعلام الثلاثة ، بل قد أثبت القرآن لآدم اسمه هذا العبري – الآرامي علي النداء من الله عز وجل : {وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ } (19) سورة الأعراف.
أفكان آدم رجلا عبرانيا أو آراميا ؟ كيف، وهو أبو كل البشر؟
أفكانت العبرية أو الآرامية هي اللغة التي علم بها آدم " الأسماء" كلها ؟ أكانت هذه أو تلك هي لغة الملأ الأعلي؟ أكانت هذه أو تلك هي اللغة الأولي التي هبط بها آدم من الجنة؟
ليس لك أن تخوض في لغة الملأ الأعلي. هذا من غيب الله... ليس لك أن تفترض ضرورة وجود " لغة" لفظية – صوتية ما، أيا كانت، أداة للتلقي والفهم والخطاب فيما بين الملأ الأعلي. ليس لك أن تخوض فيما لم يعلمك الله.
أما لغة آدم التي تكلم بها علي الأرض مهبطه من الجنة، فالراجح عندي - ولا أُلزمك إياه - أنها هي نفسها اللغة التي علم بها آدم الأسماء في الملأ الأعلي، لاسيما اسمه هو نفسه الذي خاطبه به الله في الجنة، وثبت له علما في الأرض بين زوجته وبنيه. والذي أقطع به - ويلزمك المنطق الصرف إيا ه- أن ثبوت العلمية لأبي البشر في الجنة وعلي الأرض - وكذلك لجبريل وميكال - بأسماء لا تفسر إلا بجذور ألفاظ تستخدمها اللغات السامية إلي الآن، يعني أن لغة أبي البشر آدم كانت لغة سامية ما ، بل قد كانت هي أم اللغات السامية جميعا، أو ان اللغات السامية –دون سائر اللغات - هي الأحفظ لما بقي من لغة آدم بعد ما تفرقت في لغات البشر. لا أقول لك – وإن كنت أرجح – أن العربية الأولي، قبل أن تتطور إلي اللغة التي نزل بها القرآن، قد كانت هي لغة آدم. يكفي العربية فخرا أن قد كان بها ختام كلام الله إلي أهل الأرض: يكفي العربية فخرا قرآنها.

أما لماذا يتابع القرآن التوراة في تسمياتها العبرية- الآرامية، وإن تعلقت بذوات غير آرامية وغير عبرية البتة، من مثل الملائكة رضوان الله عليهم، ومن مثل الأنبياء من آدم إلي نوح، فيعرب صورتها الآرامية – العبرية علي نحو ما وردت في الصحف الأولي، ولا يعربها عن الصورة المجهولة لنا الآن التي كانت عليها في لغة أصحابها قبل مولد هاتين اللغتين الآرامية والعبرية، فهذا هو منطق " العلمية" كما مر بك: قد سبق الوحي الأول بتلك الأعلام علي صورتها في التوراة فثبتت، أي صارت علما علي الذات التاريخية لأصحابها ، إن عدلتها ولو بقصد التصحيح فقد حرفت ، بل لما جاز: قد ضللت سامعك إذن، ونكرت عليه شخص الذي تعني.

ولكن القرآن في تفسيره الفذ لأعلامه الأعجمية يعمد أحيانا إلي التفسير بالتعريب وحده، كما ستري في " ميكال" صلوات الله عليه، فيجمع بين المعني وبين الصورة التي استقر عليها الاسم العلم، في مزيج جل من أوحي.

***

من خصائص العربية التنوين في الأسماء، أي الوقوف بالاسم- في اللفظ لا في الرسم- علي نون ساكنة تلي حركة الأعراب. ولعلماء العربية وعلماء الصوتيات أيضا وجوه في " تعليل" التنوين، ليس موضعها في هذا الكتاب.
وقد شذت كما تعلم صور وأوزان وأعلام، منع تنوينها. والاسم الذي يقبل حركة الإعراب ويمتنع تنوينه، يسميه النحاة "الممنوع من الصرف".
والاسم الممنوع من الصرف – الاسم المعنوي والاسم العلم- لا يمتنع تنوينه فحسب حيث يجب التنوين، وإنما أيضا يجر بالفتح في موضع الكسر.
ولأن الأصل في " العلم الأعجمي" منعه من الصرف "للعجمة"، فما كان أيسر عليك أن تحصي العلم الأعجمي في القرآن استنادا إلي هذه القاعدة وحدها ، فتسلم بعجمة تلك الأعلام التي امتنع تنوينها حيث يجب التنوين ، أو جرت بالفتح في موضع الكسر، ثم ترفض دعوي العجمة في غيرها.
ولكنك لا تستطيع الاستناد إلي هذه القاعدة وحدها في التسليم بدعوي العجمة أو رفضها ، فقد " صرف" العرب - أي نونوا وجروا بالكسر- أعلاما أعجمية لخفة أوزانها، تجد منها في القرآن " نوحا", "لوطا" المقطوع بعجمتهما، ومنعوا من الصرف في المقابل أعلاما مقطوعاً بعربيتها مثل " أحمد" لمجيئه علي وزن " أفعل" الممنوع من الصرف. تجد علي هذا الوزن في القرآن " آدم" ، " آزر" الممنوعين من الصرف في كل القرآن، فلا تدري أمنعا من الصرف للعجمة أم للوزن.

كذلك يمنع من الصرف في العربية للعملية والتأنيث، أي العلم المؤنث، مثل " فاطمة"، "زينب" عربيا كان الاسم العلم أم أعجميا، ومثاله من الأعجمي المؤنث في القرآن الاسم "مريم" ، الممنوع من الصرف في كل القرآن للعملية والتأنيث قبل العجمة، فلا تقطع بعجمته مستندا إلي منعه من الصرف فحسب، وإنما تنتظر حتي تؤصل الاسم في لغة صاحبه.
يمنع من الصرف أيضا للعملية والتأنيث قبل العجمة أسامي القبائل، إلا إذا أردت" القبيلة" أي القوم، ولم ترد" الحي" أي الموضع. من هذا في القرآن أمثال "ثمود"، "مدين"، الممنوعتين من الصرف في القرآن. ولكن " ثمود" ، "مدين" لايمنعان من الصرف في القرآن علي الموضع فحسب، وإنما هما ممنوعان من الصرف في كل القرآن حتي حين يراد منهما " القبيلة" صراحة، أي القوم ، بدلالة ورودهما علي جمع المذكر صريحا، في مثل قوله عز وجل :
(وإلي ثمود أخاهم صالحا)، (وإلي مدين أخاهم شعيبا)، فتستدل من هذا علي أن "ثمود" ، "مدين" لفظان أعجميان منعا من الصرف للعجمة . " أما "عاد" فصرفت لخفة الوزن فحسب. إلي غير ذلك من موانع الصرف وشواذه مما لا نستطرد بك إليه، لأن مرادنا التمثيل فقط. علي أن كثرة الشواذ في القاعدة لا تبطل حكمها، متي راعيت إعمالها بضوابطها. مثال ذلك أن تنعدم في الاسم كافة موانع الصرف إلا العجمة، كأن يكون اسما علما مذكرا، من مقطعين فأكثر، علي زنة لا يجوز فيها إلا الصرف. عندئذ تكون العجمة هي الوجه الوحيد لامتناع صرفه. من هذا الاسم غير منازع.
ولكن عربية الاسم لا تعني عربية " صاحبه" بدليل عجمة من أرسل إليهم: ثمود. لأن " ثمود" أو بالأحرى "قري صالح" ، لم تكن جغرافيا علي عصر صالح عليه السلام من منازل العرب الناطقين بالعربية التي نزل بها القرآن. كان صالح النبي آراميا من قوم آراميين، ولكن اسمه الآرامي "صاليح" (والمد فيها بعد اللام مد بالكسر لا مد بالياء)، تواطأ لفظه ومعناه مع " صالح" العربية في القرآن. فصرف لخفة وزنه. وربما كانت " صالح" أبين الأمثلة علي أسلوب القرآن في التفسير بالتعريب، وسيأتي هذا في موضعه.

وردت في التوراة أعلام أنبياء لم يذكرهم القرآن، مصداقا لقوله عز وجل:
{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ َ} (78) سورة غافر. وبالمثل، سمي القرآن أنبياء ثلاثة لم تذكرهم التوراة ، ولم تذكرهم أيضا الأناجيل ، وهم "هود" ، "صالح"، "شعيب".
وسمي القرآن أيضا "إبليس" المختلف في عجمته، ولم ترد في التوراة إلا "ساطان" (شيطان)، المترجمة في الأناجيل اليونانية إلي "ذيبلس"Diabolos وإن كانت الترجمة اليونانية غير دقيقة، لأن "ذيبلس" تعني " الرجيم" ، لا العدو أو المناوئ الذي تعنية "ساطان" العبرية – الآرامية . ويزعم أدعياء الاستشراق، وتابعهم للأسف علماء عرب، أن القرآن نحت "إبليسه" من ذيبلس اليونانية هذه ، كما عرب من قبل " ساطان" العبرية إلي " شيطان"، دون أن يدري أن الأولي ترجمة للثانية ، لا أكثر ولا أقل.

والملاحظ أن " إبليس" ممنوعة من الصرف في كل القرآن، لا يلحقها قط التنوين، ولا تجر إلا بالفتح. والمنع من الصرف كما تعلم من دلائل العجمة ، ولكنه ليس بدليل كاف في " إبليس" بالذات، لمجيئه علي زنة" إفعليل" ،وهو وزن نادر في العربية ، واقترنت الندرة بالعلمية فأشبه الأعجمي، فمنع صرفه.

والرأي في "إبليس" وأمثالها ، مما أخبر به الله عز وجل في القرآن علي غير سابقة في التوراة والانجيل، ومنه من الأنبياء هود وصالح وشعيب، أو من الملائكة مالك وهاروت وماروت، صلوات الله وسلامه علي ملائكته وأنبيائن، أنها من أنباء الغيب غير المتحدث به في التوراة والإنجيل اللذين بين يديك اليوم،وأن القرآن الذي لا يحاج بما في التوراة والإنجيل ، لا يحاج من باب أولي بما ليس فيهما.علي أن لنا في "إبليس" رأيا آخر، يأتي في موضعه.

أما ما جاء من أعلام القرآن علي المخالفة الصريحة لنظراتها في التوراة والإنجيل ، فمنها مرسي سفينة نوح عليه السلام، "الجودي" ، وهي في التوراة" آراراط"، وفي " تارح" وحرفته الأناجيل اليونانية إلي "ثارا" Thara (انظر النص اليوناني الأصلي لإنجيل لوقا 34:3)، ومنها أيضا " طالوت" المسمي في التوراة "شاءول". ومنها "يحيي" عليه السلام، المرسوم في النص اليوناني للأناجيل بالرسم" يونس" Ioannes علي أصل عبري مظنون هو "يوحنان" أو آراميه " يوحنا" أبدلت حاؤه همزة (سهلت لكونها غير بادئة)، وختم – علي خلاف صورته الآرامية – بالكسر لا بالفتح، وأضيفت سين الرفع. وأخيرا علم المسيحية الأكبر، عيسي عليه السلام، المرسوم في الأناجيل اليونانية "يسوس" Iesous علي الرفع، " يسون" علي النصب، " يسو" في غير ذلك ، وكأنها من يشوع العبرانية ذهبت عينها وأبدلت شينها سينا.

هذا الاختلاف البين في تلك الأعلام الخمسة بين رسمها في القرآن ورسمها في التوراة والإنجيل ، ليس كما تري ناشئا عن مجرد " التعريب" وإنما هو خلاف في جذر الاسم نفسه ، رغم أن القرآن ينص تنصيصا علي أنه يعني علي القطع بأعلامه هذه نفس مسماها في التوراة والإنجيل، فالجودي هو نفسه مرسي سفينة نوح، وآزر هو أبو إبراهيم ، وطالوت هو الملك شاءول الذي خرج داود من عسكره لمبارزة جالوت، ويحيي هو نفسه يوحنا بن زكريا المصدق بالذي هو "كلمة من الله" ، وعيسي هو نفسه المولود من عذراء، الذي أبرأ الأكمه والأبرص، وأحيي الميت.

أتظن أن القرآن الذي يقص عليك بدقة مذهلة وعلم محيط، أنباء أولئك وهؤلاء، يخفي عليه أسماء أبطال"قصصه" في رسمها الآخر، وهو شائع ذائع بين معاصريه من أهل الملتين، يهود يثرب، ونصارى نجران؟ كيف يدقق في النبأ ويخطئ في البطل؟ كيف يذكر لك من أنباء الطوفان ما سكتت التوراة عنه، ثم "يخترع" لمرسي السفينة اسما مخالفا لما سمته التوراة؟

(لم تتحدث التوراة عن امرأة نوح التي خانته، ولا عن ابنه الذي اعتصم من الماء بجبل ولا عاصم، ولم تتحدث عن جدال نوح ربه فيه. والملاحظ علي التوراة التي بين يديك أنها تجتزئ اجتزاء مخلا بالنسبة لأنباء ما قبل إبراهيم ورسالته إلي قومه وتحطيمه الأصنام وتحريقه في النار ولا عن جدال إبراهيم أباه، الذي لم يهجره إبراهيم وإنما " هاجر معه" كما تقرأ في سفر التكوين، وكأنما كل أهمية إبراهيم ليست في أنه نبي رسول، وإنما في أنه " البطربرك" (أبراهام أبينو) وصاحب " الموعد" الذي رسم لليهود حدودهم الجغرافية – السياسية، أما باقي التوراة فكله حديث عن الذي ورث" الموعد" : يعقوب وبنوه . إنها " توراة بني إسرائيل").

ألم يقع في سمع محمد (صلي الله عليه وسلم) من أحبار يهود أسلموا أن اسم أبي إبراهيم في التوراة هو تيرح، فلماذا يصر علي تسميته آزر؟ كيف يسمي داود وجالوت فيصيب، ثم"يفقد الذاكرة" فجأة في شاءول فيسميه طالوت؟ ألم يحاوره أساقفة نجران ثلاث ليال في مسجده بيثراب وهو يعرض عليهم الإسلام، أجادلوه بيوحنا ويسوع، أم جادلوه بيحيي وعيسي؟ لا يظن هذا من خصوم القرآن إلا هازل. ولكن من علمائهم وأحبارهم من فعلوه. كان أحرى بهؤلاء وأولئك ألا يطيلوا الوقوف عند أوجه التطابق بين " كتابهم المقدس" وبين القرآن، مطنطني بدعوي النقل والاستنساخ : إن صح لهم الوحي فالموحي واحد بنص القرآن، وقد تابع الإنجيل التوراة، ولم يعيبوا عليه. بل كان عليهم أن يتوقفوا فيطيلوا الوقوف حقا عند نقاط مخالفة القرآن الصريحة عامداً متعمدا لمحفوظ، مأثور ، مسجل في كتبهم، ليتبينوا أي الوجهين أصوب وأدق. ولكنهم لم يفعلوا.

بل من خصوم القرآن هؤلاء ملحدون يدعون اصطناع المنهج العلمي في مقارنة "الأديان" يستوي عندهم - في بطلان دعوي الوحي- التوراة والإنجيل والقرآن جميعاً، فتندهش كيف استباحوا مجادلة القرآن – ثابت الأصل والسند باعترافهم هم أنفسهم- بتوراة مقطوعة السند عندهم ، قالوا إنها كتبت من الذاكرة بعد صاحبها بعدة قرون.
أو بأناجيل أو ترجمات أناجيل يقولون إن أصلها العبراني المفترض مفقود، لا تدري أي أخطأ المترجم أو اصاب، إلا أن تسلم بالوحي لكتبة الأناجيل اليونانية – كما ارتأت الكنيسة من قبل – والملحد المتعالم ينكر الوحي علي كائن من كان. ولكنك تعلم أن هؤلاء ليسوا بعلماء، وإنما هم "خدام سياسة" ، والهوي والغرض كما تعلم داء عضال لا يرجي منه برء. أما علماء الملتين، فما أنصفوا وما سددوا : القرآن هو السند الأوحد لرأب ما انقطع سنده في التوراة والإنجيل، وهو سند أي سند؛

أما الوجه الذي خالف به القرآن كلا من التوراة والإنجيل في تلك الأعلام الخمسة، فالحديث عنه يأتي بإذن الله في موضعه، عندما نتناول بالتحليل أعلام القرآن المعنية في هذا الكتاب، علما علما...

يتبع....

‏هناك تعليق واحد:

Gharib يقول...

بسم الله
ما معنى اسمي قابيل وهابيل، وما مصدرهما